رغم كثرة الحديث عن هذا الموضوع لدرجة كادت تبعث على الملل الا انه موضوع لايكاد ملفه يغلق حتى يفتح ثانية، ما يثير القلق بسبب البيانات والتقديرات الدولية والمحلية التي تشير الى تزايد اعداد المدخنين واتساع نطاق الكشف عن اضراره، وآخر هذه البيانات تلك التي نشرناها امس حول دراسة خليجية تشير الى ان نحو 442 ألفا من جملة السكان بالدولة مدخنون وان معدل التدخين بلغ اكثر من 12 ألف سيجارة لكل مدخن في العام ينفقون عليها اكثر من 357 مليون دولار في العام فكيف السبيل الى الحد ان لم نقل القضاء على التدخين؟ وما هي الجهود المطلوب بذلها لتحقيق ذلك؟ هذا ما نحاول مناقشته من خلال فتح ملف التدخين مرة اخرى والذي ينبغي الا يغلق قبل ان نلمس نتائج متحققة على ارض الواقع. فرغم ما يسببه من ألم وما يحصده من ارواح يظل التدخين شوكة حادة في ظهر المجتمع بصفة عامة والمدخنين بصفة خاصة فآفة التدخين تعتبر من اخطر الآفات التي تواجه الانسان وفي هذا الصدد قد تجدر الاشارة الى ما ذكره تقرير منظمة الصحة العالمية من ان هذه الآفة تحصد أرواح اربعة ملايين من البشر سنويا على مستوى العالم اي انها تنافس بل تفوق اكثر الامراض والحوادث انتشارا وخطورة في حصد ارواح البشر وتكمن المشكلة في خطر آفة التدخين من ان الانسان هو الذي يسعى اليها وربما قد يكون غير مدرك لما تسببه له في البداية من اثار وألم وقد يكون في ذلك مقلدا للآخرين خاصة بالنسبة لصغار السن وايا كان السبب في ذلك فان النتيجة مهلكة ومؤلمة. وفي نفس الوقت لاتتوانى شركات التبغ عن تقديم المزيد والجديد من انتاجها متخذة في ذلك كل الاساليب والوسائل الدعائية لترويج منتجاتها حيث بلغت مبيعات شركات التبغ 300 مليار دولار كما اشار تقرير منظمة الصحة الى ان هناك 500 مليون شخص معرضون للموت في المستقبل بسبب افة التدخين. ورغم كل ما سبق فان التدخين يحظى بتشجيع العديد من الجهات وعلى رأسها شركات الاعلان وخاصة تلك الشركات التي تمثل اعلانات التبغ احد اعمدة العمل الرئيسية لها ولايتوقف الامر عند ذلك الحد فهناك العديد من الدول التي تتخذ من الرسوم التي تفرض على السجائر مصدرا هاما من مصادر الدخل القومي لها. وتتغافل هذه الجهات التي تصنع وتروج هذا المنتج من ان صحة الانسان وحياته اغلى من اي شيء كان غير انه ازاء خطورة هذا الامر فقد لجأت وزارة الاعلام الى وقف قرار حظر اعلانات السجائر بوسائل الاعلام المختلفة وبالاماكن العامة في الوقت الذي كنا ننتظر فيه المزيد من تشديد الاجراءات على المستوردين والمدخنين للحد من هذا الداء، فأين الخلل.. وسبل العلاج بالضبط؟! الخوف على الابناء يقول محمد عبدالرحمن موظف رغم انني ادخن السجائر الا انني احرص كل الحرص على الا يرث ابنائي هذه العادة السيئة الخطيرة صحيا بل ان القرارات الصادرة بمنع التدخين في بعض الجهات الحكومية تعتبر خطوة ممتازة لجعل الانسان يحد من التدخين فهي تجبر الانسان لمدة طويلة على الامتناع عن التدخين فبالرغم من اننا كمدخنين نكون في حالة ضيق وضجر في حالة صدور مثل هذا القرار وخاصة انني اعمل بدائرة حكومية صدر قرار بمنع التدخين بها الا ان الانسان سرعان ما يتعود ويعرف جيدا ان في هذا القرار فائدة كبرى له وللآخرين وينتقد حملات الاعلان عن السجائر قائلا انها تسبب مشكلة كبرى خاصة لابنائنا الذين يسعون الى التقليد فرغم وجود السجائر في السوق الا انها قد تكون غائبة عن ذهن الانسان الذي لايدخن ويشتريها فقط المدخن الا ان الاعلان عنها وبطريقة مثيرة يلفت انتباه الشباب وصغار السن وللاسف تبدع الشركات في طرق الاعلان لجذب الجمهور اليها وتلح عليه في ضرورة اقتناء مثل هذه الاشياء وبالتالي يقوم الشباب بتقليد مثل هذه الاعلانات. الاعلان حافز على التدخين وتقول نسرين محمد منصور موظفة انني اتمنى من كل قلبي ان يأتي يوم وتحرم فيه مثل هذه الامور نهائيا وخاصة على التلاميذ بالمدارس والطلاب بالجامعات لان الطفل الذي يشب على هذه العادة يكون من الصعب عليه التخلص منها في الكبر فهي تتحول معه الى ادمان يجد نفسه واقعا تحته لا مفر منه وهذا ما يحدث معي فقد بدأت بشكل بسيط من خلال احدى الجلسات مع الصديقات ومع بعض المشاكل والمضايقات اصبحت لا اجد الا السيجارة لكي افرج بها عن نفسي ومع الوقت اصبحت لا استطيع الاستغناء عنها. جاسم درويش يقول: ان سبب بلاء التدخين هو شلة السوء منذ البداية وخاصة عندما كنا تلاميذ بالمدرسة فكان البعض منا يدخن ويتباهى ويفتخر بذلك وبما اننا كنا غير مدركين لابعاد التدخين فقمنا بمحاولة تقليده على اعتبار اننا اقل منه في الرجولة اذا لم ندخن وبالفعل بدأنا نتسابق في التدخين ونبدع في ذلك وكأننا نتسابق للفوز بالميدالية الذهبية وللاسف الشديد لم نشعر بالمعاناة الا بعدما تقدم بنا السن فأصبح التدخين عادة ملازمة لنا من الصعب الابتعاد عنها ولكن قبل ان القى باللوم على نفسي فانني القى باللوم على الاسرة والمدرسة والمجتمع بأسره فاذا قامت الاسرة بالرقابة على التلاميذ منذ البداية وتوجيههم التوجيه الصحيح وقامت المدرسة بدورها في ارشاد الطلاب وتوعيتهم بأضرار التدخين وقامت مؤسسات المجتمع بدورها ايضا في تثقيف الناس والتوعية بكيفية استغلال وقت الفراغ وخاصة ان كل المشاكل تأتي من ان هؤلاء التلاميذ لديهم وقت فراغ ويتوفر معهم المال فتكون العاقبة وخيمة اذا غابت الرقابة وتلاشى الوعي والتوجيه. ومن بين مهام المجتمع يأتي موضوع الاعلان عن السجائر فمن الواجب ان يكون هناك حظر كلي على الاعلان عن هذه المنتجات لان الاعلان احد الطرق المؤدية الى زيادة الاقبال عليها واقناع التلاميذ وصغار السن بضرورة القيام بتجربتها لذلك فان السماح لهذه الشركات بالعودة الى الاعلان له تأثير سلبي على افراد المجتمع بصفة عامة وصغار السن بصفة خاصة. زيادة المبيعات اذا كان الجمهور قد اعلن عن رفضه قرار اعادة السماح لشركات التبغ بالاعلان عن منتجاتها فان مراكز المدخنين وجدت في هذا القرار مبتغاها وفرصة لزيادة مبيعاتها حيث يقول حارس رافي مدير احد مراكز التدخين بأن الاعلان فرصة رائعة لتنشيط المبيعات وخاصة الجديد من المنتجات التي لا يعرفها عدد كبير من الناس فبالرغم من حجم المبيعات الجيد الذي نتمتع به الا ان الغالبية العظمى من المبيعات كانت متركزة في أنواع معينة من الادخنة مثل المعسل بكافة انواعه والشيشة ومستلزماتها الا ان الاعلان سيزيد من مبيعات السجائر بصفة اساسية وخاصة من خلال الحملات الجذابة التي تقوم بها شركات التبغ الكبرى أما عن الحفاظ على سلامة وصحة الناس فيقول اننا نعمل بشكل قانوني وفي ظل قانون يخولنا بيع مثل هذه المنتجات لذلك ينحصر هدفنا الاول في زيادة المبيعات من خلال استيراد أفضل المنتجات وتقديم الخدمة الممتازة لعملائنا. وبالنسبة لرأي الأمهات حول هذا الموضوع تقول ميثاء حسن ـ ربة منزل ـ ولديها ثلاثة اولاد ان اعلانات السجائر قد يكون لها ردود فعل سلبية في محيط الاسرة، وبخاصة ان الأم تحاول ان تغرس الاخلاقيات الحسنة والابتعاد عن مثل هذه الامور التي تضر بصحة الانسان، كما قد تصبح عادة سلبية في حياته، فالطفل دائما ينقاد الى تقليد الاخرين، فماذا اذا حوصر في دائرة هذه الاعلانات، لابد انه سيسعى الى تجربتها ولذا نتمنى من المسئولين المعنيين اعادة النظر في هذا الامر. وتضيف ام سالم ـ متزوجة ولديها 5 اطفال ان الاطفال المراهقين يكونون في هذه المرحلة محبين للتقليد، وبخاصة لكل ما يعرض في التلفزيون وكذلك محاكاة ما يقوم به الاخرون، وبالاخص عندما يتم عرض الامر على انه دليل على الرجولة. وتشير عذيجة محمد ـ ربة منزل ولديها طفلان ـ اننا نحاول بقدر المستطاع وسط نبضات هذا العصر المتسارعة، والتي بدأت تحاصر الشباب ان نحارب بعض الامور السيئة ومنها عادة التدخين، ونحاول ان نغرس في نفوس اطفالنا، بأن هذه العادة سيئة ولكن تبقى التأثيرات الخارجية في أحيان كثيرة أقوى، لذا يجب ان تتضافر جهود القائمين في جميع الجهات المعنية بالاهتمام بالشباب لدرء هذا الخطر، لأن يدا واحدة لن تصفق. حقائق وارقام يعتبر قرار رفع الحظر عن اعلانات السجائر أحد أهم الامنيات التي كانت تسعى اليها شركات الاعلان فبمجرد صدور الاعلان التقطت هذه الشركات انفاسها بعد ان اصبح حلمها حقيقة تجني من ورائه ملايين الدولارات وخاصة بالنسبة للشركات التي كانت تشكل اعلانات السجائر بالنسبة لها احد الروافد الهامة ان لم يكن العميل الرئيسي لديها، حيث يقول سامي المنيسي المدير التنفيذي لاحدى الشركات الاعلانية ان هذا القرار يعتبر بمثابة عودة الروح الى عدد كبير من الشركات الاعلانية وخاصة اذا تم مقارنة الارقام التي تصرفها شركات التبغ على الاعلانات مع غيرها من الشركات الاخرى فان اعلانات التبغ تمثل نسبة كبيرة في عالم الاعلان تعتبر من اعلى النسب ان لم تكن الاولى. وبالرغم من الاضرار الصحية التي يسببها التدخين فان الشخص المدخن غالبا بل يعتبر كل المدخنين من الاشخاص البالغين للسن التي يستطيع من خلالها ان يقرر ما يحتاج اليه اي ان الشخص هو الذي يلجأ الى الشراء وهو بكامل العقل وبمحض ارادته وقوة تفكيره ولكن الاعلان يعمل على ابراز هذه المنتجات امامه ويخلق التنافس بين الشركات المنتجة للتبغ كما ان كل اعلان يحمل تحذيرا مثلما تحمل كل علبة سجائر تحذيرا من الامراض التي يسببها التدخين اما عن تأثير الاعلان على صغار السن فهنا تظهر الحاجة الى دور الاسرة في الرقابة مثل الاعلان عن أي منتج آخر لا ترغب الاسرة ان يراه او يحصل عليه الاطفال ولكنني اؤكد ان الاعلان عن السجائر موجه الى فئة معينة من الناس وهي فئة المدخنين في المقام الأول. ويستطرد المنيسي قائلا ان اعلانات شركات التبغ تمثل نسبة هامة من حجم الاعلان بالنسبة للصحف اليومية والمجلات تصل لدى بعض الصحف والمجلات الى اكثر من 3 في المئة في نفس الوقت يحصد قطاع الاعلان ما يربو على 300 مليون دولار سنويا فهناك الكثير من شركات التبغ تحرص على رعاية احداث هامة وكبيرة بالاضافة الى المشاركة في الانشطة الاخرى على مدار العام وبذلك فان هذا القرار يعتبر خطوة هامة بالنسبة لشركات الاعلان وخاصة ان الدراسات اكدت انه ليس هناك ترابط بين بدء الشخص للتدخين والاعلان كما ان هناك مؤسسات اجتماعية كثيرة تحتاج الى دعم ورعاية وفي هذا السياق تبرز اهمية الاعلان ودعم هذه الشركات في النمو الاجتماعي. وحيث ان الاخصائي اكثر ارتباطا بالمجتمع والتأثيرات التي تطرأ عليه استطلعنا رأي الاخصائي الاجتماعي بثانوية الامام مالك للبنين بدبي يوسف محمود السيد الذي قال: يعتقد الشباب ان التدخين عامل اساسي في اثبات الرجولة أو تأكيد الذات، فالعملية تبدأ من الرؤية ثم التقليد ثم الخبرة والابداع في كيفية التدخين، فالشباب يرى ما يفعله الكبار ثم يبدأ بتقليد سلوكهم، ولعل اجهزة الاعلام المسموعة والمرئية المقروءة من تلفزيون وصحف ومجلات تلعب دورا اساسيا في تدعيم تلك القيم غير المرغوبة، مما يحملنا نحن كأخصائيين اجتماعيين وتربويين مسئوليات جسيمة في علاجها او محو اثارها، ولا شك ان اعلانات السجائر في وسائل الاعلام لها تأثير سلبي على الطلاب خصوصا حين تزين الاعلانات لهؤلاء الشباب التدخين بصورة مغرية حيث يبدو الممثل في غاية الرجولة، وفي صورة ايجابية وفي اجواء دعائية فاتنة تفتن الشباب وتدفعهم الى الاقتداء بهؤلاء المدخنين ليصبحوا مثلهم في مظهر جذاب ومثير، ومعروف ان كثيرا من الشباب في هذه المرحلة يسرع الى الأخذ بظواهر الأمور دون التفكير في العواقب بسبب طبيعة الفترة التي يعيشها. ويؤكد على ضرورة العودة الى حظر اعلانات السجائر بما يحد من الضرر والتدمير للشباب مشيرا الى ان الاقبال على التدخين يحمل الافراد والدولة اضرارا اقتصادية هائلة وله تأثير سلبي على الاقتصاد القومي، فمثلا لو توقعنا ان هناك نصف مليون مدخن في الدولة فانهم يدخنون في اليوم الواحد بحوالي 2.500 مليون درهم اي حوالي 820 مليون درهم سنويا، واهم العوامل تأثيرا العامل الصحي، وما يترتب على التدخين من فناء واستهلاك لصحة الشباب وتدميرها، وهم عصب الامة ومن ثم زيادة الامراض، وكثرة المنصرف على العلاج، وكذلك سوء الخلق والمزاج لدى الشباب، وما يجره ذلك من ادمان لأنواع اخرى من المخدرات، وكذلك الطالب المدخن يعتبر قدوة سيئة لزملائه الذين يرون أفعاله ومن ثم يقلدونه و سيكونون دائما من الخارجين على النظام وعدم الاستقرار في المدرسة. وحول آراء الاطباء على هذا الموضوع، يقول الدكتور ميرزا علي الصايغ استشاري امراض باطنية وصدرية ورئيس شعبة الامراض الصدرية بجمعية الامارات الطبية ان حالة سوق التبغ الآن دلالة واضحة على عمق المشكلة وعلى ضرورة الحرب الشنيعة التي كشفت عن وجهها القبيح بين شركات التبغ العالمية، وبين العاملين في القطاع الصحي، فحينما تنفق هذه الشركات العالمية ملايين الدولارات على آلة الدعاية الفخمة التي توظفها للاعلان عن السجائر، وبالذات بين فئة الشباب والمراهقين، وفي نفس الوقت تقوم بعض الحكومات بغض الطرف عن عمل هذه الشركات، وذلك للضرائب الضخمة التي تحصل عليها من هذه الشركات، بالرغم من الزيادة المطردة في الضرائب على السجائر وعلى الاعلانات المختلفة، فان ذلك يشير الى مدى الخلل الذي يجب ان ننتبه لعلاجه. وقد وظفت وزارة الصحة كل جهودها في مجال مكافحة التدخين غير ان ضعف الامكانات المتاحة وعدم تفرغ العاملين في هذا المجال اعطى الفرصة لهذه الشركات للعب على المكشوف. واضاف يعتبر التدخين العامل الرئيسي للاصابة بأكثر الامراض خطورة على البشر وهي امراض القلب والرئتين والجلطة الدماغية وتصلب الأوعية الدموية والسرطانات المختلفة وأهمها سرطان الرئة الذي يفتك بالمريض في غضون 6 أشهر. تحقيق: علياء سعيد - رمضان العباسي