ـ جاءني احد الاصدقاء المترفين ذات مرة، وكان يحمل في جعبته الكثير من اخبار عائلته واسرته، وكذلك الحديث عن فلان وعلان ممن يحتك بهم بحكم الجوار او الزمالة في العمل. ـ ثم عرج على الجانب الاخلاقي والتربوي الذي يهم الاسر ويهم الاولاد بشكل خاص، وقال بان التربية هي مهمة وزارة التربية التي ينبغي لها ان تضع للطلبة المناهج المناسبة، وتغرس فيهم حب الله وحب رسوله وطاعة الوالدين، وبالمناسبة كان يشكو من عقوق ابنه له. قلت له وهل التربية تبدأ من المدرسة؟ قال نعم. قلت وأين يتربى الولد قبل ان يلحق بالمدارس؟ هل يولد الولد في المدرسة، وهل المعلم يقوم بدور القابلة ايضا؟ الا يولد في البيت ويترعرع بين يدي امه وابيه، ويرضع من اخلاقهما وينشأ على الصفات الكريمة او الذميمة التي يراها في والديه؟ قال يا أخي ان المدرسة هي الاساس، والمعلم هو الاول والاخير، والكتاب المدرسي هو صفحة الحياة اليومية التي يستفتح الولد يومه بها. فاذا لم يتعلم الولد في المدرسة طاعة الوالدين فمن اين له ان يتعلم البر؟ قلت له مهلا رويدك، انك مندفع اشد اندفاع، وكأنك ولدت لتوك، ولم تكن يوما ما طفلا صغيرا ترعى في ظل ابويك. وكأن لم تكن تلميذا في المدارس ياخذك والداك في الصباح اليها، وعند الظهيرة يعودان ليأخذانك الى البيت ثانية لتقضي خمس ساعات في المدرسة وتسع عشرة ساعة في البيت مع والديك. ـ ان الولد يجب ان يتربى في البيت اولا، اما المدرسة فهي ربما تعلم ولكنها لاتربي، لانها لا تلازم الولد دائما، وانما البيت هو الذي يلازمه ليلا ونهارا. ـ قال ولكني اعتقد اعتقادا جازما بأن المعلم اقدر، والمدرسة والكتاب هما اولى باحتضان الولد وتعليمه كل شيء عن الحياة، ولعل اقل شيء هو ان يعرف كيف يقدر والديه. ـ قلت ما رأيك في وزير موجود بين اظهرنا اليوم، ضرب اروع المثل في طاعته لوالده وقيامه بخدمته ليلا ونهارا. ـ قال ومن تعني قلت فلان، قال انه كذلك لانه درس على ايدي معلمين اكفاء، والمناهج التي درسها كانت على قدر من الكفاية المطلوبة. ـ قلت: نعم انه درس وتعلم، ولكن اذا كنت تعتقد بانه درس مناهجنا التي يدرسها اليوم اولادي واولادك، فهو ولد قبل ان يكون لنا مناهج وطنية، بل قبل ان يكون لنا دولة مستقلة. انه كما قلت لك رباه البيت لا المدرسة، وتوفيق الله كان حليفه لا ارشاد المعلم. ـ انه اليوم يقدم طاعته لله اولا فلا يفوت على نفسه صلاة الجماعة. ويقدم طاعته لوالده فلا يأكل الا اذا اكل والده، ولا يلبس الا اذا لبس والده، ولا يخرج الا اذا خرج والده، ولا يدخل مجلسه الا اذا احضر والده اولا ليتصدر المجلس. ـ بل اكثر من ذلك فانه يخلص ويتفانى في مجال عمله، فلا يفرق بين هذا وذاك، بل كل المراجعين امامه سواء. واذا رأى احدهم بانه يريد ان يستخدم نفوذه او قربه منه انبه وطلب منه ان يلتزم بالقانون، ويحترم مشاعر الآخرين. ونراه ايضا رغم انه من علية القوم قريبا من افراد المجتمع فلا نجد مناسبة الا وهو اول من يبادر ويهنيء او اول من يعزي ويواسي. ـ بالله عليك اين نجد مثل هذه الطاعة للوالدين، ومثل هذا التواضع؟ ولا سيما اذا كان الرجل يشغل منصبا كمنصبه؟ واين نجد من يطالب الناس بان يحترموا القوانين، وينبذوا الطبقية والمحسوبية؟ ـ نعم . لقد رأينا عليا زين العابدين رضي الله عنه يفعل ذلك، عندما كان يجلس على المائدة فلا يمد يده الى الطعام قبل امه، خشية ان يأخذ شيئا كانت امه راغبة فيه. ـ ورأينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرد عمرو بن العاص وهو والي مصر آنذاك عندما جاء وتخطى الناس ليأخذ راتبه قبل الناس، نظرا لانه والي مصر، ولانه عمرو بن العاص الحكيم الداهية. لكن عمر رضي الله عنه ادرك ذلك منه فامره بالرجوع والوقوف في الطابور قائلا له: اصبحت لا تهاب سلطان الله في الارض فارجع فان سلطان الله لا يهابك، وقف حتى يأتيك الدور. ـ هذه القيم الجميلة كانت خلق الصحابة والتابعين، فاذا رأيناه اليوم عند بعض الناس كان دليلا على انهم بقية اولئك الابرار. ـ ثم قلت له يا سيدي: هذه القيم وهذه الاخلاق الفاضلة لا تكتسب من الكتب ان لم تكن فطرة في النفس، ولا من المعلم ان لم يقم البيت بتعويد الطفل عليها منذ نعومة اظفاره. ـ ان الولد عندما يلتحق بالمدرسة يكون قد قام عوده ووقف على ساق، نعم ... قد يقال بان المعلم قادر على تقويمه، ولكنني اقول وكم من الصعب تقويم المعوج. ـ ان طفل اليوم يعيش على التلفاز منذ ولادته، ولا يدخل المدرسة الا وهو متشبع بالكلام والمشاهد، فيعرف حتى الامور التي تسمى بالجنسية. ـ اذن البيت هو الاساس، والاب هو المعلم الاول، ولا تلقوا اللوم على المناهج ولا الكتب ولا المعلمين، لان المدارس والمناهج والمعلمين ليسوا الا مرشدين فحسب. ـ فاذا التقت ارشاداتهم ارضية خصبة آتت اكلها باذن الله. واذا وجدت غير ذلك فان ارشاداتهم كانت بمثابة ماء السكر الذي يصب في ارض مالحة فيتحول الى ملح اجاج. ـ قال لم تترك لي مجالا كي ابدي رأيا، وكأنني الاب ليس لي الا ان اوفر لهم المأكل والمشرب والمبيت، ثم لا اطالبهم بالطاعة والبر. ـ قلت له هذه علتكم ايها الآباء تحسبون ان واجب الآباء والامهات توفير المواد التي تغذي بطن الطفل، وكأن الطفل خلق ليأكل ويشرب وينام. اما غذاء الروح والفكر والجنان فانه لايخطر ببال احدكم ومع ذلك تشكون من عقوق اولادكم. ـ ثم قلت وانك تذكرني بالذي ذهب الى عمر رضي الله عنه يشكو عقوق ابنه، ولما استدعاه عمر قال الولد يا أمير المؤمنين ما حق الولد على ابيه؟ قال ان يحسن اختيار امه، ويحسن اسمه ويحسن تأديبه. قال الولد ان ابي لم يفعل ايا من ذلك، اما امي فامرأة زنجية ولقد سماني جعلا، ولم يحفظني سورة من القرآن. يقال عندما سمع عمر ذلك توجه الى الاب وقال: تقول بانه يعقك وانت قد عققته من قبل، اذهب فوالله ليس لك حق عليه. ـ اقول: اننا اليوم نظلم ابناءنا كثيرا، ونتجنى على الحكومات والمؤسسات ايضا عندما نتهمها بالقصور. والحق اننا مقصرون، اذ لم نقم تجاه اولادنا بالواجب، وهو منحهم الحنان قبل الطعام والشراب، وتوفير الامان لهم قبل توجيه اللوم والعقاب على تقصيرهم. ـ انهم اليوم اذا كانوا عاقين فلأنهم حرموا من نعمة الحنان، والمثل يقول: فاقد الشيء لا يعطيه. وان كانوا غيرمنتجين فلأننا لم نولد الطمأنينة في نفوسهم فنشؤوا خائفين، والخائف لايقدر على العمل، لانه غير قادر على التركيز. ـ اذن حنان الام قل لبانها، وعاطفة الاب قبل دراهمه، وامان البيت قبل مناهج الوزارة، وطبشورة المعلم ولوائح المدرسة. ـ اذا توافرت هذه فجدير بالولد ان ينشأ بارا بوالديه وبأساتذته وبالمجتمع بأسره، ولا فرق عنذئذ بين الوزير والمدير والخباز والمزارع، الا ان الوزير عندما يكون متصفا بتلك الصفات يكون مؤثرا اكثر، لان الناس ينظرون اليه بانه قدوة، اليس كذلك؟