عبر السنوات والمراحل يرتقى الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها او اساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند الى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات اثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو اولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. تجارب الحياة هي المعلم الاكبر للانسان فهي التي تدفعه نحو المدارج والدروب في رحلة تأكيد الذات وصنع التجربة الشخصية بكل ما فيها من نجاح وطموحات، وفي حياتنا جميعا نماذج انسانية يكون لها دور كبير في كل مراحل العمر لانها منحتنا مبكرا تجاربها وفلسفات حياتها كي نمضي نحن بعدها بثقة وعزم نحو حياة افضل وغد اكثر اشراقا. والى هؤلاء من اصحاب الدور نقدم رسائل ود وعرفان وامتنان كتبها تلاميذهم الذين اصبحوا رجالا وكبارا واصحاب خبرات في الحياة. يقول الدكتور عارف الشيخ مدير ادارة الخدمات التربوية بوزارة التربية والتعليم والشباب: اساتذتي في الحياة ابي، امي، زوجتي، معلمي، الزمن، السن، التجارب، الاحداث، فمن ابي تعلمت ان الحياة اخذ وعطاء، كما تدين تدان، والبار بوالده يجد اثر ذلك في اولاده. وتعلمت من امي الصبر، وان الحياة لولاها لاكفهرت في وجهي اما زوجتي فتعلمت منها الحب والحنان فلولاها لما نجحت في اي جانب من جوانب الحياة فهي دائما الامل الاخضر، وتعلمت من معلمي ان الجسم في حاجة الى غذاء روحي، وهذا لا يوجد الا عنده فلولا المربي ما عرفت ربي. واضاف: تعلمت من الزمن ان لا اثق في احد، لان الدهر له تقلبات والمثل يقول: احبب حبيبك هونا ما فعسى ان يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك هونا ما، فعسى ان يكون حبيبك يوما ما. وتعلمت من السن ان الاكبر مني بيوم اعلم مني بسنة، فلابد ان اتعلم حسن الاصغاء الى كل احد ولا احقر احدا. ويضيف د. الشيخ لقد تعلمت من التجارب ان بعض المستحيلات يمكن تحقيقها مع الاصرار لذلك قالوا ما ضاع حق وراءه مطالب وان الذي يقول لا اعرف ينبغي ان يتعلم ومن قال لا اقدر يجب ان يحاول. وتعلمت من الاحداث ان البقاء للاصلح، والدوام لله وحده، فلا يغرك الشباب ولا الصحة ولا القوة ولا المال ولا الجاه، وفي النهاية نرى الموت يذل كل جبار في الارض، وقد قال المعري: خفف الوطء ما اظن اديم ال ارض الا من هذه الاجساد وبقايا على بقايا دفين ضاحك من تزاحم الاضداد تعب كلها الحياة فما اعجب الا من راغب في ازدياد وفي النهاية اشكر هؤلاء جميعا، الشكر كل الشكر لمعلمي الاكبر عدوى الذي قال فيه الشاعر: عداي لهم فضل عليّ ومنة فلا ابعد الرحمن عنى الاعاديا هم كشفوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا الشمعة المضيئة ويشيد علي خليفة الشعالي رئيس قسم التعليم الخاص بمنطقة عجمان التعليمية باستاذه الذي يعد بمثابة الشمعة المضيئة التي اضاءت له درب الحياة فيقول معلمي هو بمثابة الاب عندما تغيب الابوة الحانية عني، وهوالاخ الذي اجده دائما وقت ضائقتي، بل الصديق العزيز في وقت يعز على الانسان ان يجد صديقامخلصا له في هذا الزمان. ويضيف الشعالي موجها كلامه لمعلمه: لقد سطرت في حياتي اسمى وانبل واشرف مراتب الرجولة والبطولة والشرف، لقد زرعت في نفسي قيما شامخة شاهقة لايمكن ان تتزعزع مهما مر الزمن الا وهي حضارة الاسلام المجيدة، كيف لي ان انساها وقد روى غرسها بالتضحية والفداء والاخلاص، كيف انساها وانت القدوة التي نحتذى بها، فاقوالك وافعالك هي الجسر القوي المتين الذي يربطنا بالآخرين من حولنا وقراءتك التي مازلت اسمع صداها حتى اليوم هي التي قومت لساننا وجعلتنا نسير في درب الفصحاء والبلغاء. استاذي: ان الايام تطوى صفحاتها ولكن الامجاد لايمكن ان يطويها التاريخ فأمجادك راسخة واقوالك خالدة، وسيرتك محمودة ندية فيالك من معلم جمعت شمائلك كل الخير والصدق والرجولة ويالك من انسان كنت ومازلت كالبحر الذي يرسل امواجه جودا وكرما وعطاء. استاذي ومعلمي: لقد اثبتت مواقفك انك الحاني على طلابه اذا ما احتجنا اليك، وانك المخفف آلامنا اذا ما اشتدت علينا الجراح وثقل الليل، وانك البطل المقدام اذا استدعى الواجب البطولة. ويوجه الشعالي في النهاية الشكر الكبير الى معلم آخر هو خاله الذي يعتبره بمثابة والده الذي لم تره عيناه منذ صغره، فيقول له: انني مهما كتبت من كلمات ونظمت من قواف فلن استطيع وصف اخلاصك واقدامك ولكنني استطيع ان اوجه لك الشكر والتقدير والعرفان وان اقول لك بانني مستمر في الاقتداء بك قولا وعملا وان شاء الله ستبقى مسيرتك نورا لنا، وستظل افعالك خير مثال نحتذى به واهم مرشد لنا في خضم هذه الحياة. موقف معلم اما علي شعبان موجه التربية الرياضية بمنطقة عجمان التعليمية فقد بدأ حديثه قائلا: ساذكر لكم موقفا يدل على صاحبه الذي اتخذته مرشدا لي في هذه الحياة. قيل لعالم مسلم: هل قرأت ادب النفس «لارسطو» فقال: بل قرأت ادب النفس لمحمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام وبهذه الاجابة لابد وانكم ادركتم من هو استاذي في الحياة انه محمد عليه السلام فهو القدوة والمعلم لكل البشر، هو منبع النور والهداية ومصدر التشريع الثاني بعد القرآن الكريم، اما الكلمة التي تقال الآن فهي «ان اكبر فخر للناس انك من الناس واكبر فخر للارض ممشاك فيها، وستظل المنهل العذب الذي ارتوي منه كلما ظمئت». وعن اكثر الصفات التي اكتسبها وتعلمها من رسولنا الكريم قال شعبان: انها الصبر والحكمة والامانة وكل ابناء الاسلام تعلموا منه صلوات الله عليه ـ الصبر والتحمل وايضا المثابرة حتى الوصول الى الغاية والهدف كما فعل عندما كلف بنشر الدعوة الاسلامية فقد ثابر وناضل وتحمل كل الصعوبات والعقبات حتى وصل الاسلام الى شتى بقاع الارض. وتابع حديثه قائلا: اعجبني فكره العميق وروحه السامية وتلمسه للعدل والحقيقة واستشرافه للمثل العليا والاخلاق الكريمة التي عرف بها صاحب الرسالة الخاتمة، فنقل بها العالم من الغي الي الرشاد، وكان لاجتهاده اثره في انارة السبل امام جميع الناس في شتى ارجاء الارض. واختتم قائلا: بهذه الصفات وباخرى استحق رسولنا الكريم ان يكون بحق من نزلت فيه الاية «وانك لعلى خلق عظيم» واستحق ايضا ان يكون استاذا للبشرية كلها ولكل ابناء الامة الاسلامية منذ مبعث الرسالة وحتى قيام الساعة. جدى استاذي الاول ويوجه فهمي حسين بافضل مدير بيت الشباب بالشارقة رسالة الى استاذة في الحياة يقول فيها: نشأت في كنفك فكنت لي خير الراعي لنا نحن اسرتك التي استظلت برعايتك وحبك وحنانك، وكنت انسانا رفيع الخلق فأنت الجد للاحفاد والاب للابناء والاخ للكبار والصديق لكل الاهل والاحباب والجيران. ويضيف في رسالته الى جده استاذه الاول في الحياة فيقول: لقد كبر حفيدك الصغير لكنه لم يتكبر، وارتقى مدارج الحياة بامان ويسر لكنه لم ينس من اوصيته بهم من الضعفاء والمساكين، هكذا علمتنا ووجهتنا، نحن الاحفاد الصغار وها نحن نتمسك بكل نصح وجهته الينا، ونعتز بماضينا واهلنا ونحتفظ بكل روابطنا ونعيش حياتنا بنفس مادعوتنا اليه وعلمتنا اياه، ايها الجد العزيز يا من كنت استاذنا في الحياة التي تخرجت أنت في مدرستها فمنحتك اعلى شهاداتها، لقد حصلنا نحن على مراتب عالية من العلم والمعرفة وشهادات تخرج جامعية تتوارى وتتضاءل امام تلك الشهادة التي منحتها لك الحياة فجعلتك حكيما وخبيرا ومصلحا اجتماعيا ومربيا لا يماثله احد في علمه ومعارفه بكل فنون الحياة. ايها الجد الحكيم... لقد غرست في حياتنا شجرة وارفة الظلال، وتركت بصمتك العميقة فوق دروبنا لنبقى دائا مدينين لك بكل نجاح ورقى وفلاح فانعم ايها الجد العظيم بوفائنا وسننقل تجاربك الى احفادنا لتبقى لنا تقاليدنا كما علمتنا وارشدتنا. منال خالد