افتتح الدكتور هادف بن جوعان الظاهري مدير جامعة الامارات العربية المتحدة صباح أمس بهيلتون العين المؤتمر السنوي العالمي لكلية العلوم الانسانية والاجتماعية والذي يقام هذا العام بعنوان «المانيا والعالم العربي»، وذلك تحت رعاية معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الرئيس الاعلى للجامعة ويستمر حتى الثاني من اكتوبر وحضره عدد من اساتذة الجامعة والمفكرين العرب والمستشرقين الألمان. وفي بداية كلمته نقل الدكتور هادف تحيات معالي الشيخ نهيان وتمنياته للمشاركين بمؤتمر ناجح يضيف الى انجازات الجامعة رصيدا جديدا ويفتح بابا جديدا للبحث العلمي المتعمق في العلاقات بين العالم العربي والغربي بصفة عامة وبين الدول العربية والغربية ذات التاريخ العريق والثقل السياسي والاقتصادي والثقافي كالمانيا بصفة خاصة. واشار الظاهري في كلمته الى ان انعقاد المؤتمر تصادف مع تداعيات وأحداث خطيرة مست فيما مست العلاقات العربية ـ الغربية وتعالى خلالها صوت العقل في الشرق والغرب معا داعيا الى تجنب أي صراع لا داعي له بين حضارة الشرق وحضارة الغرب ليرد على اصوات الشر التي تحاول الصيد في الماء العكر وتحاول نسف الجسور ونبذ التسامح والتعايش والتعاون والتبادل. وقال ان هذا المؤتمر بالصدفة المحضة بمثابة رسالة واضحة للعالم شرقه وغربه مؤداها ان لواء الحضارة لايزال في يد واحدة على الدوام وان الحضارة امتداد طبيعي كل منها للآخر وان الله سبحانه خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا وان التفاعل بين الثقافات أمر ضروري لتقدم الانسان ورفاهيته وان التلاقي الحضاري كما وصفه الشاعر الألماني الاشهر جوته اشبه بالشهيق والزفير والانقباض والانبساط والاتحاد والانفصال. واشار الظاهري الى ما سيطرحه المؤتمر من خلاصات وبحوث حيث لفت نظره ـ كما ـ يقول عدة ملامح يجب الاشارة اليها فالمشاركون في المؤتمر نخبة من العلماء والمفكرين الذين جمع بينهم الاهتمام بظاهرة التفاعل الحضاري خاصة بين العرب والألمان وبيننا الآن اساتذة ينتمون الى مختلف الأقطار العربية امضوا معظم حياتهم في دراسة الحضارة الألمانية وتلاقيها على مر العصور مع الحضارة العربية والاسلامية كما ان بيننا الآن اساتذة ألمان كرسوا حياتهم وبحوثهم لدراسة الحضارة العربية والاسلامية وانعكاساتها وتأثيراتها على الحضارة الغربية عامة والثقافة الألمانية خاصة. واضاف الظاهري ان من الملامح البارزة لهذا المؤتمر كذلك انه يغطي الجوانب المختلفة للتفاعل الحضاري وفي العصور المختلفة فهو يتناول الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية منذ العصور الوسطى وحتى الآن بل ويستشرق آفاق المستقبل كذلك انطلاقا من معطيات التجارب والخبرات على مدى خمسة قرون من الزمان أو يزيد، وهكذا فان المؤتمر يجسد الدور الحيوي الذي تقوم به مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي بشكل مباشر وبأشكال غير مباشرة في تعزيز التآلف بين الشعوب ودفع عجلة التعاون الدولي وسد الفجوات التي قد تفصل بين الثقافات المختلفة فالمعرفة بطبيعتها لا تعرف حدودا زمنية أو جغرافية ويسعى اليها الناس اينما توفرت. واضاف اننا نأمل ان يفتح هذا المؤتمر الباب لمزيد من مؤتمرات تتناول الروابط بين العالم العربي والبلدان الاخرى في الغرب وفي الشرق على السواء. واشار الظاهري في كلمته الى طبيعة العلاقة القوية والصداقة الوطيدة التي تجمع الامارات بالمانيا والتي تقوم على التعاون المثمر والاحترام المتبادل حيث تلتقي الدولتان على طريق تعزيز السلام والأمن الدوليين من أجل سلام ورخاء العالم ولذا من الطبيعي ان تكون هناك لقاءات متواصلة بين قادة الدولتين وان ترتبطا باتفاقيات عديدة للتعاون والتبادل والتنسيق في مختلف المجالات لما فيه مصلحة الشعبين الصديقين. وقال ان رئيس المانيا السابق فون فايتسكر قد زار دولة الامارات ثلاث مرات واعرب في اكثر من مناسبة عن اعجابه الشديد بشخصية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ودوره المهم في تنمية العلاقات بين الدولتين. ثم القى الدكتور عبد الوهاب احمد عميد كلية العلوم الانسانية والاجتماعية كلمة اكد خلالها ان الحضارة العربية منذ حملت لواء الفكر الاسلامي بما يكنه من احترام واجلال لكل رسالات السماء واحترام عقل الانسان الحر قد تخطت حواجز المكان والزمان وانفتحت على التجارب البشرية وفتحت ابوابها وعقولها لكل ثقافات العالم وعكفت على تراث الانسانية من خلال اعظم حركة ترجمة في تاريخ الشعوب القديمة حتى استطاعت خلال أقل من قرنين من الزمان من هضم التراث الانساني واستيعابه لتبدأ بعد ذلك تجديده واثراءه وإعادة تقديمه بعد ان صبغته بهويتها الحضارية واضافت اليه من نتاج العقل العربي وابداعاته مما مكنها من رفد الحضارة الانسانية بتراث عربي اسلامي هائل في شتى حقول العلم والمعرفة لتضرب اروع المثل في التأكيد على حقيقة ان المعرفة لا وطن لها. واكد الدكتور عبد الوهاب ان ما يسمى بصراع الحضارات لم يكن له وجود الا في ميادين الحروب التي تفرضها مصالح آنية وتحركها أهواء ومطامع بشرية وهو بعيد عن ميادين العلم وحقول الثقافة التي تظل في تلاق وتفاعل مستمرين حتى في الوقت الذي يرتفع فيه دخان المعارك فانه لا يستطيع ان يحجب انوار العلم عن النفاذ الى عقول العلماء في البلدان المتصارعة كما لا تستطيع دولة ان تكمم انوف ابنائها عن استنشاق نسائم تهب من اوطان تعاديها. واضاف د. عبد الوهاب لقد كانت الحضارة الألمانية الزاهية في طليعة الحضارات الاوروبية التي تحاورت مع الحضارة العربية وتفاعلت مع تراثها الانساني الخالد كما تشهد به مكتباتها الزاخرة بنوادر المخطوطات العربية ومعاهدها العلمية التي تخصصت في دراسة آثار مشرقنا العربي وقامت على تحقيقها ونشرها وتقديمها للغرب والشرق معا وهو ما حدا بالكلية ان تضع الحوار مع الفكر الألماني في طليعة ما تخطط له من حوار الحضارات تقديرا لجهود العلماء الألمان المخلصة وابرازا لتفاعل الفكر الألماني وفكرنا العربي في مده وجزره تأثرا به وتأثيرا فيه في محاولة منا لتعميق رؤية الآخر وتقويم تجاربنا الماضية للانطلاق منها الى تجارب حاضره اكثر ثراء واشراقا في سبيل توطيد أواصر الصداقة واذكاء روح التقارب والانفتاح على ثقافات الآخرين. وقال ان كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بمفهومها الواسع المستوعب لكل فكر انساني ترى من واجبها ان ينهض البحث العلمي فيها بتجلية مواطن الالتقاء بين الحضارات وتغذيتها بالبحوث التي تعرض للدراسات التي اطلت على الآخر وتقويمها والانطلاق منها الى أعمال مستقبلية تستهدف التعمق في معرفة الآخر والافادة من تجاربه مرتكزة على توجهات الجامعة في الانفتاح التام على عصرها وتعميق التواصل مع المؤسسات العلمية ومراكز البحوث في العالم والتطلع الى اقامة مشاريع علمية مشتركة وهو ما يعكس الشعار الذي رفعه معالي الشيخ نهيان الرئيس الاعلى للجامعة مع مطلع القرن الحالي «جامعة القرن الحادي والعشرين» بكل ما يحمله من دعوة الى مواكبة أحدث مستجدات العصر وهو ما حدا بمعاليه الى تشجيع فكرة هذا المنتدى العلمي ومتابعة اعداده ليكون واحدا في منظومة الانفتاح على العالم والتي تموج بها حركة النهضة الشاملة في دولة الامارات العربية المتحدة والتي تصف جامعة الامارات الأم في طليعتها. واضاف ان الايقاع السريع للحركة العلمية المعاصرة لم يعد يسمح للشعوب بالانغلاق على نفسها وتضخيم الذات كما ان المؤسسات العلمية لم تعد الآن جزرا معزولة وهو ما يتطلب مزيدا من الحوار بين الحضارات والثقافات للاسهام في تقارب الافكار. وقال ان هذا المؤتمر في مطلع الألفية الثالثة واحد من سلسلة مؤتمرات تزمع الكلية من خلالها الاقتراب من القضايا الانسانية التي تتطلب التعاون بين الباحثين في المواقع الحضارية المختلفة للاحاطة بابعادها والتحاور معها. ثم القى الدكتور عبد الله البناي مساعد عميد الكلية لشئون البحث العلمي كلمة رحب في بدايتها بالحضور من كتاب وعلماء ومفكرين من العرب والالمان حيث تطرح في المؤتمر حوالي 50 ورقة بحث حول التفاعل الحضاري والفكري بين المانيا والعالم العربي والاستشراق الألماني وانعكاساته في العالم العربي وكذلك دراسة العلاقات الأكاديمية والسياسية والاقتصادية. وتطرق البناي في كلمته الى طبيعة العلاقات القوية بين المانيا والامارات وما ذكرته الخارجية الألمانية وقت اختيار صاحب السمو الشيخ زايد رجلا لعام 1988. وقال ان الامارات هي ثاني أهم شريك تجاري في العالم العربي بالنسبة لألمانيا، وعموما فان العلاقات بين المانيا والعالم العربي هي علاقات متميزة قائمة على الحوار والاحترام المتبادل بما فيه منفعة الشعبين. وقال ان العالم يمر الآن بظروف صعبة وبالغة الحساسية فالعالم في الوقت الراهن بأمس الحاجة الى الحوار والتقارب الحضاري بين الشعوب ولهذا يهدف المؤتمر من خلال ابحاثه الى اذكاء روح الحوار وتأصيل التفاهم بين الشعوب والعمل على تشجيع تفاهم الحضارات وتحاورها لصناعة غد يؤمن بالحوار والعقل طريقا للتقدم ولصالح البشرية. واضاف ان الابحاث المقدمة في المؤتمر تؤمن بان البحث العلمي طريق نحو المعرفة والحوار وان غاية الباحث هو ادراك المعرفة المتجردة عن كل هوى. ووجه في نهاية كلمته شكره الى معالي الشيخ نهيان لرعايته للمؤتمر وتشجيعه له ولمدير الجامعة لاهتمامه وتذليله العقبات أمام عقد هذا المؤتمر ونجاحه. ثم القى البروفيسور ستيفان وايلد عميد كلية الآداب بجامعة بون بالمانيا كلمة نيابة عن الباحثين الألمان. عقب ذلك القى المتحدث الرئيسي قبيل بدء الجلسات البروفيسور اودو ستيفن باخ مدير المعهد الألماني للاستشراق بجامعة هامبورج بالمانيا كلمة عن العلاقات العربية الألمانية. ثم بدأت الجلسات الصباحية بالقاعتين الأولى والثانية بالهيلتون حيث ترأس الدكتور فيصل عبد القادر يونس الجلسة الأولى بالقاعة الاولى، وترأست الدكتورة منى جمعة البحر الجلسة الأولى بالقاعة الثانية. واقيمت الجلسات على مرحلتين بدأت الأولى من الرابعة والنصف والثانية من السادسة والنصف مساء.
