ترى الباحثة الاماراتية خديجة أحمد الشامسي أن التحول السريع الذي شهدته دولة الامارات العربية المتحدة منذ انشائها في أوائل السبعينيات من القرن العشرين قد أدى الى حدوث تغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية، كان لها تأثيرها على المجتمع الاماراتي من حيث اكتساب بعض القيم، وأن تنمية القيم الاخلاقية والجمالية وترسيخها في نفوس الطلاب من خلال مايقدم لهم من المناهج الدراسية احدى القضايا الملحة التي يجب دراستها. وفي مناقشة أطروحتها للماجستير بمعهد الدراسات والبحوث التربوية ـ جامعة القاهرة أكد المناقش الدكتور محمد عبدالعليم الأستاذ بالمعهد أن قضية القيم التي تتناولها الباحثة الاماراتية في رسالتها من أخطر القضايا التي نعيشها اليوم، وقد كان مجتمع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مجتمعا للقيم ـ وكانت أوامر أبي بكر الصديق لا تقتلوا طفلا أو امرأة أو شيخا ولا تقطعوا شجرة ـ فحين نجد في كتاب الحساب بالمدارس الاسرائيلية مسألة عن قتل 60 عربيا من مئة.. فكم يبقى؟ ـ هذه هي القيم التي يعلمها المجتمع الإسرائيلي، وهكذا قتلوا الطفل محمد الدرة وهو يحتمي في حضن أبيه، ومازالوا يقتلون الأطفال والنساء كل يوم.. قال الدكتور عبدالعليم نحن نعيش أزمة قيم في مجتمعنا الحديث. وفي تعرضها لنشأة القيم وتطورها في المجتمع الاماراتي، وواقع النسيج القيمي أوضحت الباحثة خديجة الشامسي أن القيم برزت من خلال التنشئة الدينية العقائدية والتراث الشعبي الاجتماعي، ومن خلال العالم الخارجي المحيط بالفرد والذي دعا الى التأمل والاستغراق في التراث بكل مايدور من حوله، وتجلى الابداع الفني الذي ارتبط بمحاكاة الطبيعة ـ ومن خلال الفنون التقليدية التي ساعدته على التذوق الجمالي والتي اعتبرت قديما نشاطا وسيليا. وأشارت الباحثة الى أهمية موقع دولة الامارات واطلالها على الخليج العربي في استقبال هجرات وثقافات وعمالة وافدة من المنطقة، والى تجارة اللؤلؤ قديما التي أوكلت الى أيدي العمالة الوافدة، ومن الفنون التقليدية أشارت الى فن الربابة ـ وهو آلة وترية تحمل معاناة ابن الصحراء ـ وهذا النمط من القيم القديمة قد تعرض للزوال ـ أما رقصة )الرزيف( فهي نمط قديم للقيم الجمالية الفنية وقد ابقت وان كانت قد تأثرت بالقيم الاقتصادية ـ وفي رقصة النعاشات كان الجميع يشارك في الأفراح لاستقبال القادمين من رحلة الغوص ـ وقد تحولت هذه القيمة من الغوص الى مجرد أفراح للزواج ـ واذا كانت صناعة السفن من الحرف القديمة، فقد أوكلت الى العمالة الوافدة وتخلت عنها العمالة المواطنة ـ فإن سباق الزوارق في مياه الخليج من القيم المستحدثة. أما رقصة (العيالة) والرقصات بالملابس التراثية، فقد تحولت هذه المشاركة الشعبية الى أفراح أعياد الاتحاد الاماراتي فقط أي للمناسبات الوطنية. قيم قديمة بقيت بنسبة ضئيلة وأوكلت الى العمالة الوافدة ـ الخيول العربية الأصيلة وهي قيم تفضيلية تأثرت بالقيم الاقتصادية المستجدة وزيادة الرفاهية ـ تقاليد عروس الامارات وزينتها الرائعة.. تأثر هذا النمط بالقيم الاقتصادية من أجل التباهي الاجتماعي. الحج الى بيت الله حيث تبقى القيم الدينية مع تغير وسائل المواصلات ـ وكذلك قيم المحبة والتآلف بين ابناء الامارات فهي قيم قديمة تأثرت بأنماط سلوكية بسبب عامل التغير الاجتماعي والتطورات الحديثة. من الفنون التقليدية يتبقى فن العيالة وذلك سعيا من الفرد الاماراتي للمحافظة على الموروث الشعبي. قدمت الباحثة كل هذه التقاليد والفنون من خلال صور ولوحات تشكيلية بالفيديو عرضت على شاشة جانبية جسدت ماتقول.. ومن أهمها صورة للامارات قديما عام 1956 ـ للبادية، وصورة الامارات أحدث عام 1971 يبدو الفارق بينهما شاسعا. أكدت الباحثة أن كل هذه الأنشطة والمظاهر السلوكية ماهي الا احساس بالقيم، فإن أي نشاط يصدر من الفرد يكشف عن الاتجاه الفكري السائد في المجتمع، وهو تعبير وجداني مرتبط بالقضايا العقلية والفلسفية والتأملية ويستخدم للانتاج الابداعي. وقد نبعت حاجة الإنسان الى ممارسة النشاط الجمالي من رغبة في معرفة ذاته أولا وتلبية حاجاته الروحية ثانيا ـ وارتبطت هذه الأنشطة بالسلوك والقيم الاخلاقية. لذلك فإن أي تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي يؤثر في القيم ليجعلها مواكبة للظروف الجديدة. وتوجز الباحثة العوامل التي ساعدت على تغير النسيج القيمي في مجتمع دولة الامارات وهذا جزء هام في رسالتها ـ الى التحضر السريع في زمن قصير، وأن دينامية التغير الاجتماعي لم تأت على وتيرة واحدة، والانتقال من المجتمع التقليدي والاتصال الجماهيري بوسائله العديدة، ثم دخول العولمة التي يسعى الى محاولة تنميط العالم وتقنين قيمه قسرا بغض النظر عن خصوصية القيم المحلية. ترصد الباحثة التغيرات المستحدثة على المجتمع الاماراتي بأن القيم الجماعية قد تحولت إلى قيم فردية استقلالية، وتحولت القيم الجماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد الى قيم خصوصية ـ كما تحولت قيم المسئولية الجماعية الى قيم ذاتية.. وتشير الى أن هذا هو أحد الأهداف التي تسعى اليها العولمة ـ بل إن النشاط الفني أوكل غالبا على العمالة الوافدة ـ وتنبه الباحثة الى خطورة أن أمور الأطفال لم تعد من شأن المرأة الاماراتية فقد أوكلت الى المربيات الخادمات الأجنبيات ـ وأن الفرد اغترب عن الترابط الأسري ـ وزادت قيم الاحتفالات الاجتماعية في الزواج بتكاليف باهظة من أجل التباهي بين أفراد المجتمع. هذه كلها مؤشرات خطيرة في المجتمع الاماراتي اليوم تنبه اليها الباحثة في سياق أطروحتها التي تناولت اساسا تحليل محتوى كتاب الفلسفة للصف الثالث الثانوي بدولة الامارات العربية المتحدة في ضوء القيم الاخلاقية والجمالية لمجتمع الامارات، والتي استعانت ـ في جانبها الميداني ـ باستطلاع رأي محكمين وموجهين ومعلمين في القيم الاخلاقية والجمالية المرغوبة لمجتمع الامارات. وكانت توصيات اطروحتها في النهاية تدعو الى تنمية القيم الاخلاقية والجمالية لدى الطلاب في اطار استراتيجية خاصة ـ ودعت الى تدريس التربية الاخلاقية وفق أهداف منهجية تتوافق مع متطلبات المجتمع الاماراتي. وقد أشرف على الأطروحة ورأس لجنة المناقشة الدكتور سعد دياب قنديل أستاذ غير متفرغ بمعهد الدراسات والبحوث التربوية جامعة القاهرة ومعه الدكتورة الهام فرج عبدالحميد الأستاذة بالمعهد، وشارك في المناقشة الدكتور محمود أبوزيد ابراهيم استاذ المناهج بكلية التربية بجامعة عين شمس والدكتور محمد عبدالعليم الأستاذ بمعهد الدراسات والبحوث التربوية، وقد منحت اللجنة الباحثة درجة الماجستير بامتياز. الباحثة الاماراتية خديجة الشامسي ـ حصلت على ليسانس في الفلسفة ـ في جامعة بيروت ـ ودبلومين خاصين في التربية من كلية التربية جامعة عين شمس ـ درست الفلسفة وعلم الاجتماع والمنطق بالثانوي. القاهرة ـ فوزي سليمان: