اكد الدكتور محمود سعيد عبد الظاهر ـ الخبير في الشئون السياسية والاستراتيجية وأستاذ التاريخ والعلوم السياسية في الجامعات المصرية، أن العنف والإرهاب متلازمان في الفكر الصهيوني ، مع مسار الحركة الصهيونية ذاتها، فالمتتبع للفكرة الصهيونية سوف يجد أن العنف في تلازم مع البنيان النظري للفكرة ذاتها، وأنه إذا كانت الصهيونية أيديولوجية تتضمن اتجاهاً فكرياً عاماً يعتنقه العديد من اليهود، فإن العنف هو الإطار المغلّف لهذا الفكر والمحدد له، وأن الإرهاب هو الضمانة الأكيدة لعنصرية هذه الأيديولوجية ووسيلتها لتحقيق أهدافها. وحول العنف الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني في ظلّ انعدام التوازن في القوى بين الجانبين، أوضح الدكتور عبد الظاهر خلال المحاضرة التي نظّمها مركز زايد للتنسيق والمتابعة اليوم بعنوان «الإرهاب الصهيوني في ظل اللاتوازن في القوى»، أن المنظرين الأوائل للصهيونية قد بالغوا في تصوير أهمية «القوة» كدعامة لنجاح الفكرة وضمان انتشارها وأفصحوا عن موقفهم الداعم للارتباط بأنه قوة تحقق لهم هدفهم، فعندهم الغاية تبرر الوسيلة. وأوضح كثير من المؤرخين أن قادة الصهيونية أخذوا يؤججون آراء ما يسمى بالاضطهادات الموجهة ضد اليهود ويعظمون في نفوس اليهود ما يُعرف «باللاسامية» حتى يجدوا المبرر الأخلاقي لإيجاد قوة خاصة بهم يستخدمونها في الدفاع عن النفس. وقد أخذ بعض مفكري الحركة الصهيونية أمثال فيخاجوزيف بيرديشفسكي يركزون على أن العنف هو الضمانة الأكيدة لقيام إسرائيل، وطالبوا بإعادة تفسير التاريخ اليهودي للتأكيد على ذلك الأمر، وأبدوا تعجبهم من مقولة حكماء إسرائيل « أن السيف والكتاب قد هبطا من السماء سوية» مع أنه واضح أن الاثنين متناقضان يقضي الواحد منهما على الآخر، وأكدوا على أن «السيف ليس شيئاً مجرداً يقف بعيداً عن الحياة، بل إنه تجسيد للحياة في أعرض خطوطها المادية والجوهرية ولكن الكتاب ليس كذلك». وهكذا استلهمت الصهيونية مادتها الخصبة من التراث اليهودي الذي يشوبه الزيف والتضليل وأخذوا يحصون الدلالات والرموز للجوانب العنيفة مركزين في صياغتهم للفلكلور اليهودي والحكاوي الأسطورية على ما يحيي في نفوسهم ذكريات العنف والإرهاب. وفي مرحلة تالية من تطور الفكر الصهيوني يَظهر «زئيف فلاديمير جاموتنسكي» والذي يعتبره البعض أنه المنظّر للعنف الصهيوني الحديث، والأستاذ لجيل من الإرهابيين يمتد من بيجين تلميذه النجيب ويستمر حتى «اريئيل شارون» مروراً بنتانياهو والمنتمون إلى اليمين الصهيوني. ولكن الرجل جاء ليؤكد أن بناء الفكر التطرفي الصهيوني متواصل وممتد، وأن العنف والإرهاب والقوة وسائل مشروعة لتحقيق غاياته وإن هذا الخط التطرفي إنما يعود إلى خط منظمي الصهيونية الأوائل «هرتزل» و«ماكس نوردوا» وغيرهم. وفي إطار استمالته للقوة الاستعمارية الغربية أفصح جابوتنسكي أن الدولة التي يسعى اليهود لإنشائها يمكن أن تكون مرتكزاً للاستعمار الغربي في وسط ما أسماه ببحر المحمدية الطاغي، وأنها لا بد أن تكون قوية حتى تستطيع أن تفرض نفسها. واستمر جابوتنسكي في توضيح فكرته وهدف الصهيونية مذكراً أن عصر الحريات الإنسانية والذي يعترف بحقوق الآخرين قد ولى وحل مكانه عالم جديد يرفض النزعة الإنسانية ولا يلتفت إطلاقاً لحقوق الآخرين. وقال المحاضر إن المتتبع لمسيرة الحركة الصهيونية سيرى أنها لم تكن إلا حركة قومية مفعمة بالكراهية والحقد على العرب وعلى الإسلام والمسلمين مهما صورها البعض غير ذلك، وأنها مبكراً أسفرت عن وجهها الإرهابي ويشهد على ذلك زعيم من زعمائها هو حاييم وايزمان عندما يذكر في كتابه التجربة والخطأ واصفاً الجو العام لفلسطين عام 1914، «يستطيع الإنسان أن يرى هنا وهناك تحللاً للأخلاقية الصهيونية التقليدية، ويلمس بدلاً منها سمة من الروح العسكرية وارتماء في أحضانها بل وأكثر من ذلك لجوءاً إلى العنف والإرهاب واستعداداً للتعاون مع الشر كقوة لها فوائدها في تحقيق الوطن القومي لليهود». وأضاف إنه في إطار إيجاد آلية لتنفيذ المخططات الإرهابية الصهيونية في فلسطين أنشأت المنظمة الصهيونية ميليشيات عسكرية صهيونية في فلسطين في ظل وجود الانتداب البريطاني وتصريح بلفور الشهير عام 1917، حيث سمحت بريطانيا لليهود بتكوين ما أسموه بقوات الدفاع عن النفس ممثلة في منظمة «الهاجاناه» أي الدفاع بالعربية، والتي استهلت أعمالها الإرهابية في 4 إبريل عام 1920 في الأحداث المعروفة «بيوم النبي موسى» وإفساد احتفال المسيحيين العرب في فلسطين بعيد الفصح وسقوط قتلى من الجانبين، وتوالت بعد ذلك أعمال العنف من قبل اليهود ضد الفلسطينيين فكانت أحداث يوم البراق منتصف أغسطس عام 1929. ولم يكتف الصهاينة بهذه المنظمة الإرهابية وحدها، وإنما سارعوا إلى إنشاء منظمة إرهابية أشد تطرفاً عام 1937 هي منظمة «الأرجون تسفئ لؤمى» لتزايد على درجة العنف الواجب اتخاذها تجاه العرب والقوات البريطانية في فلسطين.. وفلسطين في نظرهم ينبغي أن تشمل ضفتي الأردن وليس غربها فقط، ومن عباءة الأرجون خرجت قوة جديدة إرهابية هي «لوحمى حيروت يسرائيل» أو المقاتلون من أجل حرية إسرائيل. وهكذا أصبح هناك جيل كامل من الإرهابيين يعمل بمنطق الحقد والكراهية للعرب، واعتبروا أنه كلما زادت كراهيتهم كلما تقدموا خطوة في سبيل قضيتهم، وقد استظلت الحركة الصهيونية في تحركها على الساحة الفلسطينية بمساندة القوات البريطانية، رغم أن المنظمات الإرهابية الصهيونية مارست إرهابها ضد قوات الانتداب نفسها أيضاً وحتى ضد السياسيين البريطانيين مثل اغتيال اللورد وين وزير الدولة البريطاني عام 1943، واتهام اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما بعد بالمسئولية عن الحادث، ونسف فندق الملك داود عام 1946 في تعاون وثيق بين المنظمات الإرهابية الفلسطينية، ومذكرة التوقيف البريطانية الشهيرة ضد مناحم بيجين لمسئولية عن الحادث. وعدّد المحاضر المجازر التي ارتكبتها الصهيونية ضد العرب في ظل الانتداب البريطاني، منذ أحداث النبي موسى في إبريل عام 1920 مروراً بأحداث البراق في أغسطس 1929، وأحداث الثورة الفلسطينية منذ عام 1936 وحتى عام 1939، حتى صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر عام 1947 لتزيد القوات الإسرائيلية من أعمال العنف ضد العرب. فقد تسابقت المنظمات الإرهابية الصهيونية في فلسطين في إحداث حالة من الفزع بين أوساط الجانب العربي وخاصة في قطاع الريف الفلسطيني وسببت نزوحاً محدوداً داخل فلسطين بعيداً عن المناطق القريبة من المستعمرات اليهودية، في إطار خطة مدروسة لتنفيذ عملية الطرد خارج فلسطين.. ووضعت إسرائيل الخطط العسكرية لتنفيذ ما أسموه بضرورة التغيير الديموغرافي الذي بدونه لن تتحقق الأهداف الصهيونية، وإحداث أكبر أثر من الترويع والفزع النفسي في نفوس العرب حتى يغادروا فلسطين ويحدث الهدف المنشود، وجاءت أحداث ما عرف بمذبحة «دير ياسين» في هذا الإطار حيث جاء اقتحام القرية العربية وما صاحبه من أعمال للقتل والتدمير، واعتبرتها إسرائيل نقطة التحول الكبرى في الحرب لصالحها لما بثته من ذعر في نفوس العرب وأدت بهم إلى ترك قراهم. وتطرق المحاضر بعد ذلك لموضوع إرهاب الدولة، وقال إنه بإنشاء إسرائيل زاد معدل الإرهاب وأصبح له برنامج محدد في استراتيجية الدولة الجديدة ومخططاتها، وقد استغلت إسرائيل الوضع الضعيف الذي أفرزته اتفاقات الهدنة عام 1949 وحتى من قبل الإقرار بهذه الاتفاقات، فقد سارعت في عام 1948 إلى ضم النقب الجنوبي أثناء مفاوضات الهدنة وطرد سكانه العرب وممارسة أقسى صنوف التعنت تجاههم، كما أخذت القيادة الإسرائيلية في ممارسة ما أسمته بسياسة الانتقام ضد الدول العربية والتي أصبحت جزءاً من استراتيجيتها واعتبرت ذلك تطوراً يؤدي إلى قبول العرب ـ وخاصة دول الجوار ـ بالسلام من المنظور الإسرائيلي وعلى هذا فقد تعددت هجماتها ضد دول الجوار «الطوق». وإن التتبع التاريخي والتحليل لمواقف إسرائيل الإرهابية ليطول، فهناك مذبحة شرفات القرية الأردنية في فبراير 1951 وقتل عشرة أشخاص معظمهم من الأطفال والنساء، ومذبحة «بيت جالا» ومذبحة «قبية» التي استهل بها ارئييل شارون عملياته الإرهابية عام 1953 وقتل 69 عربياً نصفهم من النساء والأطفال ومذبحة غرندل، ومذبحة جوسان ومذبحة قلقيلية ومذبحة كفر قاسم، ونصل إلى صبرا وشاتيلا وقانا في مارس 1996، فصبرا وشاتيلا جاءت في صيف 1982، ورغم أن التلفزيون الأمريكي أذاع في الثامن في إبريل عام 1982 تقريراً كاملاً عن الغزو ومراحله وأهدافه، إلا أن ذلك لم يستلفت نظر العرب أو اللبنانيين. وتوضح الشهادات الإسرائيلية كيف لعب شارون دوره في مذبحة صبرا وشاتيلا بالإصرار أولاً على سحب القوات المتعددة الجنسيات من بيروت الغربية قبل الانتهاء من أداء مهمتها، ثم التحريض الذي مارسه مع القوات اللبنانية الكتائبية وتسليحها للقيام بالانتقام لمصرع زعيمها "بشير الجميل" الرئيس اللبناني المنتخب وإحكام السيطرة الإسرائيلية على مداخل ومخارج معسكر صبرا وشاتيلا والفكهاني في بيروت الغربية، ودخول أفراد الجيش الإسرائيلي مرتدين زيّ الكتائبيين لارتكاب المذابح بأوامر مباشرة من شارون وقيادته في 16 سبتمبر 1982 والنيران المساعدة التي أطلقتها القوات الإسرائيلية. والمدقق سوف يلاحظ تشابها كبيرا بين ما حدث في دير ياسين عام 1948 وبين ما حدث في صبرا وشاتيلا عام 1982 فبيجين كان زعيم الأرجان الحليف الرئيس الذي هاجم دير ياسين ومعه اسحق شامير زعيم ليحى، وبيجين هو رئيس الوزراء الإسرائيلي في أحداث صبرا وشاتيلا ومعه شارون. وعن انتفاضة الأقصى وممارسات العنف الصهيوني ضدّها، قال إن المذابح والعنف والإرهاب أساليب أجادتها وتجيدها القوات الإسرائيلية.. ولقد نجحت إسرائيل إلى حد بعيد في تشويه صورة انتفاضة الأقصى وخاصة في الغرب، فالانتفاضة الأولى فاجأت الأوساط الإسرائيلية على كافة مستوياتها العسكرية والسياسية ولم تكن قد أعدت المخططات لمواجهتها، ولعدم توقعها الصمود الذي واجه به الفلسطينيون سياسات العنف الإسرائيلي والإرهاب غير المبرر وصنوف الإرهاب التي كان يقوم فيها الجنود الإسرائيليون بتكسير عظام الفلسطينيين بوحشية منقطعة النظير، واستنكرتها كثير من قوى العالم واعتبرتها عنفا إسرائيلياً غير مبرر.. أما اليوم فقد نجحت إسرائيل إلى حدّ كبير في تصوير أيّ غضب فلسطيني على السياسات الإسرائيلية على أنه إرهاب فلسطيني لا بدّ من مواجهته.. وأوضح أنه إذا تمعّنا فيما يحدث اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سوف نلاحظ أن إسرائيل تتباكى أمام العالم أجمع، مستفيدة من أحداث انتفاضة الثمانينات من القرن الماضي، نحو تسويق حرب الإبادة والعنصرية التي تديريها في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها تدافع عن نفسها من هجمات فلسطينية شرسة تطاول اليهود في إسرائيل، ولهذا فإنها تواجه الفلسطينيين بالسلاح دفاعاً عن النفس. وإن المنطق المسموح لآلة الدعاية الإسرائيلية يساوي بين الحجر والدبابة، وبين الطفل والشاب الذي يلقي بالحجر وبين هذا الجندي الإسرائيلي المتحصن خلف دروع متحركة.. إسرائيل التي تستخدم أحدث الأسلحة من الترسانة الأمريكية تساوي بين الأباتشي وطلقة من بندقية وهي أقصى ما يملكه الفلسطينيون من سلاح. وتستخدم طائرات "ف ـ 16" وكأنها تجرب جيشاً منيعاً عليها.. إسرائيل التي تردع المنطقة كلها بتلويحها بامتلاك السلاح النووي، الخيار محتمل الاستخدام في حالة ما تسميه تعرض أمنها للخطر. وخلص المحاضر إلى أن إسرائيل لم تدخر وسعاً في إفهام الغرب مدى أهميتها بالنسبة له إقليمياً واستراتيجياً، وهي تعتبر نفسها الضمانة للمعسكر الغربي لتحقيق أهدافه في المنطقة وأنها الصديق الأوفى له، وعلى هذا فإن على الغرب أن يغض الطرف عن إرهاب الدولة الذي تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في وطنهم. ولقد نجحت إسرائيل بعنصريتها أن تصور حربها اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل على أنها حرب حياة وبقاء، وأن ما تمارسه من قتل متعمد ضد القيادات والشخصيات الفلسطينية إنما هو دفاع عن النفس وليس إرهاباً، وأن المقاومة التي يبديها الفلسطينيون إنما هي إرهاب تشجعه السلطة الفلسطينية وقياداتها، لقد انعكست الآية وأصبح الجاني هو الضحية. وأكد أن العنف الصهيوني هو المسئول الأول عن التوتر الحادث في المنطقة وأنه يأتي في سياق إيمان كامل من القيادات الإسرائيلية بممارسة الإرهاب لتحقيق الأهداف، رغم أن العنف وغطرسة القوة لم تنجح في تحقيق السلام المرجو. وانتقد الدكتور عبد الظاهر استخدام الإعلام العربي نفس العبارات التي يستخدمها الإعلام الصهيوني والغربي، من حيث المطالبة بوقف العنف المتبادل، مستغرباً الحديث عن وجود تكافؤ ومساواة حتى نتحدث عن المبادلة في العنف.. وطالب بضرورة التفرقة بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال، لأن اختلاط المفاهيم هي السياسة الإسرائيلية الناجحة في هذا المجال. كما أكد أن جميع الكتاب الإسرائيليين، حتى الذين ينتقدون العنف ضدّ الفلسطينيين، هم عنصريين، عند دخولهم في صلب المواضيع، وأن المذابح التي ارتكبت بحق اليهود في الماضي هي مذابح قد ارتكبها اليهود أنفسهم. وكان المحاضر قد أشاد، في بداية محاضرته، بدور مركز زايد للتنسيق والمتابعة في خدمة القضايا العربية والدفاع عنها، والمسئولية الكبيرة التي يضطلع بها في هذا الإطار، وإعداده للعديد من الدراسات وتنظيمه للمحاضرات السياسية والفكرية المختصّة التي تكشف الزيف والإرهاب الصهيونيين. ابوظبي ـ مكتب «البيان»:
اكاديمي عربي تتبع تاريخ الارهاب الصهيوني في محاضرة بمركز زايد: العنف والارهاب عقيدة راسخة في الفكر الصهيوني
