مثل مرض السرطان طوال العقد الماضي المرتبة الثالثة كأهم مسبب للوفاة في الدولة، وطبقا لاحصائيات مكتب التسجيل السرطاني بوزارة الصحة فان عدد حالات السرطان المسجلة بالدولة بلغ 11500 حالة، من بينها 5800 حالة سجلت في مستشفى توام بالعين، وثلاثة آلاف حالة في مستشفى دبي، وثلاثة آلاف حالة أخرى في مستشفى المفرق بأبوظبي، أما حالات السرطان التي سجلت في مستشفيات الدولة عام 1998 فقد بلغت 915 حالة من بينها 479 حالة للذكور و436 للإناث بنسبة 28.4% و655 حالة للوافدين بنسبة 71.5%، وبلغ متوسط العمر عند التشخيص 55 عاما للرجال و45 عاما للنساء. كما بلغت الميزانية المصروفة على قطاع العلاج بالاشعة بوزارة الصحة 100 مليون درهم داخل الدولة و250 مليون درهم تم صرفها على حالات عولجت في الخارج. وفي هذا التحقيق نستعرض القضية من كافة جوانبها. بداية يؤكد الأطباء انه حتى الآن لا توجد دراسة مسحية شاملة تكشف عن المعدلات الحقيقية والواقع الفعلي للاصابة بالمرض، وان الاحصائيات الرسمية الحكومية لا يمكن أن تعبر عن العدد الحقيقي للمصابين في الدولة نظرا لوجود العديد من المرضى الذين يعالجون في المراكز الخاصة داخل أو خارج الدولة، فضلا عن وجود مرضى في المناطق النائية ولا أحد يدري عنهم شيئا، وآخرون غيرهم ربما يكونون مصابين بالمرض ولا يدرون عن اصابتهم. ويشدد الاطباء على ضرورة اجراء المزيد من الدراسات المسحية الشاملة التي تستهدف كافة فئات المجتمع على مستوى الدولة للوصول الى المعدلات الحقيقية لواقع المرض حتى يمكن العمل على تطوير برامج متكاملة للمكافحة والاكتشاف المبكر والعلاج. ويعرف الدكتور فلاح الخطيب رئيس قسم العلاج الاشعاعي بمستشفى توام بالعين مرض السرطان بأنه أي تورم ناتج عن انقسام أو تغيير غير طبيعي في الخلية دون سيطرة الجسم عليه، وان الخلية هي الوحدة الاساسية التي تتكون منها انسجة واعضاء جسم الانسان وكل خلية لها القدرة على الانقسام بشكل منتظم. وحول نسبة انتشار أمراض السرطان في الدولة يؤكد الدكتور الخطيب ان النسبة قليلة اذا ما قورنت بالدول الاخرى، حيث بلغت معدلات انتشار السرطان في الدولة 90 حالة من بين كل مئة ألف نسمة من السكان بينما نجدها في الولايات المتحدة الامريكية مثلا تصل الى 400 حالة للمئة ألف من السكان، وتصل في بعض الدول الغربية الى 250 و350 حالة، وهذا بطبيعة الحال لا يعني ان نطمئن لهذه النسبة القليلة، لان التلوث البيئي المتصاعد في مدن الدولة، الى جانب التغيرات السلبية الاخيرة التي طرأت على السلوكيات الحياتية كالتدخين وتناول الاطعمة الدسمة والوجبات السريعة وقلة الحركة، والتي تشترك جميعها وترتبط بشكل مباشر بحدوث المرض.. كل هذا يجب أن يجعلنا يقظين لرصد المرض واعتماد وتفعيل نظم جديدة للتسجيل السرطاني وتوفير المعلومة الدقيقة التي يمكن من خلالها تطوير أساليب أكثر فاعلية للاكتشاف المبكر ومن ثم العلاج. سرطان الثدي وحول أكثر الامراض السرطانية انتشارا في الدولة.. يقول الدكتور فلاح الخطيب ان الدراسات الخليجية التي أجريت مؤخرا بينت ان سرطانات الثدي وعنق الرحم والغدد الليمفاوية والغدة الدرقية واللوكيميا من اكثر انواع السرطانات انتشارا في الدولة ودول الخليج العربي، حيث بلغت حوالي 90% من اجمالي حالات السرطان المسجلة. وأوضح ان سرطان الثدي في الدولة يعتبر الاكثر حدوثا بين الاناث ففي عام 1992 سجلت 24 حالة وفاة بسبب سرطان الثدي بنسبة 23% من اجمالي الوفيات بين الاناث في ذلك العام، وفي الفترة الممتدة من عامي 1984 و1992 سجلت 266 حالة سرطان ثدي في مستشفى المفرق وحدها، وكان منهن 30% بين عمر 3039 سنة، و37% بين عمر 4049 سنة، و29% لعمر أكثر من 50 سنة.ويؤكد ان سرطان الثدي في كثير من الدول الاوروبية والامريكية يعتبر من اهم الامراض التي تؤدي الى الوفاة بين الاناث، ففي امريكا فان واحدة من بين 14 امرأة تصاب بسرطان الثدي خلال حياتها، وترتفع هذه النسبة لتصل الى واحدة من كل 11 امرأة في بريطانيا. وحول أهم العوامل التي تساهم في حدوث سرطان الثدي يقول الدكتور فلاح الخطيب: ان هناك عدة عوامل تساهم بشكل أو آخر وتزيد من احتمال حدوث المرض ومنها السن، فكلما زاد سن المرأة كلما زاد احتمال اصابتها بالمرض، وكذلك التاريخ المرضي للعائلة أي اذا كان للمرأة أقارب (أم، أخت، بنت) أصبن به من قبل خاصة قبل انقطاع الطمس، كما يكثر احتمال الاصابة بسرطان الثدي عند المرأة التي تحمل بالطفل الاول لها بعد سن الثلاثين ولم تحمل قبل ذلك، كذلك هناك عوامل اخرى مرتبطة بحدوث المرض كالاعتياد على تناول الغذاء الذي يحتوي على كمية كبيرة من الدهون والسمنة وكذلك زيادة الوزن. الكشف الذاتي ويؤكد البروفيسور فرحان باقر استاذ الطب الباطني السابق في جامعة بغداد وجامعة وستر الامريكية وعضو الفريق الطبي الذي يشرف على برنامج «ميدك سايت» في معهد زايد للابحاث والتكنولوجيا على اهمية الكشف الذاتي للثدي من جانب المرأة بحيث يمكنها اكتشاف ظهور اي ورم موضعي في الثدي أو تحت الابط او تلاحظ وجود نتوءات على الجلد أو تغير في لونه، واذا لاحظت شيئا من هذا القبيل فعليها مراجعة الطبيب على الفور، فهو الذي يستطيع من خلال التشخيص والكشف تحديد نوعية المرض، ومن خلال الصور الاشاعية أو «الماموجرافي» والذي يكشف الاجزاء الداخلية للثدي، وفي أغلب الاحيان تكون هذه التغيرات في الثدي ليست سرطانا. ويقول الدكتور باقر: من الضروري جدا حتى في حالة عدم ظهور اي شيء يدل على وجود المرض ان تقوم المرأة باجراء اول صورة اشعاعية من سن 35 الى 39 سنة، ثم مرة كل عامين عند سن الاربعين ثم مرة كل عام عند سن الخمسين. ويؤكد ان سرطان الثدي وان كان الاكثر انتشارا بين النساء فانه في نفس الوقت الاكثر قابلية للعلاج والشفاء وقد تصل نسبة الشفاء من سرطان الثدي الى 100% عند اكتشافه في مراحله الاولى، وذلك بفضل تطور تقنيات المعالجة والتشخيص، والتي تختلف بدورها باختلاف نوع المرض ومدى انتشاره في الجسم، ويتم العلاج اما بالجراحة او بواسطة العلاج الكيميائي او الاشعاعي او الهرموني، وفي الغالب يتم العلاج بعدة طرق مجتمعة فاذا تم العلاج المبكر وكان المرض في حدود 3سم فان العلاج لا يستلزم استئصال الثدي بل يمكن استئصال الورم وعلاج باقي الثدي بالأشعة. ويضيف الدكتور باقر ان معهد زايد بالتعاون مع الجهات المعنية في الدولة سيبدأ في مطلع العام المقبل في اجراء دراسة مسحية شاملة لكل فئات المجتمع لمعرفة الواقع الفعلي لمرض السرطان بالدولة، وذلك تمهيدا لتنفيذ اول برنامج للكشف المبكر على مستوى منطقة الشرق الاوسط، وهو برنامج «ميدك سايت» والذي يقوم المعهد بتنفيذه بالتعاون مع شركة «اتش تي تي بي» البريطانية ومستشفى الشيخ خليفة والمفرق. ويقول.. ان الجهاز الجديد الذي تم تطويره من قبل معهد زايد والشركة البريطانية، يعد انطلاقة كبرى في عالم الكشف المبكر للسرطان حيث جرى اختباره في لندن وحقق نتائج باهرة وأمكن بواسطته كشف وتحديد الحجرات السرطانية في الجسم في حدود اقل من مليمترين، ومعنى ذلك ان الجهاز يستطيع كشف وتحديد الخلايا غير الطبيعية في جسم الانسان حتى قبل ان تبدأ هذه الخلايا في التأثير على المريض، مشيرا الى ان المعهد سيبدأ اولا بالاكتشاف المبكر لسرطان الصدر والرئتين على اعتبار ان سرطان الرئة يعتبر من أشرس انواع السرطانات، ثم يضيف التخصصات الاخرى في المراحل المقبلة.ويؤكد الدكتور محمود فكري وكيل وزارة الصحة لشئون الطب الوقائي ان الوزارة أولت مشكلة السرطان في السنوات الماضية اهمية كبرى، سواء في مجال التوعية والتثقيف أو في مجال تطوير وتوسعة برامج المكافحة الحالية والمستقبلية، وايضا في مجال الكشف المبكر والعلاج والاستعانة بأحدث الاجهزة الطبية والخبرات البشرية، حيث تم افتتاح عدة مراكز لعلاج السرطان في أربعة مستشفيات بالدولة «توام، المفرق، الشيخ خليفة، دبي» وزاد عدد الاسرة الى 200 سرير في العام الماضي، كما زاد عدد التجهيزات الاشعاعية والتشخيصية وعدد اخصائي علاج السرطان ايضا، ووصلت اشعة اكس الى 38 جهازا، و17 جهازاً للأشعة المقطعية، كما وصلت اجهزة الرنين المغناطيسي الى 16 جهازاً و7 للطب النووي. واوضح الدكتور فكري ان الخطة الخليجية الموحدة لرصد حالات السرطان وطرق الوقاية والاكتشاف المبكر للاصابة، والتي جاءت بناء على توصية من مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون ساعدت على تطوير خطط وبرامج المكافحة والتوعية الصحية حول سبق الوقاية من الامراض السرطانية عن طريق تجنب العوامل المسببة للمرض ويأتي في مقدمتها التدخين والعادات الغذائية السيئة. وقال ان وزارة الصحة لن تألو جهدا في القيام بواجبها في محاصرة المرض وتقليل نسبته الى ادنى مستوياتها، مؤكدا أن نسبة الاصابة بالمرض مقارنة بالدول الاخرى تعد نسبة قليلة جدا. تحقيق: مصطفى خليفة