ما كنت اظن يوما من الايام اني احتاج الى ان اكتب في مثل هذه المواضيع، لانها من البديهيات التي ينبغي ان يتعلمها المرء منذ نشأته في بيته او في المجتمع عموما، حيث انها من السلوكيات العامة التي يجب ان يتحلى بها كل فرد من افراد المجتمع، عندما يراجع اي وزارة او اي دائرة. ومن المعلوم ان التخطيط السليم هو أول خطوة من خطوات العمل الناجح فمتى كانت الخطوة الاولى عشوائية تتابعت بعدها العشوائيات وكانت النتيجة عدم التوفيق في اداء المهمة. لذلك قال المثل: قبل الغطيس جرب وقيس. موضوع اليوم يخص المراجعين عموما، وبالتحديد مراجعي ادارة الخدمات التربوية وهي ادارة تختص بشئون الطلاب والامتحانات وان كان المسمى لا يدل على ذلك. على كل فإن الاخوة والاخوات حفظهم الله يفدون الى الادارة زرافات ووحدانا من المناطق النائية والقريبة متأبطين مشاكلهم ليعودوا بعد ذلك كما عادوا من غير ان تنقضي حاجاتهم. هذه المراجعات في الحقيقة غير منظمة، وغير مدروسة، لانهم يخرجون الينا كما يخرجون الى المتنزه او السوق، ليعودوا الى البيت وقد استنفدوا كل ما في جيوبهم، بالاضافة الى ما سحبوه من خلال السحب الآلي، وما تسلفوه من اصدقائهم الذين لسوء الحظ تواجدوا هناك. نعم.. يعودون وقد اشتروا ما يحتاجون وما لا يحتاجون. هؤلاء المراجعون عندما يخرجون الى الوزارة يخرجون هكذا «حفظهم الله»، ولعلكم تستغربون اذا قلت بأن الطالب يسحب والدته وجدته، او والده وجده وبني عمه او خاله، ويحلفون لي بأنهم لأول مرة يدخلون الوزارة، وما جاءوا إلا ليعودوا وقد استجيب لطلبهم، وانا عندما اراهم اتذكر المثل الشعبي الذي يقول «المرأة والجاهل والطفل الصغير يحسبون ان أباهم على كل شيء قدير». ولعلكم تعجبون اذا قلت بأني اسألهم عن المطلوب فيقولون نحن لا ندري هذه هي الاوراق انظر فيها او اتصل في الوالد او في المدرسة.. ثم بعد ذلك هلا هلا فينا، ساعدنا، وانت فيك الخير، ونحن مساكين وقطعنا درب. اقول لهم لعلكم تريدون وزارة العمل والشئون الاجتماعية، فيردون لا والله، نحن قاصدينك. اقول ان هذا المنطق، وهذا الاسلوب، وهذه الحجج ربما كانت مقبولة قبل الاتحاد او مع بداياته حيث كان الناس في واد والقوانين واللوائح في واد آخر. اما وان وزارة التربية فتحت عشر مناطق تعليمية في ارجاء الدولة ويعمل فيها 23214 معلما ومعلمة، و4298 اداريا وفنيا، و535 موجها وموجهة، بالاضافة الى 591 موظفا وموظفة يعملون في ادارات المناطق العشر. هؤلاء لم يجندوا اعتباطا، بل لتوعية المجتمع، وتخفيف الضغط عن الادارات المركزية في ديوان الوزارة في ابوظبي ودبي. السؤال الذي اطرحه هو: ما الذين يمكن ان يفعله مدير الادارة المركزية اذا كانت هناك لوائح وقرارات وزارية موجودة في المناطق والمدارس، وهي نفسها التي توجد في ادراج مديري الادارات المركزية في ديوان الوزارة. ان عمر الوزارة اليوم 30 سنة لكن لا أرى ان اسلوب العمل قد اختلف او ان المراجعين قد استوعبوا العملية، وصاروا حضاريين. ان الوزارة تريد من أفراد المجتمع ان يتحلوا بالعمل والقانون والنظام، لكنهم مازالوا يريدون ان يأخذوا الحق بأيديهم وقوة حناجرهم وخناجرهم. لذلك فإن بعضهم لا يقتنع بادارة المدرسة ولا بادارة المنطقة، وبعضهم لا يمر اصلا بالمدرسة ولا بالمنطقة بل ينطلق من قاعدته الى الوزارة مباشرة، قائلا في نفسه سوف آتيكم بقرار او امر يكسركم، وعندئذ تذهبون عبرة الى الابد يا أيها الذين تتمسكون باللوائح والنظم. هذا هو واقع المجتمع اليوم، لا يريدون ان يتحولوا الى دولة المؤسسات في حين ان العالم يفرض علينا اليوم ان نكون كذلك، لاننا لم نعد مجموعات صغيرة متفرقة، ولم نعد شرائح مختلفة، بل تكتلات تحكمها قوانين ونظم دولية او اقليمية او محلية. اعتقد ان الوقوف عند النظام يريح ويرفع الحرج عن المسئولين، والمطالبة بالاستثناءات تعني التمسك بالفوضى، وتخلق نوعا من الازدواجية في المجتمع وعدم الرضا بشكل عام والاحساس بأن هناك كراهية تزرع هنا وهناك. نعم لا اقول ان العيوب كلها في المجتمع، والوزارة لا عيب فيها، كلا فعيوبها اكثر من عيوب المشايخ الذين قلت فيهم في احدى قصائدي: ان المشايخ لا تُعدّ عيوبُهم فعيوبهم ضُربت بها الامثال واقصد اولئك الذين اساءوا الى هذه الرسالة السامية ببعض تصرفاتهم التي خلت من الحكمة، في حين ان الناس ينتظرون منهم ان يكونوا قدوة لانهم ورثة الانبياء. ان وزارة التربية اليوم رغم ان الناس يعانون منها فإنني اعذرها احيانا، لان اعباءها ثقيلة والامكانات المتاحة امامها اقل من المطلوب. وهناك ضبابية في بعض الامور قد يعتقد الناس انها من صنع يد التربية، ولكنني اقول هي من صنع يد اكثر من جهة. لذلك فإن توجيه اللوم الى الوزارة وحدها لا يحل مشاكل الناس وهم طرف ثالث ولكي نصل الى الحل اطالب الطرف الثالث وهم الناس ان يتعاونوا مع الوزارة في اتباع النظام، لان فوضوية التعامل مع القرارات تخلق مشاكل اخرى، يترتب عليها اصدار قرارات اخرى ارتجالية قد تكون خاطئة، وترونها من قبيل: الخير يخص والشر يعم وهو مثل نسمعه في المجالات الشرطية غالبا. اقول هذا وانا احب كل الناس، واتمنى ان اخدم كل الناس ولكن: اذا أردت ان تطاع فاطلب المستطاع. لذا ولكي تستطيع الوزارة ان تقدم خدماتها بشكل افضل اقترح ان يتبع ما يلي: 1 ـ على المراجع ان يراجع المدرسة وان لم تنقض حاجته يراجع المنطقة التعليمية، وعندها يجب التوقف، سواء انقضت الحاجة ام لم تنقض، لانها في حال السلب يكون ردها بناء على تعليمات الوزارة، واذا تطلب الامر مراجعة الوزارة فعلى المنطقة ان ترفع الشكوى او الطلب لا ان يسحب ولي الامر نفسه عائلته الى الوزارة بادئا بمكتب المدير ومنتهيا بمكتب معالي الوزير وبعد ذلك يمر علي ليقول لي خسرتموني على الفاضي جئتكم بالتاكسي، وحاجتي ما انقضت، والحقيقة انه هو الذي تسبب في هذه الخسارة لانه لم يقف عند حدود المنطقة، وكأن المنطقة جبهة والوزارة جبهة اخرى مطلوب منها ان تشن الغارة على المنطقة لانها التزمت بالتعليمات. 2 ـ على افتراض ان الامر تطلب ان يراجع بنفسه الوزارة عليه ان يصطحب معه كل الاوراق الثبوتية المطلوبة لكي يستطيع ان يدافع عن حجته، والمثل يقول: قبل الرماء تملأ الكنائن، اما وانه يأتي بكندورته ثم يطالبني بأن اتصل في وزارة الصحة لاستخراج صورة من شهادة ميلاد ولده، واتصل في المدرسة لاستخرج صورة من شهادته الدراسية واتصل في الاستوديو ليصور ولده، واتصل في وزارة المالية لتصرف له الطوابع. اذا كان هذا شأنه ورغم ذلك يقول الامر بيدكم، وانتم مطلوب منكم مساعدة الناس فأعتقد ان طلبه تعجيزي، وجزاء مثله ان يعود الى بيته بخفي حنين، لانه لم يأخذ بالاسباب، ولم يسلك الدرب الصحيح والشاعر يقول: ترجـو النجـاة ولم تسلُك مسالكها ان السـفينة لا تجـري علـى اليبـس 3 ـ على المراجع ان يراجع الادارة المعنية فقط وان تطلب الامر ان يحال الى جهة اخرى مكاتبة او مشافهة فإن الادارة هي التي تقرر. اما وانه يقدم طلبا في مكتب الوكيل المساعد، وآخر في مكتب الوكيل، وآخر في مكتب الوزير ليكتب كل منهم للادارة المعنية الافادة فإن العمل متعب ومحرج وفي النهاية يفقد العمل مصداقيته لان الرؤية تصبح غير واضحة، وتزدحم مكاتب المسئولين بالاوراق في حين ان دبي اليوم تسعى ان تكون مدينة دبي الكترونية وبدون اوراق. 4 ـ ليس بالضرورة ان تفصل الوزارة الرد على قدر رغبات الناس، ولكن المهم ان يفصل الناس رغباتهم على قالب الوزارة، لان الوزارة جهة تشريعية والناس منفذون، واذا صار العكس اقول ما قال ابو نواس: فيـا لـه مـن عمـل صـالـح يرفعُـه اللـه الى اسـفل هذه هي همومنا اليومية، وانني عندما اسجلها في هذه السطور اتمنى ان يقرأها كل فرد في هذا المجتمع ثم يعاون الوزارة على وضع النظام، وفرض النظام، وحب النظام، وذلك ممكن.. اليس كذلك؟؟