كان من الكماليات، وسرعان ما اصبح من الضروريات دخل حياتنا من باب العلم والتجربة وإذا بالنتيجة لصالحه، فازدادت شعبيته وتوسع انتشاره وصار ضرورة للكبار والصغار، وللعائلات والمؤسسات. وانتشر بسرعة فوقف النقاد حوله في حيرة من امرهم، وغاصوا في تحليل ابعاد انتشاره ودرس حسناته ومردوده المادي والمعنوي وانقسموا بين مؤيد ومعارض وكل فريق دعم موقفه بشروحات ومعادلات. انه الكمبيوتر، سلاح العصر ورائد القرن العشرين ونجم القرن الحادي والعشرين من دون منازع. هل الآلة قائمة؟: سؤال طرحته احدى الكاتبات حول هذا الموضوع لتحدد مدى العلاقة بين الاطفال والكمبيوتر، فجاءت الاجوبة متنوعة، ولكن مدهشة، لأن الاولاد استعملوا كلمات فلسفية من خلال تجربتهم مع الآلة: بعضهم قال بأنها قائمة لأنها تعطي اصواتا وتتكلم وتتذكر وتفهم، والبعض الآخر قال ان الآلة موجودة لأنها تعطي اصوات فرح او تذمر ومرد ذلك برأي الاولاد ان الامر نابع عن شعور معين. اما القسم الثاني فيرفض الفكرة لأن الكمبيوتر لم يولد ولم يخرج من بيضة. انه مصنوع، ولا يبكي عندما يخرج من علبته. صحيح انه ذكي جدا ولكنه يأخذ معلوماته من الانسان الذي يضع فيه افكاره والبطاريات هي غذاؤه الوحيد وانتزاعها منه يسبب له الموت الفوري. حكم الاطفال على الآلة نابع من رغباته الشخصية، وهم يحاولون تفسير تصرف الكمبيوتر بشكل ملموس، لذا اعتبروا ان البطارية تعطي الحياة للآلة وبدونها تموت، فالشعور هو اذن خط التماس بين الانسان والآلة والحد الفاصل بينهما. وأكثر ما يعجب الاطفال في الكمبيوتر هو ألعاب الفيديو، حيث تتيح لهم التباهي بشخصية البطل التي يتبنونها. ظهرت اول لعبة فيديو عام 1960، وهي حرب الفضاء حيث تظهر على الشاشة مركبتان فضائيتان وكل مركبة تنفذ أوامر احد اللاعبين ويمكن للاعب تحريك مركبته كما يشاء واطلاق الصواريخ على المركبة الاخرى. وأخذت هذه اللعبة تتطور وبعد عشر سنوات اسس تولان بوشنيل شركة اتاري، وبدأت الشركة بانتاج مجموعة ألعاب بشكل اشرطة فيديو توضع في آلة معدة لها وتوصل بجهاز التلفزيون لتبدأ اللعبة. مخترعو الآلات الجديدة يحاولون تطوير منتجاتهم واعطاء ابطال الالعاب اشكالا وحركات انسانية ليشعر اللاعب انه امام رجل آخر لا امام آلة. ألعاب الفيديو هي اذن النافذة التي يطل منها الطفل على عالم الكمبيوتر، اما مشهد الطفل وهو يتعامل بخفة وسهولة مع الآلة فيخالف الصورة التي نحملها في خيالنا عن الطفولة، فالولد الطبيعي يلعب خارج البيت بينما يبقيه الكمبيوتر في الداخل. الولد الطبيعي يركض بحرية، والآلة تدرس كل حركة بدقة. يرى بعض الاشخاص ان تحميل الطفل كل هذا العبء يضر بمبدأ تطوره الطبيعي. فعلاقة الطفل بالآلة طبيعية ولكن ما يتعدى المفهوم هو علاقته بالرموز والاشياء غير الحسية. كان الكاتب الفرنسي الشهير والفيلسوف الكبير جان جاك روسو يرى ان مرحلة العبور من الطبيعة الى الثقافة تعني نهاية عهد مبني على الاتصال الحر والعفوي، والكتابة هي الحد الفاصل. ويقول روسو ان اختفاء عهد الطفولة يظهر في حياة كل فرد. فعندما يكبر الطفل يفقد عفويته وبراءته وتعلمه الكتابة يعني انه فقد هاتين الصفتين نهائيا. الكمبيوتر هو الرمز الثقافي الجديد للتطورات الحاصلة مع الانسان، والتي حمل روسو القلم سببها: فقدان الاتصال المباشر مع الآخرين وبناء عالم خاص والهرب من الواقع للجوء الى عالم خيالي افتراضي. وان كانت الكتابة تفقد الطفل عفويته فماذا نقول اذن عن طفل يضع برنامج الكمبيوتر بنفسه؟ وان كان القلم يسرق البراءة من الطفل، فماذا تسرق اذن برامج الكمبيوتر التي يضعها؟ يقول اخصائيو الطفولة ان العالم يواجه جيل الكمبيوتر، والهوة الآن سحيقة بين الاهل والاطفال بسبب هذه الآلة مما نتج عن عدم تفاهم بين الاجيال المتباعدة. ولكن هل يغير الكمبيوتر طريقة تفكير الاولاد؟ هل يفتح عقلهم ام يخفض مساحة حقل التجارب عندهم بشكل خطير؟ الكمبيوتر مفيد جدا في مجال الرياضيات حيث يتيح لهم اكتشاف مبادئها من دون علم مسبق بها. والافادة الاكبر هي في ازالة الخجل او الخوف عند الطفل من ارتكاب خطأ ما فعندما يكتشف الاطفال ان الكمبيوتر لا يحاسبهم على اخطائهم يتابعون ضغطهم على الازرار حتى تتم عملية محو الخطأ تماما، ويبقى النص الصحيح، ولهذا تصبح العلاقة مع الآلة مشابهة تماما لتلك التي تحصل بين: احاديث، ثقة وارتياح. هذا من الناحية العلمية، اما من الناحية الاجتماعية، فالكمبيوتر هو نقطة وصل بين افراد المجتمع لأن كل فرد يحتاج الآخر لاكمال برامجه كما اصبح اليوم وسيلة تعارف بين اشخاص من خارج المجتمع الصغير الذي نعيش فيه.