قال الدكتور محمد احمد صالح حسين استاذ اللغات الشرقية بكلية الآداب جامعة القاهرة في محاضرة له نظمها امس مركز زايد للتنسيق والمتابعة بعنوان «صناعة الهولوكوست.. بين العنصرية النازية والعنصرية الاسرائيلية»، ان الصهيونية تنظم، وآلتها الاعلامية، حملة منظمة طويلة المدى تهدف الى ترسيخ فكرة «اضطهاد اليهود» اولا، ثم الحضور الدائم لهذه الفكرة ثانيا، هو ما يسمى بصناعة «الهولوكوست» التي تقف وراءها جهود ضخمة ومؤسسات عديدة وأموال هائلة تضع لنفسها اهدافا عدة، وموظفة في ذلك عدة ادوات تحقق لها ما تريد. واوضح المحاضر اهداف صناعة الهولوكوست، فقال ان القائمين على صناعة الهولوكوست قد وضعوا العديد من الأهداف التي يجب، بل ويتحتم ان تتحقق من هذه الصناعة بما يتفق والجهود الجبارة التي تبذل والاموال الطائلة التي تنفق، فعلى مستوى دول العالم يصبح الهدف هو غرس عقدة الاحساس بالذنب لدى دول العالم اجمع. وعلى مستوى يهود العالم تستهدف صناعة الهولوكوست دفع يهود العالم الى الهجرة الى اسرائيل، وزرع الكراهية تجاه الاغيار، وان يشكل هؤلاء اليهود الموجودون في العالم جماعات ضغط تعمل لصالح اسرائيل. وعلى مستوى اسرائيل تستهدف صناعة الهولوكوست الحصول على تعويضات مادية تمول عمليات الاستيطان اليهودي والعمليات العسكرية ضد العرب والفلسطينيين، وزرع الاحساس بالخوف لدى الاسرائيليين، والتغطية على المذابح واشكال الابادة التي يرتكبها الاسرائيليون ضد الفلسطينيين. وعن ادوات صناعة الهولوكوست، اوضح ان القائمين على صناعة الهولوكوست لجأوا الى العديد من الادوات والوسائل التي من شأنها العمل على حفر وترسيخ هذا الحدث في الذاكرة الجماعية مع استمرار تواجده في ذهن الفرد سواء كان يهوديا او غير يهودي. ومن هذه الوسائل فرض معنى صهيوني على الهولوكوست لتصبح جريمة العصر التي ارتكبها النازيون والاغيار ضد اليهودي فقط ليحتكر اليهود فقط دور الضحية، وتسطيح موضوع الهولوكوست واختزاله، واعطاء مكانة محورية للهولوكوست في تاريخ اليهود الحديث، والتعامل معها بمفردات تراثية يهودية، واعطائها مكانة محورية في تاريخ اوروبا وتاريخ العالم، وتحويلها الى احدى مسلمات الغرب، والحث على سن قوانين تحظر الشك او المعارضة في احداثها، ونحت مصطلحات وترسيخ مفاهيم تتفق والرؤية الصهيونية وانتاج عشرات الاعمال الادبية والفنية والبحثية التي تعالج الهولوكوست، ومباركة الاعمال الادبية والفنية التي تعالجها، وملاحقة الباحثين والساسة الذين يعارضون او يشككون فيها وفي وقائعها، والمبالغة في الاحداث والتهويل فيها واختلاق الوقائع، وتخليد ذكرى ضحاياها والاحتفاء بالناجين منهم. واكد المحاضر ان اسرائيل تطبق مبدأ الابادة خلال انتفاضة الاقصى المباركة، حيث يتعرض الشعب الفلسطيني لهولوكوست اشد قسوة مما حدث لليهود، فإسرائيل كدولة لها جيش مسلح بأحدث الاسلحة تحاول القضاء على الشعب الفلسطيني وابادته، بحيث لا يبدو اختلاف كبير بين العنصرية النازية في علاقاتها باليهودي والعنصرية الاسرائيلية في علاقتها بالعربي الفلسطيني. ويتلاشى الاختلاف وتضيع ملامحه اذا وضعنا في الحسبان ان الممارسات العنصرية تقاس بمعطيات العصر ومفاهيمه، فالابادة بمفاهيم العصر الحالي لا تقف عند حد التصفية الجسدية بل تنسحب ايضا على عمليات التهجير والتسخير والقمع والاستغلال.. اسرائيل تستخدم احدث ما في ترسانتها العسكرية من طائرات ودبابات وصواريخ وقنابل ضد سكان عزل من السلاح، ويتأتى هذا نتيجة التشابه بين الفكر الاسرائيلي العنصري في الفكر والتطبيق مع الفكر النازي العنصري، وقال انه.. من السهولة بمكان ان نضع ايدينا على عدد من اوجه الاتفاق بين الممارسات النازية والممارسات الاسرائيلية، وذلك في ضوء الاهانات العنصرية والاشارات التي لا تخفي تعبيراتها الكراهية للشعوب الاخرى من قادة اسرائيل ومسئوليها وبعض مرجعياتها الدينية.. ولقد تزايدت حدة الممارسات الاسرائيلية خلال انتفاضة الاقصى لتصل الى حد ابادة الشعب الفلسطيني، فالفلسطينيون يتعرضون الى عمليات قتل يومي، الى جانب الحصار العسكري الذي تفرضه القوات الاسرائيلية على التجمعات السكانية الفلسطينية لتتحول حياة المدنيين الى جحيم، وعمليات القصف الوحشي الذي تتعرض له الاحياء السكنية بما تخلفه من ازهاق لارواح الابرياء وتدمير ممتلكاتهم، والجنازات التي اصبحت عادة فلسطينية يومية، وهكذا صار الذين يقولون انهم كانوا ضحية النازية بالامس وجلدوا واضطهدوا على ايديها، صاروا في ممارساتهم اليومية والعملية ضد الفلسطينيين في الاراضي المحتلة، لا يختلفون عن اولئك الذين جلدوهم بالامس بحيث صار الذي جلد بالامس هو نفسه جلاد اليوم، بل اكثر شراسة وعنفا ولا انسانية من جلاديه، بل اضاف الى اساليب الجلد والاضطهاد اساليب لم تكن معروفة لجلادي الامس. وفيما يتعلق بنتائج مؤتمر دوربان لمكافحة العنصرية، والذي انتهت اعماله مؤخرا في جنوب افريقيا، قال ان هذا المؤتمر جاء في جزء منه ليشكل ما يشبه المحاكمة لاسرائيل وعنصريتها التي فاقت في مظاهرها العنصرية النازية. فقد ادان منتدى المنظمات غير الحكومية الصهيونية بوصفها مساوية للعنصرية. كما ادانت هذه المنظمات اسرائيل بوصفها دولة عنصرية، واتهمتها في بيانها الختامي بالاعداد بشكل منظم لجرائم عنصرية، من بينها جرائم حرب وعمليات ابادة جماعية وتطهير عرقي. وطالبت بفرض عقوبات صارمة ضد اسرائيل، كما طالبت كذلك بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، الى حين تحريره من الاحتلال الاستعماري العنصري، كا دعا الى تشكيل محكمة خاصة لمجرمي الحرب الاسرائيليين.. فذكر بذلك بقرار الأمم المتحدة الذي ساوى بين العنصرية والصهيونية الصادر في 21/11/1975م والملغى في عام 1992م. ومع صدور بيان المنظمات غير الحكومية اخذت اسرائيل وقيادتها السياسية واجهزتها الاعلامية تتهم هذا المنتدى بالمعاداة للسامية، رغم نجاحها في عدم اصدار ادانة واضحة وصريحة لها ولعنصريتها في البيان الختامي للمؤتمر. وما حدث هو نتيجة للنظام العالمي الجديد، والضغوط الامريكية والأوروبية ادت لعدم ادانة اسرائيل، وقد عبر عن ذلك بشكل واضح وزير الخارجية الاسرائيلي بيريز. واضاف.. وهنا يجب ان نؤكد على عدة نقاط تتصل بعلاقاتنا كعرب بالهولوكوست من ناحية والابادة الاسرائيلية للفلسطينيين من ناحية اخرى، فنحن كعرب، مسلمين ومسيحيين ويهود ـ ندين ما حدث لليهود في اوروبا. فالقيم الاخلاقية الدينية (الاسلامية والمسيحية واليهودية) لا تسمح بقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. كما ان الابادة النازية لليهود ليست جزءا من التاريخ العربي او تواريخ المسلمين، ولم يلوث العرب والمسلمون ايديهم بدماء ضحايا النازية من يهود او سلاف او غجر. ومن هنا لا يجب على الغرب ان يكفر عن جريمة ارتكبها في اوروبا بجريمة اخرى لا تقل بشاعة في وطننا العربي، فالعرب يؤيدون عدم تكرار ما حدث لليهود، ولكن هل يتركونه يحدث للفلسطينيين على يد فئة من اليهود؟!. وحول اتهام بعض المسرحيات الاسرائيلية لليهود بالتواطؤ مع النازية لارتكاب جرائم الهولوكوست، قال ان قادة الصهاينة انفسهم قد تعاونوا مع النازيين، فعقدوا معهم اتفاقية «ترانسفير» التي قضت بتضييق الخناق على اليهود في المانيا ودفعهم للهجرة، وكان بن جوريون من اوائل من طرح هذه الفكرة، وهناك اتهامات في هذا المجال من اليهود الذين ولدوا في فلسطين المحتلة لليهود الذين ولدوا في المانيا، ولكن تم انتهاج اسلوب بدء صفحة جديدة ونسيان الماضي، وهذا لا يعبر عن رؤية تقدمية. وعن كيفية تعامل العرب مع مسرح الهولوكوست، قال ان الادب العبري مازال يدرس في بعض الجامعات المصرية في حدود ضيقة، وللمسرح الاسرائيلي خصوصية في التعامل مع الهولوكوست، إن ما يعنينا ان بعض الكتاب الاسرائيليين يتعاملون معه كظاهرة مماثلة لما يحدث للعرب اليوم. وطالب المحاضر بأن تحظى القضية الفلسطينية بالاهتمام الكافي في وسائل الاعلام العربية، وفي الادب العربي، وفي السينما والمسرح، بينما تسعى وسائل الإعلام الامريكية وفي مقدمتها الافلام السينمائية لطمس الحقائق وتشويه صورة العرب لدى الرأي العام الغربي والأمريكي بشكل خاص. واكد ان لدى العرب الامكانات الكافية لتكوين مسرح هولوكوست عربي، لكننا نفتقد لاستراتيجية عربية واضحة. وعن مدى تدخل الحكومة الاسرائيلية في الاعلام الاسرائيلي والرقابة على ما يعرض في التلفزيون والمسرح والصحف، اوضح ان هناك ضغوطا لا يمكن تجاوزها، ورغم سماح القانون الاسرائيلي بعرض بعض الافلام والمسرحيات التي لا تعبر عن الآراء الصهيونية، ال ان تلك الافلام والمسرحيات لا تجد من يتكفل بعرضها، خاصة تلك التي تكشف عن الوجه الحقيقي للتعامل الإسرائيلي مع القضية العربية، ما حدث لمسرحية «ملكة الحمام» التي تقدم جولدا مائير وهي تستأجر شقة لأحد الفلسطينيين، وحين عودة صاحب الشقة الفلسطيني ترفض جولدا مائير ان يستعمل حمام الشقة. واوضح المحاضر ان مسرح الهولوكوست يخاطب المشاهد الاسرائيلي وقد تشبع بفكرة الهولوكوست، فهم ليسوا فقط مقتنعين بما حدث لليهود، بل هم متأكدون، بالرغم من ان بعض الباحثين الاسرائيليين يشككون بما حدث. وعن كيفية استقطاب كتاب عالميين للحديث عن الهولوكوست العربي، ونجاح اسرائيل في تجنيد العديد من وسائل الاعلام الغربية والكتاب العالميين لعرض قضية الهولوكوست، قال ان موضوع الهولوكوست اصبح لدى الانسان في الغرب من المسلمات غير القابلة للتشكيك نهائيا، ومن يشكك به كمن ينفي عنه صفة الانسانية. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: