خلال متابعتنا الميدانية في المدارس الثانوية وعبر لقاءات وحوارات مع التربويين العاملين فيها لفت انتباهنا كثرة ما يردده البعض عن تناقص الفعالية لدى الطلاب تجاه التعليم وعدم تقبلهم بسهولة لوجودهم في الوسط المدرسي، مع ظهور اشارات من الطلاب نحو اهتمامات أخرى تجذب اهتمامهم كالاتجاه إلى الوظيفة، والاكتفاء بما قطعوه من سنوات دراسية مع تضاؤل طموحات البعض بشكل لافت للنظر. وبحثاً عن الحقيقة وراء هذه الملاحظات التي أكد التربويون خطورة استمرارها عقدنا مجلسنا في مدرسة الراشدية الثانوية للبنين بعجمان والذي كان محوره الأساسي سؤالاً يقول: لماذا قلت الفاعلية للدراسة؟ وما الذي يدفع أبناؤنا إلى التفكير في ترك مقاعد الدراسية والبحث عن وظيفة قبل استكمال تعليمهم الجامعي وهو متاح أمامهم بشكل لا يتوفر في مجتمعات أخرى؟! تناقض بين المناهج والعصر يفتتح الحديث الطالب سعود الكعبي بالصف الأول الثانوي فيقول: نحن نعيش حالة يبدو فيها التناقض واضحاً، فالواقع من حولنا يشهد الكثير من التطور التكنولوجي بينما مناهجنا الدراسية لا تواكب هذا الواقع فهي قديمة ولا تمنحنا ما يتماشى مع حياتنا اليومية وهذا التناقض يزيد من عزوف البعض منا عن الدراسة لأن نظرته إليها لا تزيد عن كونها واجباً فرضه الأهل أو شكلاً من أشكال الضرورات الاجتماعية التي يغلب فيها المظهر على الجوهر. وفي تأكيد لكلام سعود يقول زميله سيف غانم: لا ننكر ان الدراسة أصبحت متأخرة في قائمة الأولويات لدى الشباب ولم تعد في المرتبة الأولى، كما كانت من قبل بل تراجعت إلى المرتبة الثانية وربما الثالثة بل انها لدى البعض تراجعت إلى أبعد من ذلك بكثير، وهناك طلاب يعتبرون حضورهم إلى المدرسة مجرد ضمان لنسبة الغياب حتى لا يتم فصلهم منها فتثور المشاكل مع أسرهم الحريصة على انتظامهم في الدراسة بصرف النظر عن قناعة الشاب نفسه بها. ويضيف: ان ما نلاحظه عن قرب ونحن نعيش معاً في وسط مدرسي واحد هو ان عقلية الطالب ومفاهيمه لم تعد تتعامل مع الدراسة على انها وسيلته للنجاح في الحياة، بل ان البعض منا يرى ان الهم الوحيد هو التخلص من قيود المدرسة، ومن الضغط الأسري بالتفكير جيداً في البحث عن وظيفة يكسب من ورائها مالاً يحقق به حياة خاصة بعيداً عن القيد والضغط. ويتفق الطالب هاشم عيسى مع ما طرحه زميله سيف، ويضيف قائلا: ان الطالب معذور، إذا فكر في العمل مبكراً، فالظروف حولنا تغيرت والمظاهر انتشرت بين الجميع، فامتلاك أحدث سيارة وآخر صيحة من الهواتف النقالة، ورحلات السياحة كل صيف كلها أمور فرضت نفسها على حياة الطالب الذي لم يجد وسيلة لتحقيقها إلا بالاتجاه المبكر إلى العمل، فيبدأ البحث عن وظيفة ويتلاشى تركيزه في الدراسة ويتضاءل اهتمامه بها إلى ان يجد ما يبحث عنه فيترك الدراسة غير آسف عليها، متصوراً في قرارة نفسه انه قد اقترب من تحقيق ما يوفر له حياة أكثر رفاهية ومظهراً أكثر جاذبية. ضغوط الأسرة والمعلمين ويلقي خالد محمد سلطان (أول ثانوي) اللوم على بعض الأسر، فيقول: ان المنزل يلعب دوراً في تشكيل توجهات الطلاب خاصة في سن الشباب، وأعرف بعض الزملاء ممن يعانون كثيراً بسب أسلوب الآباء في التعامل معهم، فهناك آباء ليس لديهم إلا عبارة واحدة يرددوها عشرات المرات على مسامع أبنائهم الطلبة هي: «ادرس أو اهتم بالدراسة حتى لا ترسب، أو اياك والرسوب». ويضيف خالد ان هذه العبارة لها آثار سلبية على نفسية الطالب، وقد تؤدي في كثير من الأحيان إلى ان يكره الدراسة وقد تتولد عنده نتيجة لذلك فكرة الخلاص من المدرسة، فلا يجدها إلا في البحث عن عمل يضمن له الاستقلالية، ويعفيه من سماع عبارة ادرس أو ذاكر أو لا تلعب!! وينتقل الطالب سلطان سعيد (2 أدبي) إلى سبب آخر من أسباب الحالة التي تمر بطلاب الثانوي وتجعلهم يفقدون الاقبال على الدراسة بالشكل المطلوب، يقول سلطان: مع احترامنا للمعلمين وجهودهم إلا ان البعض منهم يتعامل معنا نحن طلاب المرحلة الثانوية بطريقة غير لائقة ويستخدمون في خطابهم إلينا ألفاظاً غير مقبولة، داخل الصفوف وخارجها، كما ان أساليب الشرح لدى البعض تنفرنا من الدرس وتعرضنا إلى حالة من الشتات الذهني اثناء الحصص. ويضيف: ان بعض المعلمين ومنذ اليوم الدراسي الأول يفرض على طلابه أموراً تجعلهم يكرهون المادة التي يدرسها لهم، ولا يهتم مطلقاً بأن يحبب طلابه في المادة خصوصاً إذا كانت جديدة بالنسبة لهم، وهذه الحالة منتشرة بشكل واسع في الصف الأول الثانوي على وجه التحديد. ويواصل سلطان قائلاً: ان الطلاب يتوقعون دائماً ان يكون المعلم بمثابة الوالد، وعليه فإن كل معلم يجب ان يتعرف على نفسية تلاميذه وان يطور من أساليب شرحه بما يتناسب مع روح العصر، وان يبتعد تماماً عن الطرق التقليدية التي عفا عليها الزمن، كما ان على كل معلم ان يبتعد عن أي محاولة لفرض آرائه وأفكاره على الطلاب او ارغامهم على تقبلها. ويعلق الطالب عبيد سيف (2 أدبي) على ما طرحه زميله فيقول: ان بعض المعلمين يستخدمون أساليب التهديد، وهناك من يلجأ إلى طرد الطالب خارج الفصل مهما كان السبب تافهاً، وهذا بدوره يؤثر على الطالب وهو في سن الشباب ويجعله أكثر ميلاً إلى قطع الدراسة مهما كانت اغراءات الشهادة الأعلى. سلبيات التكنولوجيا أما جمال سيف فيشير إلى ان عزوف بعض الطلاب عن التعليم فد يكون سببه في المقام الأول الظروف الأسرية الصعبة التي يعاني منها البعض فإذا كانت هذه الظروف مادية يصبح تفكير الطالب في الالتحاق بالوظيفة وكسب الأموال لمساعدة الأهل وإذا كانت الظروف اجتماعية والمشكلات تسود أجواء الأسرة فإن ذلك أيضاً يؤثر على نفسية الطالب فتسيطر على ذهنه وتحرمه من المذاكرة الجيدة والانتباه أثناء الدرس. ويقول الطالب فيصل أحمد ان الزمن الذي نعيشه تسوده السلبيات ومنها ذلك الاستخدام الخاطئ وغير الهادف من قبل الناس للوسائل المستحدثة، فالطلاب مثلاً باستخدامهم برامج الحوار والمحادثة عبر الانترنت يعرضون أنفسهم لسلبيات تؤثر على تفكيرهم، ولكن إذا استثمر الطالب تلك التكنولوجيا في استخراج معلومات يدعم بها دروس المواد التي يتلقاها في المدرسة فإن ذلك يحقق له تطوير نفسه وأدائه فتزداد قابليته وفاعليته تجاه التعليم لأنه يكون قد ابتعد عن النظم التقليدية من حفظ وتسميع. الاغراءات أكبر منا ويرى الطالب ماجد حمد ان الانفتاح الذي نعيشه في هذا العصر يشكل خطورة على جيل الشباب لأن الطلاب يتعرفون من خلاله على أشياء كثيرة تنسيهم دراستهم عندما يتجهون مثلا إلى متابعة المهرجات الفنية والرياضية التي تجري في أنحاء العالم علاوة على متابعة أحداث العالم وكوارثه تشغلهم كثيراً وتصيبهم بالاحباط، ويقول: لقد أثرت علينا كل هذه الأمور كما ان الاغراءات أمامنا أصبحت كثيرة نرغب في اكتسابها وتجريبها حتى ولو كانت غير مفيدة، فكل ممنوع مرغوب وفي النهاية تكون اهتماماتنا بالدراسة هي الضحية. مسئولية الطلاب ويعترف يونس سليمان قائلا: ان العيب الحقيقي في عدم قدرتنا على اكتساب التعليم بصورة أكثر فاعلية كالسابق نابع منا فنحن لاندرس الا ساعة فقط في اليوم، ولا نذاكر إلا أيام الامتحانات بحجة ان المناهج صعبة وطويلة وضغط الأهالي علينا كبير، وأسلوب المعلمين لا يلائمنا ولكن هذه الأسباب ليست مبرراً لاهمال الدراسة، فمن طلب العلا سهر الليالي، والمشكلة تكمن في عدم رغبتنا نحن في الدراسة وتفكيرنا الدائم بالوظيفة بأشياء قد تكون كمالية، لكننا نتصورها ضرورية. غياب الوازع الديني ويشير الطالب محمد علي الى ان غياب الوازع الديني يعد من أبرز أسباب المشكلات التي نعاني منها فنحن في زمن المصالح الشخصية وحب الذات نبتعد كثيراً عن كتاب الله الذي يحثنا على العلم والعمل، ورغم اننا ندري دراية تامة بأن العمل لا يأتي إلا بالعلم الصحيح وسهر الليالي ولكننا نتجاهل ذلك حالياً لأن الحياة المرفهة قد أنستنا هذه القاعدة في ظل الخدمات والأساليب الحديثة والسهلة والمتوفرة دون تعب منا أو اجتهاد، بل اننا كجيل شاب أصبحنا كسالى في سعينا للعلم، وعازفين عن تقبل النصيحة من الغير. المناهج صعبة ومن أسباب رسوب الطلبة خاصة في بداية المرحلة الثانوية وتكرار الرسوب يؤكد يونس سليمان ان السبب في ذلك هو صعوبة المناهج وكثافتها والتي تسبب للطلاب ضغطاً نفسيا يؤدي إلى تشتيت تفكيرهم وعدم تركيزهم على المواد مما يؤدي إلى وقوع الطلاب في مصيدة الرسوب التي لا فكاك منها إلا بترك الدراسة. واتفاقاً مع هذا الرأي يقول ماجد حمد ان اخفاق بعض المعلمين في الشرح أو عدم استجابتهم لاعادته عند الضرورة يثير لدى الطلاب رد فعل عكسي يقلل من فاعليتهم تجاه المادة، كما ان قيام الطلاب بالقاء اللوم على الطالب الراسب داخل الصف وتحميله أية أخطاء تقع بالصف يؤدي إلى عزلة الطالب وكرهه للمدرسة. فنحن لا نرضى على أنفسنا الاهانة هذا ما قاله سيف غانم وهو يخبرنا ان معظم المعلمين تصدر عنهم ألفاظ تسيء للطالب وأحياناً إلى أهله فنحن لا نقبل ذلك اطلاقا وبالتالي يصدر عنا تصرفات تزعج الادارة وقد يصل الأمر إلى أعلى من ذلك لكن النتيجة تكون لصالح المعلم دائماً فهذا السلوك وغيره يثبط عزيمتنا في الدراسة وتنشأ بسببه كراهية بين الطالب والمعلم، تبدأ مع بداية العام وتنتهي بآخره، فتكون النتيجة رسوبه في المادة. ويضيف جمال سيف بأن صورة المعلم تغيرت في زمننا هذا لم يعد المعلم كما كان في الماضي أبا لطلابه، اننا نتمنى أن يعود كما كان وان يكون فعلاً بمثابة الأب والمعلم الحق قولاً وفعلاً بأن يكون مصلحة الطالب واستخدام كافة الطرق والوسائل لخدمته وتثقيفه لينال أعلى الدرجات. ويطالب سعود الكعبي بضرورة تغيير المناهج بحيث تواكب العصر الحديث وأن تضم معلومات معاصرة تلبي رغباتنا واحتياجاتنا فنحن في عصر الكمبيوتر والتكنولوجيا المتقدمة. أما فيصل أحمد فيرى ان اقامة مراكز ثقافية خاصة بالشباب تضم كافة الفئات العمرية هي ضرورة قصوى لانهاء الجانب الفكري والثقافي لدى الطلاب. أما جمال سيف فيدعو إلى ادخال أسلوب العسكرية في مدارس الدولة فهذا النظام مطبق في بعض الامارات دون الأخرى ويجب ان يمتد ليشمل كافة أنحاء الدولة لأنه يعمل على غرس الوعي لدى الشباب ويدربهم على تحمل المسئولية فيصبحون اكثر التزاماً مهيئين للواجب العسكري بعد التخرج من المدرسة. خالد محمد سلطان يدعو إلى استخدام الانترنت بشكل أوسع وادخاله إلى المدارس لأن ذلك يُسهل على الطلاب أموراً كثيرة تساعدهم في التحضير والمذاكرة. عبيد سيف يرى ان زيادة الرحلات العلمية والترفيهية وتنويعها يؤدي إلى تغيير نفسيات الطلاب وتجدد حيوتهم في الأيام الدراسية التالية لعودتهم من الرحلة. هشام عيسى يطالب باستخدام وسائل حديثه داخل الفصل وذلك لابعاد الملل أثناء الحصة اضافة إلى تطويرها للطالب نفسه في الأداء والتعامل. أما أحمد فؤاد الاخصائي الاجتماعي بالمدرسة فقال: ان تراخي بعض الطلاب عن الدراسة والتعليم يعود إلى عدم وضوح الهدف أمامهم وشعورهم بالمسئولية، كما ان بعض الأسر غير واعية بأهمية التعليم وبالتالي فهي لا تستطيع تقديم النصح لأبنائها وعلاوة على ذلك فإن فقدان الطالب للقدوة التي تقوده إلى الحماس في الدراسة والتخطيط للمستقبل يعد عاملاً مهما فيما يصل إليه الطلاب من عدم قابلية للتعلم أو عدم فاعلية تجاهه. وعن أهم أساليب العلاج لهذه الحالة يقول فؤاد: أولاً هناك جانب مهم يتولاه الأهل بأن يراقبوا أبناءهم في كيفية انفاق المصروف اليومي، واختيارهم للأصدقاء ونوعيتهم، كيفية تعاملهم مع الوسائل التكنولوجية الحديثة إلى جانب التواصل المستمر مع الادارة المدرسية لأن الصلة شبه مفقودة نظراً لانشغال أولياء الأمور بأعمالهم عن رعاية أبنائهم وتوجيههم لبناء المستقبل. ادراك قيمة العلم عبيد المطروشي مدير مدرسة الراشدية الثانوية للبنين يتناول ما أثاره الطلاب بقولهم ان بعض الطلاب قد جعلوا همهم الأول انهاء مرحلة متوسطة في الدراسة للعمل بها والتخلص من قيود الأسرة كما أصبح تفكيرهم منصباً على العمل والحصول على رخص القيادة وغيرها من الأمور التي تقدم لهم شيئاً له قيمة. وأضاف: أما عن طريقة المعلم في التدريس فإن لكل معلم طريقة خاصة به في توصيل المعلومة للطالب ومعلم الثانوي يملك من الخبرة والمعلومات ما يؤهله لتدريس هذه المراحل الصعبة. وقد تكون الوسائل التي يستخدمها مزعجة بالنسبة للطلاب لكنها هامة وضرورية والمعلم على دراية تامة بمصلحتهم وما يفيدهم، ونحن نحاول جاهدين تطبيق نظام الثواب والعقاب عليهم بصورة أكبر حتى لا يقعوا في الخطأ نفسه عدة مرات، لما يطالب به بعض الطلاب من وسائل حديثة، فالوزارة وفرت الاجهزة لكنها أصبحت الأن قديمة وغير ملائمة لمتطلبات العصر، ونحاول ولو بجهودنا الذاتية توفير هذه الوسائل والأدوات، الأهم من ذلك كله هو ضرورة وجود دافع قوي في نفس الطالب تجاه التعليم وان يدرك قيمته في توفير الحياة الكريمة والناجحة. كما يجب على أولياء الأمور متابعة أبنائهم وان يكونوا أكثر صراحة مع الادارة فيما يخص المشكلات داخل البيت حتى تتمكن المدرسة من مساعدة الطالب في حلها واعادة الفاعلية إليه وزيادة قابليته للمدرسة وللتعلم وللحياة عامة. منال خالد