قصة الشوكولاتة تبدأ بثمرة على شجرة ... وهي قصة مشوقة فلا تترددوا في قراءتها. أين بدأت، كيف انتقلت من عالم الغموض إلى بلاط الملوك؟ ما سر أهمية موادها، وكيف تحولت من مادة غذائية إلى عنوان فيلم شهير؟ إن تفسير كلمة الشوكولاتة مأخوذ في الأصل من كلمة «تشوكو» التي تذكر بصوت المطحنة. اكتشفها الاسباني «فرناند كورتيز» بعد دخول الاسبان المكسيك عام 1519، حيث رأوا سكان تلك البلاد يتلذذون بأكلة تشبه الكريما، ولونها بني، وتشوقوا لتذوقها، فوجدوا طعمها مرا جدا. وعلموا بعد ذلك ان مصدر هذه الكريما العجيبة ثمرة حمراء اللون، كان أهل البلاد يتداولونها كالعملة، ولم تكن سوى ثمرة شجرة الكاكاو. فكانوا يطحنون هذه الثمرة ويمزجونها بمسحوق الذرة والفلفل فتصبح طعاما شهيا يكسب القوة للرجال، حسب اعتقادهم. لكن المحاربين الاسبان لم يهتموا لها على الاطلاق في البداية. ولكن بعد ادخال قصب السكر إلى جزر الكناري، راودتهم فكرة مزج السكر بالكاكاو فأزالوا عنها طعمها المر، ثم طوروا اكتشافهم وأضافوا إلى المزيج بعض الفانيليا والمسك والعنبر. وعام 1524، بدأت كميات الكاكاو تصل إلى اسبانيا فأنشأت أول مصانع للشوكولاتة، وأراد الاسبان الاحتفاظ بامتياز الانتاج والصنع فاحتفظوا بالسر ولم يفصحوا عن المواد الأولية. ويقال انه خلال اعلان الحرب ضد اسبانيا، وجد البحارة الهولنديون اكياسا من الكاكاو فرموها في البحر إذ لم يعرفوا ما يفعلونه بها. وتسرب سر الكاكاو شيئا فشيئا وزال عنه الغموض، وبعد قرن من اكتشافه عرفته أوروبا قاطبة. وفي عام 1615 عرفت فرنسا الشوكولاتة وبعد زواج لويس الثالث عشر وآن النمساوية ابنة فيليب الثالث. وبسبب سعره المرتفع بقي الاكتشاف الجديد ذو الطعم اللذيذ وقفا على الأثرياء الذين كانوا يحملون علبا مليئة بحبات الشوكولاتة الممزوجة بالمسك. وكانت مركيزة سيفينيه تنصح ابنتها بتناول الشوكولاتة لتقوية بنيتها، وتعترف الجميلة «نينون دو لانكلو» ان للشوكولاتة دورها الأساسي في المحافظة على جمال تلك السيدة. وخلال زيارة للكاتب والفيلسوف الشهير فولتير لتلك السيدة، تذوق الشوكولاتة لأول مرة فأصبح فيما بعد مستهلكا مميزا لأنواعها وأفضل من تحدث عن مزاياها. وفي انجلترا، تأسس نادي «شجرة الكاكاو» عام 1746 وأصبح من أشهر نوادي العالم منذ ذلك الوقت. وفي القرن التاسع عشر ساهم أمهر صانعي الحلوى في سويسرا في تعزيز نهضة الشوكولاتة لأول مرة وهم «بيتر دانيال»، و«أميدي كوهلر» و«هنري نستله»، وفي عام 1828 اخترع الهولندي «كاسباروس فان هاوتن» بودرة الكاكاو وما زال اسمه شهيرا في عالم الشوكولاتة حتى اليوم. أما الاسم العلمي لشجرة الكاكاو فهو «ثيوبروما»، وتتطلب هذه الشجرة مناخا رطبا وحارا بحيث لا تتدنى الحرارة أبدا تحت 15 درجة. يصل ارتفاعها من 3 إلى 12 مترا ولكن في أغلب الأحيان يتم قطعها عندما تصل إلى علو ثمانية أمتار، لتحافظ على قوتها بحيث يتسنى للمزارعين قطف ثمارها بسرعة. تحمل الشجرة ثمارها منذ السنة الثالثة لزرعها، ولكن ازهارها تقطع كل سنة حتى لا تشيخ باكرا. وابتداء من السنة الخامسة أو السادسة تصبح الشجرة مثمرة جدا فتحمل أفضل الثمار. وانطلاقا من تلك السنة يزداد انتاجها ليصل إلى حده الأقصى ما بين السنة الثانية عشرة والخامسة والعشرين. وكل عام تحمل الشجرة حوالي 150 ثمرة أي ما يعادل ستة كيلو جرامات من الكاكاو الجاهز للبيع. أكثر البلاد انتاجا للكاكاو هي غانا، نيجيريا، البرازيل، وشاطئ العاج. ومنذ عام 1920 تعدى الانتاج الافريقي الانتاج البرازيلي بأشواط كبيرة، وأصبح أهم بلد منتج للكاكاو هو غانا بمعدل 400 ألف طن سنويا. منتج الشوكولاتة مغذ جدا، وهو مكون من 55% من المواد الكربوهيدراتية و30% من المواد الدهنية و6% من المواد البروتينية وهي المواد الثلاث الأساسية التي يتألف منها الغذاء الضروري للجسم. وتحتوي مادة الشوكولاتة أيضا على الفوسفور والكالسيوم والمغنيسيوم والحديد والفيتامينات ايه وبي. الشوكولاتة غنية جدا بالوحدات الحرارية (500 وحدة حرارية لكل 100 جرام من الشوكولاتة)، لذا تعتبر مثالية للعمال والرياضيين ورجال الفكر أيضا حيث تمنحهم نشاطا وحيوية. ويقال ان نابليون الأول كان يتناول شراب الشوكولاتة الساخن بدل القهوة مساء كلما احتاج لاطالة السهر، أما القوات المسلحة الأمريكية، فقد أدخلت كميات كبيرة من الشوكولاتة معها إلى فرنسا يوم نفذت انزالها الشهير على شاطئ النورماندي عام 1943.
