اعتقد أنها قضية ليست مثيرة للجدل من حيث الفكرة والتصور ولكنها كذلك حين تنزل الى ميدان التطبيق وتتفاعل مع الواقع. فالجميع يعترف من حيث المبدأ أن الجوهر له قيمة عالية وان المضمون هو الاساس والمقصد، وان الشكل رغم أهميته وقيمته الا انه لا يمكن ان يكون بديلا عن المضمون والجوهر فالشكل الجميل لا يمكن ان يكون بديلا عن المضمون الجميل، ومهما اجتهد الانسان في تعديل الصورة وكان المضمون ضعيفا أو هشا فان جمال الشكل لا يعدو ان يكون استعراضا اجوف او ادعاء عاريا من الصحة وغير مسنود بدليل. تلكم قضية هامة اذن وتستحق ان تصرف لها الجهود لكي يحظى الاداء التربوي بعمل يرتفع في قيمته ومستواه عن الوقوف أمام الشكليات لينفذ الى الحقائق ويستبطن القيمة المجردة ليجعلها هدفا نبيلا يسعى اليه كافة المشاركين في مسيرة التربية والتعليم. واذا سلمنا طائعين ان تربية الطلاب والطالبات على البحث العلمي، والاجتهاد في تحصيل المعرفة ينبغي ان يكونا هدفين يراهن كل معلم ناجح وكل معلمة مسئولة على تحقيقهما في نفوس الدارسين، فان الوسائل ينبغي ان تأتي ملبية لهذين الهدفين الكبيرين. ومما يمهد لادراك هذه الغاية حسن اعداد المعلمين لطلبتهم للوصول بهم الى المستوى المأمول من الاجتهاد في هذا الطريق، ومما يؤسس لها كذلك صفاء ذهن المعلم وتوقد قريحته وابتكاره للوسائل العملية المناسبة التي تثير في الطالب الحماسة للتعلم وتطلقه في آفاق البحث والتدريب الذاتي الحثيث لقطع اشواط في رحلته السامية نحو التألق والسبق. ان الهدف الكبير ان لم تسنده وسائل فاعلة لن يجد له حيزا على أرض الواقع ولن يرى النور طالما ان الوسائل بعيدة عن تحقيق الهدف. ولن اكون مبالغة اذا قلت انها لطامة كبرى اذا ما زاد عدد اولئك المعلمين والمعلمات الذين يهدفون الى رفع المستوى العلمي لطلبتهم وطالباتهم، ثم تأتي وسائلهم بعيدة عن تلك الاهداف وكأن حالها يعبر عن تلك الصورة التي عناها الشاعر بقوله: سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب ان هذا الامر ومع بالغ الأسف يحدث دون انتباه في عدد من مدارسنا ويمارس في كثير من الفصول الدراسية والشواهد تترى على صحة ما أقول. ولعل مدارس الطالبات لها قدم السبق وباتت تستأثر بنصيب الاسد في تطبيق معنى الانفصام بين الاهداف العلمية وبين الوسائل والاساليب التطبيقية، فعلى سبيل المثال هناك فئة من المدرسات لديها اعتقاد كبير مصحوب بحماس ليس له نظير بأن التفوق والتحصيل لهما طريق مختصر، يأتي من خلال الرسم والتلوين، وقص الصور ولصقها وجمع الصور وصفها وزخرفة الاوراق وتسطيرها، ويصاحب هذا المهرجان للالوان مهرجان آخر اسمه مهرجان الفن والابداع فمن الرسم بالرصاص الى الرسم بالالوان الخشبية ثم المائية أو الشمعية، ومن أجل حمل الطالبات على الاستجابة لتلك المطالب الجمالية، التي تأتي في الغالب بلغة حازمة شديدة اللهجة وغير قابلة للتنازل او التغيير، هناك التلويح بالعلامات ذلك الشيء الذي لا يجهل، والسلاح الذي لا يقهر، وذلك المذاق الذي لا يمكن مقاومته او الاستغناء عنه. تقول لي من أثق فيها من الامهات: صدقيني لقد تصفحت بيدي اربعة دفاتر أو اكثر من دافتر ابنتي في المرحلة الاعدادية، وقد هالني حجم الصور والرسومات التي بداخلها، وكنت في كل مرة تقع فيها عيني على احدى الكراسات أظن انها لمادة التربية الفنية، فاكتشف ان الكراسة لمادة علمية أو أدبية؟! تضرب الام الحائرة كفا بكف على وقت ابنتها الضائع في الرسم والزخرفة، وترسم علامة تعجب كبيرة على وجهها لتقول بكل استغراب: الذي أتذكره أنني ارسلت ابنتي للمدرسة وليس الى كلية الفنون الجميلة!! هذا وللحديث صلة باذن الله. بقلم: مريم عبدالله النعيمي