لا يختلف أحد على مسلمات العلاقة بين الثقافة وبناء البشر. ولا ينكر الكثيرون ان الثقافة الحية، هي التي تجدد رصيدها من خلال زيادة مساحة وعمق الوعي بإشكاليات الحاضر، ولكن القلة هي التي تعرف أن تجديد الرصيد الثقافي وعوائده في الاستثمار البشري، انما يتطلب حرية التعبير وديمقراطية التأثير من خلال تأكيد قيم وأعراف، ونقد ذاتي وحوار واجتهاد، وإبداع أو ابتكار أو تجديد يكمن خلفه تصور لبدائل حتى لأمور قد تبدو جيدة أو ممتازة أو حتى لا حاجة لنا بها الآن. وتبدو اشكاليات عامة تعرقل الابداع والتفكير الابداعي أو الاتيان بحلول بديلة يشترط فيها الأصالة مع الحفاظ على قيمة الإنسان الذي كرمه الله. لقد كان لغلبة الحرص على قيم التماسك الاجتماعي والمسئولية الاجتماعية في حركة الحياة من جانب وبين قيم اثرة الذات والسعي الى الانتصار الفردي أو الفئوي أو العنصري من جانب آخر، أثرّ على اختلال الموازين والمعايير مهد الى ظواهر سلبية لاهتزاز البناء المشترك في القيم والعلاقات بل والسياسات، وأدى الى ظواهر قد تكشف عن الاغتراب والانكفاء على الذات، بل وإلى الانحراف أو الهرب من الواقع بالهجرة وعدم المشاركة أو تعاطي المخدرات أو الاتجاه الى العنف وممارسته أو الاستعراضية المستفزة تأكيداً للذات، انها كلها اختلالات بين تباينات كانت مسببة لعرقلة التفكير الابداعي ومواجهة لكيفية التجديد والابداع أو الابتكار. لقد تزايدت مساحات الاستقطاب والثنائيات بين أنصار القديم والحديث، وبين أصحاب الأصالة والمعاصرة، وبين رواد الموروث والوافد وبين وجهات القربى والقومي والاسلامي. إن ثقافتنا تتوزعها جماعات تتباين نظرتها وقيمها في تحليل الواقع، وواقع التحليل واستشراف المستقبل، ومستقبل الأمم والمجتمعات. وقد غدا بديلاً لإعادة التفكير والتجديد أسلوب آخر هو الاجترار والتقليد أو الرهبة، واستشرى الاتّباع بديلاً عن الابداع. وقد تنتصر ثقافة الصمت حينئذ على ثقافة النطق والقول والتفكير بأصالة، وتتقلص الحاجة إلى التجديد والإبداع، ويعم الفكر السائد بأن التفكير الإبداعي أو الابتكاري يصبح أمراً يدعو للمخاطرة والمغامرة. ويجب ان يكون واضحا ان الفئات المتمسكة بنماذج الفكر التقليدي، يرون ان حلولهم بصورتها القديمة صالحة لمعالجة قضايا المعاصرة، ربما تعيق سبل الوعي بالحاجة الى التجديد والابداع وتزيد الأمر اضطرابا وبلبلة. لقد نسي هؤلاء السماحة الواسعة من الاجتهاد والمجتهدين في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية خلال فترات ازدهارها وحيويتها. إن علينا التخلص من انماط معطلة للتفكير الابداعي والاتيان بحلول أصيلة تتناسب مع ثقافتنا. علينا التخلص من التفكير من خلال الاسطورة أو الخرافات وحتى الأوهام التي لا قبل لمواجهتها، وعلينا الابتعاد عن التفكير من خلال مهارة الفروسية لاختراق صعوبات ومعوقات تكنولوجية فائقة الدقة، أو التفكير من خلال الخوارق التي لا تخضع للتفكير العقلاني الانفعالي، كما ان من المهم التنازل النسبي عن التفكير من خلال المنفعة الخاصة أو من خلال الرومانسية الحالمة أو من خلال الهرب وعدم المواجهة الصريحة أو من خلال الادعاء وتضخيم الذات. ويجب علينا ان يكون مدخلنا الى التفكير المبدع ايثار الذات وليس اثرة الذات، والتفكير من خلال خطوات وبدائل وتقويم وليس التفكير من خلال الزمن الذي سوف يحل المشكلات مع مرور الأيام. إن علينا التنازل بجرأة عن تفكير الاستسلام للواقع والخوف من اختراقه لصعوبته أو امتيازه، مستبدلين ذلك بتفكير ينطوي على الاصالة والطلاقة والمرونة والحساسية للثغرات وكيفية تجاوزها. هنا نكون أمام تفكير ابداعي بعيد عن اشكاليات الابداع وعن الابتداع وسبل الخداع، وحتى التصارع والصراع. إن الانماط السابقة من التفكير، قد تتشابك مع بعضها البعض، لتمثل جدرانا بل عوائق ومحيطات لانطلاقة الفكر المبدع الذي يقوم على اعادة تصور المواقع، مع اقتراح جديد لتغيير علاقاته وبنيته وديناميته. واذا كانت هذه هي الانماط السلبية السائدة، فهذا لا يعني انعدام أو عدم تواجد نخب وفئات ورجال وهيئات ومؤسسات وسياسات تتوافر لديها مقومات التفكير العلمي والتفكير الناقد والتفكير الابداعي. إن ما نحتاج اليه هو السير نحو أصالة معاصرة، ومعاصرة أصيلة. فمنذ كان الالتقاء بين الحضارة العربية الاسلامية والحضارات الغربية كان هناك ما يشير الى اشتداد التناقض احيانا أو الازدواجية الى حد ما، وبالتالي أدى الأمر الى صراع أو حتى تصادم صارخ بينهما في العقود الثلاثة خاصة الأخيرة تقريبا. وقد انتهى في بعض الحالات الى صور من القطيعة أو شبه القطيعة أو العنف والارهاب، مما أدى الى غض البصر أو استبعاد كل منهما للآخر، بل والى تعريض كل منهما الآخر لاتهامات حول عدم مشروعية أو امكانية اسهامه في الجهد البناء في عالم اليوم أو عرقلة هذا الجهد. إن معترك التفاوت في زاوية الرؤية، يتطلب عقلية بصيرة تتجاوز الجمود والتعصب، واحادية النظرة رغم تعقد الحياة وديناميكيتها، كما ان الأمر يجب ان يعتمد على تحليل الماضي بموضوعية، دون استخفاف بالمنجزات خلاله ودون تقديس للنماذج، في الوقت الذي يجب ان نرى منجزات المعاصرة في اطار سياقاتها الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية دون انبهار أو تعصب أو شعور بالقصور والنقص أو الثقة الزائدة. إن الأمر يتطلب تفكيرا مرنا، فالمرونة مكون من مكونات التفكير الابداعي، وتظهر هذه المرونة في حكمنا على الاصيل والمعاصر أو الموروث والجديد أو المستحدث بالنسبة لواقعنا الراهن، ومدى جدواه في احداث مزيد من النمو والتقدم والسلام وليس الاستسلام لتحسين حياة الانسان. ان التفكير الابداعي يمكن تنميته، ولا حرج في قولنا يمكن تعلمه وتعليمه، وان كان يعتمد على امكانات ودرايات ذهنية لممارسته، افتقدت بعض المجتمعات ولعقود كثيرة رعايته واستخدامه في قضاياها المعاصرة وازالة عوائق الامور التي تعترضها. ولكن ماذا يجب علينا؟ علينا تبديد مصادر الرهبة والخوف لتتمكن الطاقات الفكرية من الانطلاق الى آفاق أوسع لتعطي مزيدا من حرية معالجة القضايا وأصالة معالجة القضايا دون تزمت أو خشية. هنا نكون أمام الحرية الفكرية ومقتضياتها، وتصبح لغة الحوار والفكر هي السائدة بدلا من لغة الصراع والعنف أو الزيف والخداع. إن التركيز على كيف يفكر الفرد بابداع يجب ان يكون هو احدى الغايات الجوهرية لكل انسان، فعن طريقه يكون الضمان لكل ما ينجم من ضغوط داخلية أو خارجية في المجتمعات، حيث تتضح الاسباب والمسببات عند ممارسته وكيفية تناول الصعوبات، وبالتالي نصنع أفرادا يشكلون مجتمعات متفتحة مقابل مجتمعات منغلقة ذات رؤية أحادية سائدة تحتكر الحقيقة، وتقطع في الاحكام، وتستبد في الامور، وتوقع الظلم رغم عدالة السماء والتي ذكرتنا بها الاديان. إن التفكير الابداعي الذي ينطوي على الاصالة والطلاقة والمرونة يؤدي الى تعدد الرؤى والاحكام النسبية والترجيح والاحتمالية، كما انه ضمان للحد من تطرف الاستقطاب، والاستقطاب المتطرف الذي يؤدي الى خلخلة التماسك الاجتماعي وتعطيل الوفاق الاسلامي والعربي والعالمي، فضلا عن انه سيساعد في بناء المجتمع الواحد المتماسك ذي الرؤية الواضحة في تنمية ذاته وتحقيق مكانته ونديته في معترك التنافس والصراعات الدولية، كما ان هذا المجتمع سيكون أقل من غيره وقوعا في حبائل الخداع أو الاتباع. بقلم: أ.د. زكريا الشربيني