في اطار شمولية الدراسات وتنوعها ثقافيا وسياسيا والتي يصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة انسجاما مع اهدافه في خدمة الثقافة العربية والعالمية، اصدر المركز دراسة جديدة تحت عنوان «الشيشان» وهي تغطية لآفاق الصراعات الدائرة في منطقة القوقاز. وتناولت الدراسة تداعيات الصراع في الشيشان على مدى عشرة اعوام والآثار السلبية الناجمة عنها لا سيما معاناة شعبها وفقدان الامن واللجوء والتشدد، وتلقي هذه الدراسة الضوء على الخلفيات السياسية والاقتصادية التي ادت الى قيام الصراع في الشيشان والمتمثلة بخطوط نقل النفط الروسي عبر الشيشان وصراع المصالح الاستراتيجية العالمية في هذه المنطقة. وتأتي الحرب في الشيشان والصراعات في منطقة القوقاز عموما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفجر المنازعات بين الاقليات والقوميات المختلفة في مسعى نحو الاستقلال عن الدولة المركز، وتجدر الاشارة الى ان الاتجاهات الاسلامية كانت تقود حيثيات هذه الصراعات. وينطوي مضمون الدراسة الاشارة تفصيلا الى تفجر النزاع في طاجيكستان بين الحكومة وعناصر المقاومة الاسلامية عام 1992 والذي يعد اول افرازات حالة الفوضى التي سادت معظم الجمهوريات الاسلامية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. وهو بالوقت ذاته انعكست لإفرازات التنافس التركي الايراني على تقديم النموذج لهذه الجمهوريات، ووجود القبضة الروسية القوية على جمهورية طاجيكستان في الجانب الآخر، وقد ادى تطور الاحداث في طاجيكستان بفعل المقاومة المسلحة لفصائل المعارضة المدعومة من ايران وافغانستان الى مسارعة موسكو لتعزيز قواتها في طاجيكستان بموجب معاهدة الصداقة والتعاون الروسية ـ الطاجيكية عام 1993، الى جانب قيام اوزبكستان المجاورة والتي تمضى هي الاخرى المد الاسلامي في المنطقة بدعم ومساندة القوات الطاجيكية في تأمين الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان بالتعاون مع القوات الروسية، وفي ظل هذه الاجواء وجهت روسيا اتهامات الى ايران بإيواء فصائل المعارضة الطاجيكية وبين مسعى روسيا وأوزبكستان لإيجاد تسوية للصراع نشطت كل من ايران وافغانستان في دعم المعارضة الطاجيكية، واستمر الصراع المسلح ليمتد الى باقي جمهوريات المنطقة التي تمتلك ارضيات مشابهة ساعدت في تفجر الاوضاع. ولأغراض توافر خلفية فهم تأريخي وسياسي لطبيعة الصراعات في منطقة وسط آسيا والقوقاز، اشارت الدراسة الى ان اسباب هذه الصراعات تقبع وراء التقسيم الاداري الاعتباطي للحدود بين الجمهوريات على عهد ستالين وتعرض هذه الحدود الى التغيير اكثر من مرة في ظل سياسات التجزئة والتهجير العرقي التي اتبعها ستالين في اطار سياسة الدمج القومي والانصهار العرقي والديني، الى جانب ما خلفه تفكك الاتحاد السوفييتي وتفجر المشاعر القومية في وقت برزت فيه مباديء حقوق الانسان وحق تقرير المصير، فضلا عن الازمة الاقتصادية، فمثل كل ذلك ارضية مناسبة لبروز هذه الصراعات وتحولها الى حروب اهلية دموية عززتها الصراعات التاريخية في ظل غياب الهوية الوطنية، وتجدر الاشارة الى ان الواقع الاثني المعقد كان ولا يزال يلف مناطق الصراع في كل الجمهوريات والاقاليم في هذه المنطقة حيث ينتمي السكان الى 12 مجموعة اثنية وعرقية و400 قومية و167 ألف جماعة دينية يشكل المسلمون فيها 20% ويتكلمون 15 لغة تركية و10 لغات ايرانية اضافة الى الصينية والمنغولية والكورية والروسية وأشكال مهجنة من اللغة العربية فضلا عن الاصول الثقافية والحضارية المختلفة. وأوضحت الدراسة ان هناك اطرافا عديدة دخلت في معاملة الصراع الشيشاني الروسي، لا سيما الولايات المتحدة التي استثمرت هذه الحرب لتحقيق مصالح خاصة في العالم لا سيما مقايضة روسيا على بعض القضايا العالقة بينهما مقابل ان تغض الولايات المتحدة الطرف حول ما يجري في الشيشان من انتهاكات لحقوق الانسان الدولية. وخلصت الدراسة الى ان الامة الشيشانية احدثت شروخا عميقة في البناء الروسي خصوصا فشل روسيا في احتواء الصراع مع الشيشانيين بشكل حاسم فضلا عن الخسائر الفادحة التي منيت بها جراء هذه الحرب الامر الذي اضر كثيرا بسمعة العسكرية الروسية. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: