عبر السنوات والمراحل يرتقى الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها او اساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند الى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات اثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو اولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. الحياة مدرسة والتاريخ والتجارب سلسلة من المواعظ والعبر.. لكن الانسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتعلم كما يتنفس، ومنذ ولادته وحتى مماته فانه يحاول ان يستنطق الاشياء والاحياء والاموات ولا يكف عن المحاولة والخطأ،، يسافر، ويشاهد ويسمع.. يكتب ويقرأ ويجوب الارض ويمتطي السحاب بحثا عن المعرفة واكتشاف المجهول انه يغوص في قاع البحر او يحلق بين مدارات الكواكب والنجوم في السماء، يمتطي الهواء.. ويصعد في الفضاء ليعرف ويتعلم. في هذه الرحلة ـ رحلة الحياة ـ المثيرة يحاول كل منا ان يملأ الذاكرة بالاسماء لاساتذته في الحياة فلكل منا رائده.. قدوته.. ومعلمه مهما اختلفت الاشكال والاسماء واختلطت المذاهب والأهواء. عن اساتذته يقول القاص ابراهيم مبارك: في حياتي الكثير من المعلمين الكبار والعظام، فمنذ النشأة الاولى وأنا أرى ان كل من هم حولي معلمون، لكن لكل طريقته كما انه يأتي في مرحلته ووقته وزمنه، ففي الطفولة كانت الأم هي المعلم الاكبر والاعظم ثم جاء دور افراد الاسرة ككل فالأب والاخ والاخت والعم والخال ومعهم ايضا الاصدقاء والاقارب الذين تعلمت من كل واحد منهم عبر مرحلة الصبا والشباب ثم جاء دور المدرسة التي صقلت كل هذه التجارب من خلال الكثير من المعلمين الأجلاء الذين قاموا بالتدريس والتعليم سواء من خلال المادة والمنهج او من خلال السلوك والقدوة، واحيانا كان بعضهم يعلمنا بعض الاشياء عن فن ممارسة الحياة وهكذا كانت الجامعة وكان اساتذتها. وأضاف مبارك: انني وبعد رحلة التعلم هذه أرى أن أهم واعظم اساتذتي في الحياة هي ثلاثة أشياء أولها البحر، فالبيئة البحرية المحلية في الامارات والتي نشأت فيها جعلتني اتعلم من هذا الازرق متلاطم الامواج شيئا أشبه بالحكمة التي روضتني وعلمتني كيف يكون الصبر جميلا وكيف ان الصبر مفتاح الفرج، وان الانسان لن يكون ابدا حليما.. ومتسامحا ما لم يتصف بالصبر، لذا فان البحر والصبر والصيادين هم في مقدمة اساتذتي اما في عالم الابداع والكتابة والفكر فان الكتاب كان استاذي الذي لا يضاهيه او يتساوى معه أي معلم آخر، فمنه ارتويت وكبرت وترعرعت وصرت منتعشا مكللا بالتفاؤل والأمل والطموح وحب الحياة.. نعم ان هؤلاء جميعا هم اساتذتي الذين علموني كيف يكون الانسان!! حب الوطن اما فاطمة السري مسئولة الاعلام بجمعية النهضة النسائية بدبي فتقول: أول وأهم استاذ في حياتي هو والدي ماجد السري الذي زرع في قلبي وعقلي حب الوطن وتاريخ الامارات ولفت انتباهي منذ الصغر الى هذا التوجه الانساني العظيم للدرجة التي أوصلتني الى ان اكون وانا في الصف الثالث الاعدادي كاتبة، واذكر انني وبفضل تشجيع والدي ودعمه لي علميا وفكريا نشرت في هذه السن العديد من المقالات في احدى الصحف المحلية. وتضيف فاطمة السري: ان هذا التأثر بوالدي دفعني بعد ذلك لمواصلة التعليم الجامعي فالتحقت بجامعة الامارات ودرست في قسم الصحافة بكلية الاعلام وكان ذلك عام 1980 اي في وقت كان الكثيرون في مجتع الامارات يعتبرون مثل هذه الدراسة للبنت عيبا كبيرا، واذكر ان والدي ونظرا لاهتماماته الثقافية والسياسية وتأثره بالزعيم العربي جمال عبدالناصر وبفكرة القومية العربية في الستينيات وبالفترة التي عاشها في الكويت فانه كان يحمسني ويشجعني كثيرا على الاهتمام بالقضايا العامة في مجتمع دولة الامارات، وبأن أعد نفسي دائما لكي يكون لي دور مهم في حياتي العملية، وقد سرت على نهج وفكر والدي الى ان رزقني الله بزوج متفتح ومستنير هو رجل الاعمال عارف بالعبيدة الذي واصل معي ما قام به والدي فشجعني على الاستمرار في العمل والاهتمام بقضايا الناس والمجتمع، وبذلك استمر نهج أبي وهو احد الاوائل أو الرواد من جيل المتعلمين في الامارات. وفي ختام حديثها تؤكد فاطمة السري ان اي انسان مرّ في مراحل حياته المختلفة بالكثير من المعلمين والاساتذة وكل منهم له الفضل الكبير في نجاحه ولكنني مدينة بشكل خاص لهذا الاب ومن بعده لزوجي الذي لم يغير أي شيء في مسيرة حياتي السابقة بل زادني تشجيعا حققت به تألقا ونجاحا، ولابد لي من الاعتراف بذلك لأن الاعتراف بالحق فضيلة يجب ان نحرص عليها هذا ما قاله لنا اساتذتنا في كل مراحل حياتنا. بشر وأشياء الاديبة باسمة يونس قالت: اساتذتي في الحياة بشر وأشياء ولكن أهم واعظم اساتذتي كانت أمي كمربية حازمة وفاضلة وأحيانا قاسية لكنني لم أكن اعلم وانا في مرحلة المراهقة المعروفة بأنها سن الطيش بأن أمي كان لديها طموحها الكبير ورغبتها القوية في أن تجعل مني انسانة لها دور حقيقي في الحياة، لذلك كان لها اكبر الاثر في حياتي حيث جعلتني أتجاوز المراحل الصعبة بسهولة بما لديها من بعد نظر ورؤية عميقة لمعاني التربية ولمعنى الحياة ككل، وعندما أتذكر الآن مواقفها الحازمة بل والصارمة أحيانا اقول لنفسي لولا هذه الأم العظيمة لما استطعت ان أواصل مسيرتي الحياتية والابداعية بكل هذا التوفيق والنجاح. واضافت مع مرور الزمن والتعرض لأحداثه الجسيمة والمريرة تعرفت على استاذي الثاني وهو: الايمان الذي منحني القوة والقدرة على مواجهة الاحداث والعوائق والمشكلات الصعبة، هذا الايمان بالله وبالقضاء والقدر منحني ثقة في نفسي، وجعلني أعيش في توازن صحيح مع نفسي، ومنذ الطفولة ولله الحمد كان هذا الايمان استاذي ودليلي ومناري في رحلتي التي تعرضت فيها لأحداث مخيفة ومفزعة فعلى سبيل المثال وأنا تلميذة في مدرسة الخنساء الابتدائية بمنطقة الرمس بدبي كان البحر احيانا يفيض على الخور وتمتلئ المدرسة بالمياه، وحدث في احد الاعوام فيضان كبير تعرضت فيه للموت ولكني نجوت بفضل الله، وفي هذه المرحلة المبكرة من العمر تعلمت معنى الايمان بالقضاء والقدر ثم تعرضت وأنا امرأة ناضجة في السنوات الأخيرة لحادث سيارة كاد أن يودي بحياتي ومكثت بسببه فترة طويلة في العناية المركزة وكان بيني وبين الموت خطوة الى درجة اني شعرت بأن كل شيء من حولي قد توقف، لكن الله برعايته شفاني وكنت في هذه اللحظات الصعبة ألوذ بالايمان فهو طوق النجاة الوحيد، في مقابلة المحن والمصائب، وهنا كنت أردد هذا الشعر الرائع: دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء نعم ان الانسان ضعيف ولكنه قوي بالايمان. وتتحدث باسمة يونس عن اساتذتها في الفكر والأدب فتقول: لقد قرأت لكثير من الروائيين العرب والأجانب وغيرهم من الشعراء والمسرحيين لكنني لا استطيع أن أحدد بالضبط أي واحد من هؤلاء الكتاب والشعراء والفلاسفة هو استاذي فلقد تأثرت بهم جميعا وقد يكون القارئ أقدر مني في تحديد اساتذتي من هؤلاء عندما يقرأ أعمالي ونتاجاتي بطريقة نقدية أو تحليلية لكنني ارتبطت ككاتبة بالكتاب كأستاذ لنا جميعا نتعلم منه من المهد الى اللحد وهو كما اعتقد استاذ لكل الناس، والكتاب بالنسبة لي هو صديق اكثر من كونه استاذا لأننا نعلم ان بعض الكتب لا نتعلم منها بقدر ما يمكن ان نختلف مع مؤلفها في فكره أو آرائه ولكن كصديق فان الكتاب لا يفارقني! مسعد النجار