ضمن فعاليات موسمها الثقافي الخامس عشر استضافت ندوة الثقافة والعلوم بدبي الدكتور سعد بن طفلة العجمي وزيرالاعلام الكويتي السابق في محاضرة عن «الاعلام العربي في الغرب»، حضرها اعضاء مجلس ادارة الندوة، وعدد كبير من المهتمين بالحركة الثقافية، وقدمها مدير التدريب الاعلامي في «البيان» علي عبيد معرفا بالمحاضر الضيف، ومشيرا الى خبر تداولته وسائل الاعلام العربية عن أن جامعة الدول العربية رصدت مبلغ مليون دولار امريكي لتصحيح الصورة العربية المشوهة في الغرب منوها ومن باب التندر الى ان الفائض من هذا المبلغ يمكن التبرع به لتصحيح الصور المشوهة للعديد من الدول التي تعاني من المشكلة نفسها متسائلا: هل يكفي أن نعتمد مبلغا كهذا في واحدة من أكبر المؤسسات العربية لتصحيح صورة تشوهت عبر عقود من الزمن لدى شعوب لم تستطع أن تتفهم عقيدتنا وتقاليدنا وعاداتنا ولا حتى واقعنا؟ وهل من المناسب أن نتحدث عن الصورة المشوهة في الغرب أو أن نتخذ طريق المناطقة فنتحدث عن المقدمات والنتائج أو نختار طريق الأطباء فنتحدث عن التشخيص والعلاج. ثم بدأ الدكتور سعد بن طفلة العجمي محاضرته واستهلها بالحديث عن الدور الذي يلعبه الاعلام في تشكيل العالم عبر هذه المرحلة التي نشهد فيها تحولات عالمية وعولماتية ومعلوماتية خطيرة جدا، فهذا الاعلام يعيد تشكيل وعينا ويدخل الى غرف نومنا ويأخذ حيزا كبيرا من وقتنا ومن معايشتنا حتى لأقرب المقربين الينا، مركزا على الاعلام المرئي وعلى الصورة التي تعتبر الاكثر اثارة وجاذبية وحيوية مقارنة مع غيرها من وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة. وأشار المحاضر الى ان العرب من أكثر الأمم والثقافات اهتماما بالصورة وتصحيحها دون التركيز على الأصل باعتبار أن الصورة يجب أن تكون انعكاسا للأصل , ومن هنا نجد وزراء الاعلام العرب يقومون بجولات محمومة من أجل تصحيح الصورة، في الوقت الذي لانجد فيه الكثير من الثقافات التي تهتم بتغيير او تحسين صورتها، اضافة الى اننا لانهتم بتحسين صورتنا امام دول ومناطق غير غربية ولعل الامر يعود لسببين: الاول هو ان هذه الدول غير مؤثرة في مجريات الاحداث الدولية، والثاني يعود لطبيعة العلاقة المعقدة التي تربطنا بالغرب ولعدم قدرتنا على تحديد طبيعة وابعاد هذه العلاقة وبالتالي التعامل معهم وفق نوعية وخصوصية هذه العلاقة . وحول الصور النمطية للعرب والاسلام اختار المحاضر التركيز على هوليوود باعتبارها ذات حضور وقدرة على التأثير مقارنة مع بقية الدول الغربية الاخرى وخاصة في مجال الصورة المرئية وقسّم هذه الصورة الى ثلاث مراحل أو نوعيات الاولى تعود الى ماقبل عام 1948 اي ماقبل اكتشاف اليهود لهوليوود، وهنا اشار المحاضر الى الكاتب نيل جابلر مؤلف كتاب «كيف أكتشف اليهود هوليوود»؟ وكيف حولوها الى امبراطورية خاصة بهم ويشيد هذا الكتاب بخمس شخصيات يهودية جاءت بعد الحرب العالمية لتؤسس اكبر خمسة استديوهات تنتج غالبية الافلام والمسلسلات والتقارير، المرحلة التي سبقت وصول هؤلاء وادراكهم لأهمية الصورة كانت صورة العربي غير مركزة. فدولة اسرائيل لم تكن قد قامت بعد، وبالتالي كانت صورته مرتبطة بطابع رمانسي فيها الكثير من الشاعرية والصحراء والخيل، ولم تكن الصورة السلبية موجودة والتي عززت من أجل أهداف سياسية بحتة، وكانت غالبية الشخصيات والنجوم السينمائيين من غير اليهود امثال شارلي شابلن كلارك جيبل، جون واين. أما المرحلة الثانية، كما اشار المحاضر فقد بدأت منذ عام 1967 ولغاية الاجتياح الاسرائيلي للبنان وفي هذه الفترة عززت صورة العربي صاحب النفط والثراء، المحب للنساء وتعدد الزوجات، الذي ينفق الملايين في ليلة واحدة من لياليه الماجنة، وغيرها من القصص والحكايا التي كانت تتناقلها الصحف الشعبية في الدول الغربية وكانت هذه الصور تعزز بشتى الاشكال ولتغيب وبصورة تامة تلك الشفافية والرومانسية التي كانت موجودة في سنوات سابقة، وفي المقابل كانت الصورة الايجابية لليهودي تتعزز وعلى كافة المستويات بحيث لايمكن ان تقدم صورة اليهودي وفيها ادنى نزعة سلبية ولطالما عرف بشخصيته الطيبة الخدومة والمرحة وكانت تتم محاربة اي عمل يقدم صورة مغايرة لذلك. المرحلة الثالثة، بدأت بعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت ولم تعد الحملات التشويهية قادرة على الاستمرار والاقناع وخاصة مع التغيرات التي شهدها العالم ومن هنا بدأت تظهر صورة جديدة للعربي بعيدة عن صفات التخلف والجهل وغيرها من الصفات التي كانت مقبولة في الستينيات، ففي هذه المرحلة تم العمل على ابراز صورة العربي العنيف والارهابي والذي لايمكن توقع ردود أفعاله وما يمكن ان يقوم به من تفجير نفسه، قتل الاطفال، خطف الطائرات، وتم تعزيز هذه الصورة باستغلال كل الاحداث المرتبطة في هذا السياق، وقد جاءت أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن لتدعم هذه الصورة على مدى السنوات المقبلة والتي قد تستمر لخمسين سنة مقبلة وأكثر, مثلما ارتبطت صورة الياباني في العقلية الامريكية. وفي هذا السياق، أكد المحاضر على أن العرب والمسلمين ساهموا بدورهم في تعزيز هذه الصورة عبر العديد من الاحداث الكبرى، كاجتياح الكويت، وأحداث حلبجة في العراق وغيرها من الاحداث، اضافة الى وجود عجز عن اسغلال الاحداث الكبيرة لتحقيق اية مكاسب، بل تأخذنا العاطفة والغوغائية والانفعالية في الدفاع عن أنفسنا ومعتقداتنا كما حدث مع سلمان رشدي وهو كاتب مغمور وكتابه سخيف وساذج ولا يمكن لأي قارئ ان يستمتع به، امام هذا الكتاب هاجت الامة الاسلامية للدفاع عن الاسلام وكأن هذا الكتاب السخيف يهددها، وفوتنا على انفسنا فرصة الاستفادة من القوانين البريطانية في مجال التعدي على الاديان وفي نهاية المطاف لم يحدث اي شيء وحققنا لهذا الكاتب المغمور شهرة عالمية واسعة، والسؤال هنا هل الاسلام بهذه السذاجة ليهدده كتاب وهل يستحق كل هذا الانشغال وعلى هذا المنوال يمكن لاسرائيل ان تدفع بكتاب بين الحين والاخر وتجعلنا ننشغل به لسنوات. وهنا اكد المحاضر الدكتور سعد بن طفلة العجمي على ضرورة ان تنصب جهودنا على تصحيح الاصل وليس الصورة , وكلما استطعنا في عالمنا العربي ان نعيد للانسان آدميته واحترامه لنفسه وان نبني مجتمعات بعيدة عن الجهل والتخلف كلما استطعنا ان نوصل صورة ايجابية للآخرين. فنحن العرب قتلنا من انفسنا اكثر مما قتل منا اعداؤنا، كما علينا الاستفادة من هذه الثورة المعلوماتية التي غيرت الكثير من موازين القوى، وليس لنا الاستكانة الى ان اليهود يسيطرون على وسائل الاعلام الأمريكية وانتهى الامر، لأنه لم يعد من السهولة هذه الأيام تمرير صورة اليهود الضعفاء والمحاطين بالعرب المتوحشين، هذه الصورة النمطية التي كانت سائدة سابقا لم تعد مقبولة اليوم، ولذلك علينا المراهنة على خطين الاول هو تعزيز الاصل والثاني هو المراهنة على ان الثورة المعلوماتية والعولمة لابد لها ان تصب في صالح الحقيقة وليس في صالح الصور النمطية التي يمكن ان يكرسها اعلام معاد هنا أوهناك، والعمل على قوة الجاليات العربية والمسلمة وفق القوانين التي تحكم سياسة هذه الدول لا ان تكون هذه التحركات وفق مفهومنا الخاص عن القوة ومراكز اتخاذ القرار. ودعا المحاضر الى ضرورة التعاطي مع طاقاتنا وامكانياتنا بصورة حضارية اكبر وان نعمل على ادارة صراع وليس أن نقيم صداما، الامر الذي يستلزم الكثير من الامور من ضمنها تحسين الصورة بشكل تلقائي. وفي ختام المحاضرة، اشار مقدم المحاضرة علي عبيد الى انه ان كانت الصورة مغطاة بالغبار في مراحل سابقة فهي اليوم وبعد الاحداث الاخيرة قد تمرغت كثيرا بالوحل، وان كانت الصورة مهمة لهذه الدرجة يظل الاصل هو الاهم والابقى. متابعة: حازم سليمان