حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». من المعروف ان بدايات التعليم في الامارات كانت بداية القرن الماضي، حيث انتشرت في ذلك الحين بعض المدارس الدينية والاهلية بمبادرات فردية او جماعية حتى حلت سنوات منتصف القرن لتحمل معها بداية التعليم النظامي التي ساهمت فيه دول عربية مثل: الكويت والبحرين وقطر وجمهورية مصر العربية، اما بايفاد المدرسين او فتح المدارس على نفقتها الخاصة. وكان من ابرز الانجازات الثقافية والاجتماعية في النصف الثاني من القرن العشرين افتتاح مدرسة فاطمة الزهراء التي تم انشاؤها عام 1959 بالشارقة والتي لا تزال منارة للعلم في الامارة وعلامة بارزة في تاريخ تطور التعليم بدولة الامارات العربية المتحدة. الاسم والشخصية القدوة يلاحظ ان الاسم الذي اختير للمدرسة جاء تيمنا باسم ابنة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ولتكون شخصية الزهراء نموذجا تحتذى به كل طالبة باعتبارها من النساء المسلمات اللواتي تركن بصمة في تاريخ الاسلام والمسلمين من حيث الادب والاخلاق والنبوغ والذكاء علاوة على اقترانها بأشرف الرسل وخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وتتلمذها على يديه الكريمتين وتعلمها اصول الدين والاخلاق منه مباشرة. وتأتي اهمية فاطمة الزهراء من كونها اول مدرسة ثانوية للبنات في دولة الامارات وقد اتخذت من منطقة «الناصرية» موقعا لها عند انشائها وكان مبناها آنذاك يتكون من طابق واحد يضم 27 فصلا دراسيا، ولم يكن عدد طالباتها يتجاوز 755 طالبة منتظمة. لان المدرسة كانت في ذلك الوقت هي الوحيدة في المنطقة ونتيجة للضغط المتزايد على المدرسة كانت اعداد البنات الراغبات في العلم في تزايد مستمر، فقد تم نقلها الى مبنى آخر اكبر واوسع يقع في منطقة السالمية بالقرب من السوق القديم، بالشارقة، وقد استمرت فيه لعدة سنوات قبل ان تنتقل وللمرة الثالثة الى منطقة «الرقة» خلال عقد السبعينيات لتستقر هناك حتى اليوم. التاريخ الاداري للمدرسة تعاقبت على ادارة المدرسة مجموعة من الشخصيات المثقفة ذات الخبرة الواسعة والرفيعة مما ساعد على ان تتبوأ المدرسة مكانة عالية في المجتمع وتشغل موقعا متقدما بين غيرها من مؤسسات التعليم في البلاد، وقد كانت سعاد الشرقاوي وهي تربوية مصرية اول مديرة لمدرسة فاطمة الزهراء والتي بذلت جهدا كبيرا ساهم وبشكل واضح في اقناع المجتمع بأهمية تعليم الفتيات واستمرارهن في المدارس الى مراحل متقدمة. مع اول مديرة مواطنة اما ثاني مديرة بعد نورة عبد الرحمن المدفع فكانت الشيخة مهرة القاسمي التي تعلمت في نفس المدرسة وتخرجت منها عام 1971 حيث مارست العمل في التدريس والادارة لعدة سنوات قبل ان تنتقل الى مدرسة فاطمة الزهراء لتشغل موقعها كمديرة لها. وفي روايتها عن النظام التعليمي السائد حينذاك قالت الشيخة مهرة القاسمي ان السلم التعليمي في تلك الفترة ـ اي السعبينيات ـ كان ينقسم الى 4 سنوات للمرحلة الابتدائية و4 سنوات اخرى للمرحلة المتوسطة ومثلها للثانوية. وحول اوضاع الدراسة في تلك الفترة قالت: كان العدد معقولا في المراحل الدراسية الاولى لكن المرحلة الثانوية كانت تعاني من قلة عدد الدارسات واذكر ان بعض الفصول لم تكن تضم اكثر من ثماني طالبات الى ان اخذت الاعداد تتزايد عاما بعد عام نتيجة التنافس على تعليم ابنائهم في مختلف المراحل الدراسية لضمان مستقبل جيد لهن. واضافت: كنت خلال فترة عملي التي استمرت حتى عام 1989 اشعر بتميز النشاطات التي تقام وتعددها وعلى رأس هذه النشاطات المهرجانات الكشفية التي دأب الشيوخ والوزراء على رعايتها وحضورها وتشجيع المشاركات فيها بل دفعهن الى تقديم المزيد من هذه الفعاليات، كما كانت المعارض الفنية تحظى باهتمام كبير وتقدير بالغ واذكر ان مدرستنا فازت في تلك الايام بالعديد من الجوائز في هذه المجالات، في الوقت نفسه فاننا لم نغفل اهمية مادة التربية الرياضية التي كان لها حضور كبير في برامجنا. وتابعت الشيخة مهرة قائلة انه من الامور التي تسترعي انتباهي الآن ان الطالبات لم يكن يتقيدن في الماضي باللباس او الزي المدرسي كما هو متعارف عليه حاليا ولا ادري لذلك سببا! الاثر الثقافي للمدرسة احدث وجود مدرسة فاطمة الزهراء تيارا ثقافيا واصلاحيا في المجتمع لم يكن موجودا قبل ذلك، وهو الامر الذي مهد الطريق وفتح المجال لنمو الفكر الثقافي وانتشار اليقظة الفكرية بمفهومها العام. وحول المناهج المطبقة آنذاك قالت الشيخة مهرة القاسمي: كانت المناهج الدراسية التي تدرس في ذلك الوقت نتبع المنهج الكويتي باعتبارها مسئولة عن التعليم في تلك الحقبة الزمنية ولكن اهم الصعوبات التي واجهتنا كانت عدم توفر كادر من المعلمين خاصة في مواد الفلسفة والمنطق وعلم النفس وكنا نضطر في بعض الاحيان لحل هذه المشكلة عن طريق قيام مدرس اللغة العربية بسد النقص في هذه المواد. وتشير الشيخة مهرة القاسمي الى ان مدرسة الزهراء كانت تضم طالبات من امارة دبي كن يأتين للالتحاق بالمدرسة حيث لم تكن فيها انذاك مدرسة ثانوية للبنات. الخريجات .. قيادات نسائية تمثل مدرسة فاطمة الزهراء نقطة مضيئة في تاريخ المسيرة التعليمية في الدولة اذ خرجت من بين جدرانها وفصولها مدرسات واديبات واداريات ناجحات منهن المدرسة والاديبة، والمسئولة وتأتي على رأس هذه القائمة من الخريجات الشيخة عائشة بنت محمد القاسمي نائب مدير منطقة الشارقة التعليمية حاليا والتي تسعى بشكل حثيث الى رفع المستوى التعليمي في الدولة من خلال طرحها للعديد من الافكار وتبنيها لسلسلة مشروعات تصب في مجملها في السياق نفسه. كما ان معظم مديرات ومدرسات امارة الشارقة كن طالبات سابقات في مدرسة فاطمة الزهراء وقد امتد تأثير المدرسة بعيدا حيث اصبحت بعض طالباتها القدامى مديرات في بعض مدارس امارة دبي ومنهن فوزية البستاني وامينة البستاني ومريم الخاجة. ومن الشخصيات البارزة التي تخرجت من المدرسة نوره المدفع والتي عملت في جامعة العين وانتقلت فيما بعد لتعمل في سفارة دولة الامارات بدولة مصر الشقيقة، اضافة الى كثير من الشخصيات النسائية انتشرت وعملت في منطقة الشارقة التعليمية كحمدة المدفع وشيخة المدفع وعائشة السركال التي تشغل الآن منصب المنسقة التربوية في منطقة الشارقة التعليمية. وترى شيخة ديماس المديرة الحالية للمدرسة والتي جاءت خلفا لحصة خلفان مديرتها السابقة حتى عام 99 ان مدرسة فاطمة الزهراء اقدم مدرسة بنات في الدولة وقد فتحت ابوابها لاحتضان طالبات العلم منذ اكثر من اربعين عاما تخرجت خلالها اعداد كبيرة هن اليوم اغلبية بين القيادات النسائية التي تشغل العديد من المناصب في الدوائر الحكومية والخاصة داخل امارة الشارقة وخارجها. عراقة وتميز وتؤكد شيخة ديماس ان المدرسة تحافظ على تميزها وتحرص على حصد الجوائز في كل عام لا ترضى الا ان تحصد عشرات الجوائز بدءا من جائزة حمدان للاداء التعليمي المتميز وانتهاء بأبسط المسابقات، وفي كل عام تخرج من المدرسة معلمة متميزة، طالبة مبدعة وبالتالي ستبقى مدرسة فاطمة الزهراء منبعا للمبدعات اللاتي يرفدن المجتمع بالخبرة والمعرفة ويسعين دائما الى رقي وطنهن وجعله في مصاف الدول المتقدمة. نورا الامير