في الوقت الذي تتنادى النظريات التربوية الى منح الاجيال الصاعدة حقوقها الكاملة في الحرية دون تمييز بين الكبار والصغار، وبينما العالم كله قد ولج الى الالفية الثالثة بخطى واثقة تسلحت بالعلوم والمعارف التي تمنح الانسان افاقا اوسع في ادراك السبل الصائبة لصياغة حياة البشر المقبلة. في هذه الظروف والازمان لا يزال بعض طلابنا يتعرضون لاساليب القهر النفسي والهدم المعنوي بما يمارس ضدهم داخل بعض مدارسنا من لجوء الى استعمال الضرب كوسيلة للعقاب رغم بلوغهم سن الشباب. «بيان مدارس وجامعات» يسلط الضوء على قضية ضرب الشباب في المدارس وما لها من انعكاسات سلبية على نفسية الطلبة وسلوكهم. يقول الطالب راشد النعيمي من ثانوية الراشدية: لا شك ان معظم المعلمين يحملون العصا في ايديهم بغرض بث الخوف في نفسية الطلاب ورغم انه ليس في نيتهم الضرب لكن لجوء المعلم لاستخدامها مع كل من يستحق الضرب يعتبر منظرا غير مقبول حتى وان كان دافع المعلم الى ضرب تلميذ هو تلك التصرفات غير المقبولة التي يقوم بها البعض كأن يحاولوا الاستهزاء بالمدرس واذا حاولوا ان يستخدموا اساليب والفاظ غير لائقة فستكون ردة فعل المدرس هي اللجوء الى الضرب تأكيدا لمكانته او استراجعا لكرامته، لكنني اكرر ان منظر العصا في يد معلم هو منظر غير مقبول في اوساط تعج بالشباب. ونوه عبدالله عبدالرحمن اللوم الى كل معلم يلجأ الى اساليب غير لائقة بأعمار الشباب خاصة في المرحلة الثانوية، ويقول: ان التوبيخ او توجيه الشتائم يحطمان من معنوياتنا نحن الشباب ويتركان اسوأ الاثر في نفسياتنا كما انه يولد الحقد والكراهية تجاه المعلم، بل وعلى المدرسة بأكملها، وبالتالي ينشأ الجيل على غير ما يتمناه المجتمع الذي اعتاد على ان الحب والتقدير هما أساس العلاقة بين الجميع. ويشير راشد المطروشي الى الاسباب التي تدفع المعلم الى استخدام الضرب فيقول: بعض الطلبة تصدر منهم تصرفات غير لائقة داخل الفصل مما يفقد الحصة الدراسية احترامها وبالتالي تنتشر الفوضى داخل الفصل وهذا الامر يثير غضب المعلم ويعتبر ذلك انتهاكا لكرامته وقدرته على السيطرة داخل الصف فيتصرف بطريقة غير حضارية ويلجأ لاستخدام العصا لارجاع الهدوء والاستقرار داخل الفصل. اما الطالب احمد خالد فيقول: لقد تعرضت لموقف مع احد الاساتذة عندما ابلغني بأنه سيقدم شكوى ضدي لاحدى الجهات المختصة لارتكابي سلوكا غير اخلاقي في غفلة منه، وعندما حاولت ان اشرح له الموقف وأن اقدم اعتذاري لم يعطني الفرصة بل بادر الى عقابي بضربي بالعصا على جسدي ويديّ، وعندما فاق ذلك تحملي بدأت بطريقة هستيرية بضربه الى ان تحول المكتب الى مشاجرة حقيقية حتى قام الاخرون بفضها، ولم يكن امامي بعدها الا تقديم شكوى على المدرس لاخذ حقي منه على اعتبار ان بعض الادارات لا تصغي لكلامنا وتلقي دائما باللوم علينا نحن الشباب مهما كنا على حق. العقاب الجماعي مرفوض ويؤكد يونس ابراهيم ان بعض المعلمين قد يضع طالبا معينا في قالب محدد هو الطالب المشاغب ويستمر ذلك طوال العام الدراسي، وكل خطأ يرتكبه أي طالب في الصف فانه ينسب الى هذا الطالب المشاغب دون ان يعني ان هذا صحيح. ويضيف: لا انكر بأنني تسببت في العديد من المشاكل داخل المدرسة وتعرضت للضرب من قبل المعلمين بل ان بعضهم قام بطردي من داخل الفصول، الا انني رغم ذلك اطالب كل المعلمين الا يتبعوا العقاب الجماعي لأننا في كثير من الاحيان يكون لنا دخل فيما حدث بالصف ولم نرتكب ما يستوجب العقاب، كما اطالبهم بمحاولة فهم ظروف ونفسية الطالب المشاكس لمعرفة الاسباب التي تدفعه الى هذا السلوك الذي يؤدي الى كثرة مشاكله داخل صفه. ويرى عيسى عبدالله ان بعض الاساتذة يكيفون شخصياتهم وفقا لشخصية الادارة نفسها فاذا كانت الادارة متسامحة ومتساهلة فانهم سينهجون نهجا ويتوافقون مع مبادئها، وسوف يشملون بالتراحم والتساهل مع الطلبة، اما اذا كانت الادارة متسلطة فان ذلك سينعكس عليهم بالتالي يصبح كل منهم ديكتاتورا يفرض سلطته يستخدم اساليب منفرة تخلق الكراهية والعداوة بينه وبين الطلاب. ويشير محمد عبيد الى وجود الكثير من المدارس التي لا تضع لمدرسها حدا في استخدام اسلوب الضرب، ويقول: لقد كنت ادرس في مدرسة يستخدم معلموها الضرب لاتفه الاسباب فنشأت مشاعر كراهية وصلت الى حد كره الذهاب الى المدرسة وتحولت الى شخص غير مبال، واهملت دروسي وفقد المعلمون في نفسي كل تقدير يستحقونه واستمر ذلك لمدة عام دراسي كامل الى ان انتقلت الى مدرسة اخرى يسودها التفاهم والاحترام المتبادل بين المعلمين والطلبة فالمعلمون يتعاملون مع الطلاب بالموعظة والكلام الحسن مما جعلنا نحن الطلاب على مستوى جيد من الوعي والادراك واشعرنا بمسئوليتنا تجاه ما يصدر عنا، كما اننا اصبحنا اكثر انضباطا ومواظبة على الحضور المبكر واستيعاب الحصص في أجواء هادئة يسودها الاحترام بين طرفي العملية التعليمية. الشعور باستقلال الشخصية ويقول احمد بوعفرة من مدرسة النعمان بن بشير الثانوية: الضرب يخلق العناد خاصة بين جيلنا الذي يختلف عن سابقيه فنحن لا نسمح لاي شخص ان يمارس ضدنا اساليب غير تربوية او ان يجرح كرامتنا بالضرب ونحن في مرحلة الشباب وهي بداية تكوين شخصيتنا المستقلة. ويضيف يجب على المعلمين ان يدركوا ذلك جيدا ولا يستخدموا الاسلوب القديم في التعامل معنا لاننا لن نقبل ذلك بسهولة بل ان الضرب سوف تكون له نتائج وخيمة على الجيل كله عندما تصبح شخصيات الطلاب مهزوزة، ويقول منصور حارب ان بعض الطلبة هم الذين يثيرون المشاكل بين المعلم والطلاب فهم قد يتهمون احدهم بأنه عين لمدرس معين، وفي المقابل فان المعلم نفسه يشعرنا باننا في معركة وقتال ويدعونا الى الحذر مما نفعله او نقوله في غيابه، ان هذا التصرف يوغر النفوس، ويخلق نوعا من العناد بانتظار من سيفوز في النهاية في هذه المعركة الوهمية! اما محمد فاضل فيرى ان الكلام الحسن والاسلوب الحضاري يولدان الاحترام المتبادل بين الطرفين لان الضرب لا يؤدي الى نتيجة بل يزيد العناد والحقد والكراهية، وانا لا انكر ضرورة توافر الحزم والقوة في شخصية المعلم لأنهما امران يستطيع من خلالهما فرض قيادته داخل الفصل، لكن بشرط الا يكونا في شكل قاس او منفر. حرمان بسبب الضرب ويقول احمد عبدالله: لقد تعرضت ذات مرة للضرب من قبل احد المدرسين وكان ذلك امام مجموعة من الطلاب ولم يكن امامي خيار الا الخروج من المدرسة والى يومنا هذا وأنا محروم من دخول حصة هذا المعلم وهذه المادة ويكون حضوري فقط لاداء الامتحان فيها ويضيف: انني ألوم نفسي اولا والمدرس ثانيا لانني ارى ان واجبه أن يحثنا على العلم مهما كانت تصرفاتنا وعليه كذلك ان يتفهم نفسيتنا والمرحلة التي نمر بها ويتعامل معنا على اساسها. ويرى احمد سالم من المعهد العلمي الاسلامي بأن بعض المعلمين قد يتعرض لضغوط في العمل تؤدي الى توتره او تكون لديه مشكلات اسرية فيلجأ في بعض الاحيان الى تفريغ ما في نفسه بممارسة الضغط على الطلاب وربما ضربهم وبقسوة، وهنا ادعو كل المعلمين الى ان يتمالكوا اعصابهم، ويتصرفوا بهدوء واتزان، وان يفرقوا بين المشاكل داخل وخارج المدرسة وبين اساليب معاملتهم لطلابهم وحتى لا تحدث امور في الوسط المدرسي لن تكون مفيدة لاحد. آراء المعلمين ويدلى غسان جرارعة مدرس اللغة الانجليزية برأيه في قضية ضرب التلاميذ بالمرحلة الثانوية فيقول: انا شخصيا لا اتبع اسلوب الضرب لانه اسلوب لاينبغي استعماله في مؤسسة تربوية الهدف منها توجيه الطالب الى الصواب وليس ضربه وعلينا نحن الاساتذة ان نستخدم اساليب اخرى خاصة مع طلاب الثانوية باعتبارهم طلابا لهم شخصيتهم المستقلة فالنصح والارشاد يساعدان على بناء هذه الشخصية، وعلى المدرس كذلك ان يراعي مختلف الظروف التي يمر بها الطالب، وان يتعامل معها بحذر وان يتعرف بهدوء على المشاكل التي تواجهه سواء كانت مشاكل نفسية او مشاكل داخل البيت بل ان المدرس عليه ان يستدعي الطالب ويناقشه بهدوء وعلى انفراد لان الحوار الانفرادي يؤدي الى نتائج ايجابية بعكس العقاب امام الآخرين. ويؤكد علي بدوي مدرس الكيمياء بمدرسة الراشدية بان الثواب والعقاب مبدأ تربوي مهم تعلمناه من الرسول الكريم ومما ورد من آيات في القرآن الكريم، ونحن نعرف ان كل طالب له خصائصه المتميزة والمختلفة عن الآخرين ونحن المدرسين نحاول أخذ القاسم المشترك فيما بينهم لكي نستطيع ان نتعامل معهم جميعا. ويضيف ان هناك طلبة لايرتدعون الا بالضرب، رغم انه اسلوب يتنافى مع اصول التربية الا انه يجب ان ندرك ان هناك شريحة لابد من ان نستخدم معها اساليب الضرب وذلك لتوفير الجو الملائم للشرح اثناء الحصة والتقليل من كبرياء بعض الطلبة الذين يتصورون انفسهم شخصيات عظمى فوق المساءلة والحساب، الذي اقصده فهو التهديد والتخويف وليس الضرب المبرح انتقاما وبشكل يفقد العقاب جدواه. علاج اخير عند الضرورة ويشير عاطف احمد مدرس التربية الاسلامية الى ان الضرب يعتبر آخر علاج ولا يقوم به المدرس الا في حالة الضرورة القصوى لانه بالنسبة للطلبة هناك نفسيات مختلفة فمنهم من يفهم بالكلمة ومن يرتدع بالنظرة ومنهم من يحتاج لبعض التفريغ وقد خلق الله النفوس متباينة وغير متشابهة كما ان للضرب الوانا مختلفة بعضها هادف لايوجد فيه اساءة للطالب وفي نفس الوقت يشعر الطالب من خلال هذا العقاب بالندم خاصة اذا كان قد ارتكب خطأ اما الضرب الذي يتضمن اساءة للطالب خاصة طالب المرحلة الثانوية فهو اولا واخيرا مرفوض لان مثل هذا الطالب واع ولديه كرامة وكبرياء ولهذا انصح جميع الزملاء بان يعاملوا طلبتهم كما يعامل الطبيب مريضه فكلما زادت آلامه زادت شفقة الطبيب وزاد خوفه عليه فكذلك المعلم عليه ان يمد حبال الصبر الى اقصى مدى ويبذل جهدا كبيرا كلما زادت مشاكل الطالب ويكون حريصا ايضا على المساهمة في حلها والاهم من ذلك ان يراعي الفردية بين طلابه وهم من بيئات مختلفة وبالصبر والحكمة يمكن حل المشكلات التي تواجه المعلم مع طلابه. ويؤكد مثقال علي مدرس اللغة الانجليزية ان الضرب في سن البلوغ والمراهقة لايجدى ولا يصل الى الحل بل يفاقم القضية ويصبح المدرس في نظر الطالب مصدر الرعب والتوتر ويتحول بالنسبة لهم الى شخص مكروه، رغم انه قد يكون على حق. اسلوب الحكمة والموعظة ويقول عبيد المطروشي مدير مدرسة الراشدية الثانوية للبنين: الضرب لا يحل مشكلة فالطالب حتى لو كان هو المخطئ فانه يعتبر ان هذا الاسلوب اهانة له وبالتالي يولد بداخله الحقد والكراهية ونحن نمثل ادارة مدرسية داخل مدرسة ثانوية فيها الكثير من المشاكل والحالات المتنوعة المرتبطة بالمرحلة التي يمر بها الشباب. اننا نحاول جاهدين ان نعالج القضايا بشيء من العقلانية والهدوء وذلك لكسب الطالب وترغيبه بالمدرسة وليس تنفيره منها ويتم هذا خلال التعامل الحسن والموعظة والارشاد فالضرب قد يكون حلا لمشكلة وقتية بينما ستتولد بعده مشاكل على المدى البعيد من خلال عدم الثقة بين المعلم والمتعلم ونحن نحاول من خلال اجتماعاتنا مع الاساتذة ان نلفت انظارهم الى كيفية التعامل مع الطلاب ونؤكد عليهم باستمرار انهم مسئولون عن تصرفاتهم وذلك لان المعلم عليه ان يدرك قبل كل شيء بانه مرب اولا واخيرا. رأي نفسي حول القضية وتقول سناء عبدالعظيم الاخصائية النفسية في منطقة دبي التعليمية: من المعروف تربويا ونفسيا ان كل مرحلة عمرية من المراحل التي يمر بها الانسان لها سماتها وخصائصها ومتطلباتها فما يمكن ان يلائم طفلا في السابعة من عمره من اساليب التعامل والتعلم لايلائم طفلا في الثانية عشرة مثلا ليس هذا فقط بل ان الاطفال الذين ينتمون الى مرحلة عمرية واحدة لايمكن ان نعاملهم ايضا بنفس الاسلوب ذلك لان لكل طفل او فرد شخصيته الفريدة التي ينبغي ان نعامله من خلالها وبما يناسبه. وتضيف: كما انه من نافلة القول: ان تعاملنا مع الاولاد الذكور يختلف عنه مع البنات حتى ولو في نفس المرحلة العمرية وهكذا ومن هنا فانه ينبغي على المربين واولياء الامور ان يتعرفوا بطريقة صحيحة على متطلبات النمو لكل مرحلة من المراحل العمرية التي يمر بها ابناؤنا حتى لانتسبب بدون قصد في احداث ازمات او مشكلات انفعالية للابناء من جراء استخدامنا لاساليب لاتتناسب معهم ومع متطلباتهم في مراحل النمو المختلفة فعلى سبيل المثال نجد اننا كاباء وامهات نغرس في نفوس الابناء الذكور وفي مرحلة مبكرة من حياتهم معنى الرجولة والاعتزاز بالنفس وعدم الخنوع. فاذا ينبغي ان نتعامل معهم على هذا الاساس خاصة في مرحلة المراهقة والتي تقابل تربويا المرحلتين الاعدادية والثانوية والتي يعتبر فيها الفتى انه على ابواب الرجولة فينبغي علينا ان نحترمه ونساعده على تكوين شخصيته وصقلها والاعتزاز بها فاذا استخدمنا اساليب سلبية في التعامل معه كالاعتداء اللفظي او البدني او الحاق الاهانة به من خلال وصفه باوصاف قبيحة او ازدرائه او غيرها من الاساليب غير التربوية فاننا بذلك نفتح المجال امام مشكلات نفسية وسلوكية فيشيع في نفسيته الانكسار والانهزامية والشعور بالعجز والنقص وعدم الكفاءة كما قد يسبب له حالات من القلق والخوف او ان يقع فريسة للانعزالية والانطواء وعلى الجانب الاخر قد يسبب ضرب المراهق خلق مشكلات سلوكية لديه كالتمرد وهو ما نلاحظه بكثرة في مثل هذه الحالات كالتمرد على السلطة والرغبة في التحدي ومخالفة اللوائح والقوانين والعدوان والتخريب كوسيلة للتعبير عما يشعر به من ظلم او سوء في المعاملة وهي كلها مشكلات سلوكية تهدد المدرسة والمجتمع بأكمله وهي مشكلات كان من الممكن تلافيها لو اننا اتبعنا الاسلوب المناسب في التعامل مع المراهق بعيدا عن الاساليب الخاطئة. منال خالد