في المواقف التي تثير الدهشة والغرابة تصبح الكلمات هي التعبير الاقرب عن كل المشاعر. وعندما تزداد الامور اثارة فان وقائعها ومشاهدها وسلوكياتها لابد وان تتحول بدورها الى «حروف ساخنة» تشير الى موضع الخلل وترشد الى مكمن الخطر ليصبح الطريق امام الجميع واضحاً والدرب سالكا. وحروفنا الساخنة لن تتوقف عن متابعة كل الجوانب والامور في شتى مجالات الحياة. ومع كل حرف ساخن ستكون الصورة ايضاً ناطقة ومعبرة وشريكاً دائماً في ترجمة الحرف والافصاح عن ابعاد الكلمة... كما سيكون لكل مسئول دوره معنا ليزداد التواصل على وقع الحروف الساخنة. تتراجع الحروف والكلمات، ويتضاءل كل شيء أمام ظاهرة جنوح فلذات أكبادنا من بعض بناتنا الطالبات بالمراحل الدراسية المختلفة. فهذا الجنوح يعد مؤشرا لا شك على قصور دورنا المجتمعي في رقابة تلك الشريحة من السقوط. هل خلا الجانح أو الجانحة من قيم يقينية ثابتة وصار لكل منهما قيم خاصة ينسجها من ذاته؟ وهل انشغال الأبوين عن الأبناء أدى إلى الحد الذي جعلهم يتجهون إلى هذا الطريق؟ هل التدليل الزائد والسماح للأبناء والبنات بالسفر إلى الخارج دون مصاحبة الوالدين كان لهما دور جلي فيما يحدث؟ وأين دور المدرسة الاجتماعي من حياة الجانحات من الطالبات وغياب الاتصال بالأسرة؟ وهل ما نقدمه من برامج عبر فضائياتنا ووسائل الاعلام من شأنه الحد من تلك الظاهرة؟ لقد دمر التفكك الأسري وضعف الرقابة كثيرا من العلاقات المقدسة!! هناك ألف سؤال وسؤال وكلها تنبع من واقع هذه القصص المأساوية. تقول (س.ع) في السابعة عشرة من عمرها (المرحلة الثانوية): ان التفكك الأسري وطلاق والديها وضعف تنشئتها الاجتماعية ومحاكاة الآخرين دون وعي كانت وراء ما حدث لها من جنوح تندم الآن عليه. وتتمنى لو لم تكن قد انجرفت مع التيار ووصل حالها لما آلت إليه من ضياع. حول ظاهرة جنوح الأحداث تحدثنا مع فتحية لطفي باحثة ومسئولة العلاقات العامة بوحدة رعاية الأحداث بالشارقة التي تخص حالة (س.ع) بالحديث قائلة دواعي حدوث تلك المشكلة للجانحة إلى تدليل الأسرة لها، فجميع طلباتها مجابة وقد سبق لها أن رسبت في احدى سنواتها الدراسية، فقرر والدها الذهاب إلى أمريكا في فترة نقاهة وحتى لا يؤثر رسوبها على نفسيتها، وأدى هذا التدليل إلى جعل الابنة لا تشعر بمسئوليتها تجاه نفسها وغير مدركة لما تقوم به. وأضافت الباحثة ان أسرة الجانحة فتحت عينيها على مواضيع وأمور متباينة من خلال أسفارها وبالتالي ولد ذلك لديها رغبة في المجازفة والتجربة وحب الاستطلاع، ولم تشعر انها على خطأ فيما تفعله لانها لم تتعلم التمييز بين الصواب والخطأ اضافة إلى ضعف الوازع الديني. حالة أخرى وفي حالة أخرى تعلل (ش.أ) في الخامسة عشرة من عمرها (المرحلة الابتدائية)، التهمة (هروب) بقولها ان ما حدث لها تم نتيجة عوامل مختلفة منها: ظروفها الأسرية وطلاق والديها وتركها واخوانها العشرة دون اعالة والدهم المادية لهم. وتسرد حكايتها قائلة: ان والدها عندما يصل عمر اخواتي إلى سن الزواج يبحث لهن عن عريس ليأخذ منه المهر وبنفس الطريقة زوج أختين لي وطلقتا ورجعتا إلى بيتنا ثانية، وجاء دوري فأخذني والدي لأعيش معه في بيته مع الزوجة الثانية وعاملني هناك معاملة الخادمة، وخلال تواجدي هناك قررت الهرب إلى خارج الدولة بعد أن سرقت مبلغا ماديا وهربت وتوالت الأحداث. أما (ش.ج) و(م.ج) فهما أختان في الثالثة والرابعة عشرة من عمريهما (المرحلة الاعدادية) والدهما يعاني من شلل وأخوهما الأكبر يعاني من فشل كلوي، ضحكت عليهن سيدة بدعوى ايجاد عمل لهن ينفقان منه على مرض والدهما واخوهما، وتمثل العمل الذي استترت السيدة وراءه في ممارسة أعمال منافية للاخلاق بأحد الفنادق وقد ذهبتا إليه دون علم مسبق فقبضت الشرطة عليهن. أسباب الجنوح وحول رأيه في ظاهرة جنوح الأحداث يقول أحمد عيد موجه الرعاية النفسية بوزارة التربية والتعليم والشباب: ان جرائم الجانحات بأنواعها المختلفة تدخل تحت مسمى الاضطرابات السلوكية في هذا العمر، وهناك نسبة في كل مجتمع لتلك الفئة وهي قابلة تربويا للزيادة والنقصان مرتأيا ان المجتمع بمختلف فئاته وشرائحه عليه دور وقائي تجاهها موضحا ان من تلك الأدوار الوقاية والتنمية والعلاج مستشهدا بدور التربية والتعليم من خلال ادارة الرعاية النفسية والارشادية التي تقدم عدة برامج ارشادية من شأنها وقاية طلابنا وطالباتنا وتحميهم من الانحراف السلوكي كما تقدم برامج أخرى تنموية تهدف إلى تنمية الجوانب الشخصية والاجتماعية فيهم، وتقدم خدمات علاجية لنفس الفئة مشيرا إلى ان تلك الأدوار (التنموية والعلاجية والوقائية) يحدث بينها تداخل أحيانا. وتابع عيد قائلا: هدفنا من ذلك حماية الطلاب الأسوياء الذين لا يعانون مشاكل سلوكية أما غير ذلك فيكون العلاج والتنمية وأخيرا الوقاية مؤكدا ان ذلك يتم بشكل عام، وعلاوة على ذلك فهناك الاكتشاف المبكر لأية حالة حتى لا تزداد المشكلة سوءا. وأكد موجه الرعاية النفسية بوزارة التربية ان هدفنا في التربية استراتيجي يهدف إلى تحقيق التوافق النفسي لأبنائنا الطلاب والطالبات من ناحية، ومن ناحية أخرى نقدم برامج على مستوى فردي وجمعي لأولياء الأمور من شأنها مساعدتهم على كيفية التعامل مع الأبناء ومتابعتهم وحل مشاكلهم اضافة للخدمات الاستشارية التي نقوم بها سواء من خلال الاستشارات أو عن طريق المقابلة أو الهاتف مؤكدا ان ذلك كله يتم عن طريق الاخصائيين النفسيين أو الاجتماعيين. دار للتربية والاصلاح وعن الدار المزمع انشاؤها لتلقى فيه الجانحة رعاية شاملة تعيدها إلى الطريق القويم تقول فوزية طارش مديرة الوحدة الشاملة للرعاية الاجتماعية بالشارقة: إن فكرة انشاء دار خاصة بالجانحات بدأت منذ سنوات حيث كانت نسبة جنوح الفتيات آنذاك ضئيلة مشيرة إلى ان المخاوف ازدادت لان المنحرفات من الأحداث يودعن في السجن المركزي ويتواجدن مع مسجونات كبيرات في السن ولديهن تهم كبيرة قد يكون لها تأثير سلبي على الفتاة القاصر ولذلك رأى المسئولون في الوحدة بأنه لابد من وجود حل لهذه القضية ولان مثل هذا المشروع يحتاج إلى وقت وترتيبات من قبل الوزارة فقد استعرضوا حلا ارتأوه مؤقتا حتى يتم تنفيذ المشروع المراد وتم ذلك من خلال وضع برنامج يساعد هؤلاء الفتيات في حل مشكلاتهن بالتعاون مع ادارة المنشآت الاصلاحية والعقابية ووضعهن في أماكن خاصة بعيدا عن المنحرفات من كبار السن. وأضافت طارش ان مما ساعد على نجاح التجربة تعيين اخصائيات نفسيات واجتماعيات مواطنات في ادارة السجن مما سهل عملية عزلهن وتم تخصيص أماكن خاصة بهن ووضع برنامج علاجي سواء من خلال الدراسات النفسية أو الجلسات العلاجية وبرامج النشاط والمتابعة المكثفة. وأكدت مديرة الوحدة الشاملة للرعاية الاجتماعية انه خلال هذه الفترة تمت الموافقة على مشروع بناء دار خاصة بالفتيات الجانحات سيكون اسمها «دار التربية» لتستقبل الفتيات من سن صغيرة قد تبدأ من العاشرة وحتى العشرين، وتعد هذه الدار بمثابة أسرة بديلة للجانحة تعوضها ما افتقدته، وتشمل مرافق عديدة تخدم الحدث وتصقل شخصيتها من جديد كي تكون عضوا نافعا في مجتمعها. وأضافت ان مبنى الدار يضم مكاتب خاصة بالاخصائيات النفسيات والاجتماعيات وكذا مشرفات يتلخص دورهن في المتابعة والمراقبة اضافة لاعداد وتنظيم برامج وأنشطة متباينة تخص الجانحات وتهتم بما يتمتعون به كصالون للتجميل ومشغل للخياطة ومكتبة وصالة رياضية وقاعات للمحاضرات وعرض أفلام وبرامج أخرى في التطريز والطبخ والطهي مؤكدة ان الهدف من ذلك كله صقل شخصية الفتاة الجانحة. برنامج علاجي وتابعت طارش قائلة: إن الفكرة ليست عزل الحدث الجانحة عن أسرتها إنما وضعها في مكان مختلف عن ظروفها الأسرية وادماجها في برنامج علاجي نفسي واجتماعي لاستئصال الجوانب السلبية في شخصيتها من خلال علاج قد يستمر فترات متباعدة قد تصل إلى ستة أشهر أو سنة وفق حالة الجانحة. وأوضحت انه من خلال برنامج التوعوية الذي تنفذه الوحدة للطالبات الجانحات بمدارس الدولة المختلفة والجمعيات النسائية ومراكز التنمية نجد ان هناك دوافع أسرية وراء معاناة الجانحات تتمثل في وجود فراغ عاطفي بين الجانحات وأسرهن خاصة في علاقتهم مع أمهاتهم التي تعد للجانحة قدوة، واضافة للفراغ العاطفي هناك حالات الطلاق المتباينة والتي قد تنساق الفتاة بعد حدوثها إلى أهوائها وشهواتها باحثة عن الأمان المفقود والذي قد تجده في مكان غير البيت مشيرة إلى ان معظم تهم الجانحات أخلاقية من خلال علاقات غير مشروعة. وأكدت طارش ان وجود دار للتربية خاصة بالجانحات المراهقات أمر ضروري جدا في وقتنا الراهن الذي يمر فيه المجتمع بتطور وانفتاح مذهل على العالم وصارت الفتاة لديها حرية في التصرف بعيدا عن أعين أسرتها، واكتساب الكثير بواسطة تقنيات العصر من انترنت وفضائيات وموبايل وسينما وفيديو واطلاع على نماذج أجنبية من الممثلات والمجلات الغربية المتنوعة مشيرة إلى ان هذا الكم الهائل من الوسائل يجعل الجانحة تبحث عن الحرية المنشودة وإن لم تجد من ينصحها ويرعاها فقد تقع في براثن الانجراف. كلكم راع وأكد خليل ابراهيم اسماعيل نائب مدير الوحدة الشاملة للرعاية الاجتماعية للأحداث بالشارقة ان ظاهرة الجانحات قضية تهم المجتمع كله، وانه يجب على الآباء والأمهات تحمل مسئوليتهما التربوية الكاملة تجاه أبنائهما مضيفا ان الاصلاح سيكون صعبا للغاية في حال فساد أحد الأبناء. وعدّد نائب مدير الوحدة الشاملة العوامل المؤثرة في انجراف الجانحات ذاكرا منها الأسرة أولا مشيرا إلى ان المشكلات التي بسببها تعاني الجانحة كثيرة ومنها: الطلاق والتفكك الأسري وعدم الاشباع العاطفي وأمية الوالدين واتساع الفجوة الثقافية بين الآباء والأمهات من جهة وبينهما والأبناء من جهة أخرى، وغياب التوجيه الأسري واهمال تربية الأبناء ومتابعتهم والتسيب الذي ينعكس سلبا على رسالة الأسرة وانشغال الأب الدائم وعدم مشاركته في التربية والتوجيه علاوة على فقدان الجو العاطفي داخل الأسرة من حب وحنان وعدم اشباع الرغبات والانهيار الأسري الناجم عن كثرة المشاجرات والمنازعات بين الوالدين مما يؤدي إلى انعدام الضبط الاجتماعي والنفسي ويكون دافعا للجنوح وكبر سن الأب وتعدد زوجاته وجنسياتهن وكثرة أبنائه، وعدم الاهتمام بهم، والمستوى الاقتصادي المتدني لبعض الأسر وعدم مراقبة الأبناء خارج المنزل. ويضيف خليل ابراهيم انه اضافة للأسرة هناك المدرسة واهمالها للمشكلات الأسرية السلوكية وما يصحب ذلك من فشل دراسي، وكذلك أصدقاء السوء وما لهم من أثر سلبي على تصرفات الحدث، والظروف البيئية التي تكمن في الانتفاح السريع على الثقافات الأخرى وتأثير وسائل الاعلام المباشر على تصرفات الجانحة مؤكدا ان المسئولة عن انحراف الجانحات هي الأسرة، فعلى الوالدين الاهتمام ببناتهن جيدا وغرس المبادئ الحميدة والسلوك الحسن في نفوسهن وحل مشاكلهن ومتابعتهن جيدا حتى لا يكن صيدا سهلا للآخرين مع ضرورة حرصهم على صلات المحبة والمودة والعطف والحنان والتركيز على الوازع الديني في نفوسهن منذ الصغر مرتئيا حلولا ملائمة للقضاء على تفشي هذه الظاهرة منها: ضرورة بذل مزيد من الجهود لتهيئة البيئة الصالحة التي تنمو فيها الجانحة واتاحة الجو النفسي لنمو الشخصية السوية وضرب المثل الصالح والقدوة الحسنة أمام الشباب وتحمل المسئولية، والسعي لتحسين العلاقة بين الحدث الجانحة وأسرتها والاهتمام بالتوجيه والارشاد النفسي والتربوي والمهني خاصة بالمدرسة والمؤسسات الثقافية والرياضية الموجودة بالمجتمع. ومحاولة توفير العمل المناسب للحدث بما يتناسب مع قدراته وامكاناته والمساعدة في عملية التنشئة الاجتماعية وتعلم المعايير السلوكية الاجتماعية السليمة والقواعد الأخلاقية وشغل وقت فراغ الأبناء سيما في فترات الاجازات الصيفية بتوفير النوادي الصيفية. يحيى عطية