القى الباحث الامريكى الدكتورعودة أبو ردينة العضو فى مجلس العلاقات الخارجية فى نيويورك محاضرة امس فى مركز زايد للتنسيق والمتابعة بعنوان «مباديء السياسة والقوة والدبلوماسية» ، وذلك فى أطار سلسلة المحاضرات السياسية والفكرية التى ينظمها المركز بالتعاون مع كبارالباحثين والمفكرين العرب والاجانب. وعرض الدكتور عودة مجموعة من المباديء حول دور استخدام القوة وادارة الدبلوماسية فى النظام السياسى الدولى وذلك اعتمادا على أفكار العديد من الشخصيات العالمية من أمثال كارل فون كلاوسفيتش وكونراد أديناور وونستون تشرشل وشارل ديغول وهلموت شميدت وهنرى كيسينجر وزيغنيو بريجنسكى وجورج شولتز وغيرهم. وأوضح المحاضر فى البداية أنه لفهم التفكير والممارسات الغربية ازاء استخدام القوة وادارة الدبلوماسية لا بد فى الاساس من النظر فى المفاهيم والنظريات التى يقوم عليها نسيج المعتقدات فى النظام السياسى الدولى ويمكن تحديد هذا النسيج من المعتقدات بأنه مجموعة من القناعات التى على أساسها يمخر الزعماء السياسيون عباب السياسة ويبحرون فى بحارها. واوضح ان نسيج القناعات هذا يتكون من مجموعة متكاملة الى حد ما من المباديء التى لا ترى أن النزاعات السياسية والعسكرية والاقتصادية الماضية والحاضرة والمستقبلية هى مجرد نتاج لقوى عميقة الجذور لا تقاوم بل ترى أنها خلافا لذلك وليدة تصادم فى الارادات وأنها مسرح صراع للزعماء والدول ممن يحملون مباديء جديدة وممن يعتبرون مدافعين خلاقين عن تجارب الماضى. وبالنسبة للعرب قال المحاضر «انه ومنذ عام 1948 استمرالعرب بطلب العدالة والشرعية الدولية والسلام المضمون بحكم القانون واطلاق التهديدات الخاوية والعاجزة». واضاف المحاضر عودة أبو ردينة.. ومن هذا القبيل قال السفير الامريكى السابق فى مصر جون س.بادو فى أعقاب حرب الايام الستة عام 1967 العالم العربى ظاهرة صوتية والكلمات غالبا ما تتوقف عند قائلها وليست بالضرورة تمهيدا لعمل ما وأن يعبر أى زعيم عربى عن هدف من الاهداف علنا لا يشكل دليلا قاطعا على أنه ينوى تنفيذه واضافة الى ذلك أشار كوينسى رايت قائلا «ان الكلمات لدى العرب وهم شعب مهذار لا تعنى الفعل بالضرورة بينما الكلمات والافعال لدى الاسرائيليين أوثق عروة». وتثبت مباديء استخدام القوة وادارة الدبلوماسية التى عرضها المحاضر أن الدول والقادة فى التحليل الاخير يتصرفون تبعا لحقائق القوة ومن تلك المباديء القاعدة الذهبية للسياسة الدولية هى «افعل للاخرين ما يفعله الاخرون لك» وكذلك مبدأ القوة هى القدرة على حمل الاخرين على أن يفعلوا أشياء ما كانوا ليفعلوها لولا ذلك والقوة بهذا المعنى هى امتلاك أعلى الاوراق فى لعبة البوكر الدولية. ومبدأ «ليس هناك أصدقاء أو أعداء دائمون بل مصالح دائمة» و«ليست هنالك عطايا مجانية فى السياسة الخارجية» وهناك مبدأ التكافل بين القوة والدبلوماسية ليس شأنا سريا بل على العكس من ذلك نجد أن الضغط النهائى أثناء المفاوضات هو أمكانية اللجوء الى استخدام القوة والحرب فى النتيجة وهى استمرارا للدبلوماسية بطرق أخرى ومبدأ واصل المفاوضات طوال فترة النزاع لا تلجأ الى التهديد الا كرد مضاد لتهديدات الخصم أو ضد مبادرته الى استخدام القوة وعند استخدام القوة بشكل ملحوظ أرفق ذلك بشروط سلمية سخية بحيث تواجه الخصم تسوية سلمية مغيرة أزاء البدائل البغيضة مثل الهزيمة العسكرية أو الاضطرار الى تصعيد العمليات العسكرية. وهناك أيضا المباديء المهمة فى المفاوضات تطلب المستحيل لكى تحصل على الممكن.. الفرص فى السياسة كالفرص فى الاقتصاد لا تستطيع أدخارها وخزنها ومتى ضاعت فأنه من غير الممكن استردادها عادة.. فى السياسة يفعل الاقوياء ما يريدون ويفعل الضعفاء ما يتوجب عليهم أن يفعلوا.. فى السياسة النوايا مهمة لكنها ليست دائما ثابتة.. ليس لزاما على العالم أن يحب الولايات المتحدة لكى يحتاجها. وأوضح المحاضر أن نظرة الى خلاصة القواعد الاساسية للقوة والسياسة والدبلوماسية تؤكد كيف يتصور صانعو القرار السياسى فى الغرب وفى الولايات المتحدة وكيف يقومون ويفسرون محركات الطبيعة البشرية والنزاعات والعلاقات بين الدول وفى حين أن هذه المقومات قد تتغير فأنه ليس من السهل أن تكون عرضة للاختلال والتغير نتيجة للاحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبرى. ففى عالم مثالى يفترض أن ينتصر العدل لكننا مع الاسف لا نعيش فى مثل هذا العالم ذلك أن الشرعية الدولية لا معنى لها ولن تصبح فاعلة الى أن تتوقف الدول عن اعتبار ذاتها المصدر الوحيد للعدل ومتى قررالبشر والدول أن تودع السلاح أو كما قال المؤرخ والناقد البارز تسفيتان تودووف فى عالم النزاعات يتقرر كل شيء بالقوة ولا مكان فيه لتوسل العدالة أو الانسانية وبالتالى فأن القانون الدولى فى الظروف الراهنة هو ما تستطيع انتزاعه ومن جهة ثانية انتهجت اسرائيل سياسة واقعية قائمة على تعزيز القوة حتى لا يكون هناك من ينافسها عسكريا فالسياسة الواقعية تقضى بالالتفات الى الحقائق العسكرية والسياسية لا الى المسائل الشرعية والواقع أن أسرائيل مدينة بوجودها لسلاحها وللدعم المالى والعسكرى لها من جانب الولايات المتحدة وربما تكون مدينة ببقائها فى المستقبل لاستعدادها للقتال من جديد والاستعداد الامريكى اذا لزم الامر. واضاف ان الوجهة الواقعية فأن الدبلوماسية العربية ازاء اسرائيل والولايات المتحدة منذ 1991 افتقرت الى القوة الحقيقية فى المجالات العسكرية والسياسة والاقتصادية ومما نال من قوة العالم العربى انهيار الاتحاد السوفييتى مقرونا بالغزو العراقى للكويت وما تلا ذلك من عقوبات دولية ضد العراق والقسمة الجديدة فى العالم العربى تفصل بين دول النفط العربية التى ربطت أمنها بالنظام الامنى الامريكى «مجلس التعاون الخليجى» وبين الدول الاخرى مثل سوريا ولبنان واليمن والجزائر. وأضاف المحاضر أنه وعلى الرغم من الوضع الجيوبوليتيكى الجديد فى العالم العربى بقيت سوريا قوة رئيسية وقد اعترفت كل من اسرائيل وأمريكا بالقوة الكامنة فى سوريا وأدرك الزعماء الاسرائيليون والامريكيون أن السلام الشامل متعذر بدون سوريا ونشأت قوة سوريا من قوتها العسكرية بالاضافة الى علاقاتها الجيدة مع دول الخليج العربية وخصوصا المملكة العربية السعودية من جهة وايران من جهة ثانية يضاف الى ذلك أن نفوذ سوريا فى لبنان قد عزز دورها وجعل منها لاعبا حاسما فى عملية السلام. واشار الى ان وزير الخاجية الامريكيه السابق جيمس بيكر يذكر معاونيه وهو يسعى الى عقد مؤتمر مدريد فى عام 1991 بقوله «اذا كان لنا أن ننجح فعلينا ادخال الاسد فى العملية» ولذا فأن قبول سوريا للدعوة الامريكية /السوفييتية لحضور مؤتمر مدريد للسلام فى أكتوبر 1991 وضع حكومة الليكود فى اسرائيل فى موقف سياسى دفاعى وهو موقف لا ترغب أن تكون فيه فى وقت تشغل أمريكا مركز الصدارة بوضوح. وفوق ذلك فأن قبول سوريا الدعوة الامريكية لحضور مؤتمر مدريد جعل من الاصعب على الولايات المتحدة أن تتنصل من التزامها التاريخى بمبدأ الارض مقابل السلام الذى هو الاساس الوحيد للتفاوض بين اسرائيل وسوريا. وبرأي المحاضر فأن دبلوماسية مرحلة ما بعد أوسلو تطلبت تعاطيا مباشرا لا هوادة فيه من قبل الرئاسة الامريكية ولو تعاطى الرئيس كلينتون تعاطيا وثيقا بالمفاوضات السورية الاسرائيلية لكان من الممكن التوصل الى تسوية وما لم يظهر الرئيس الامريكى بدور المحفز والساعى والوسيط الشديد العزم فأنه من الصعب تحقيق أى تسوية. يذكر أن الدكتور عودة أبو ردينة أمريكى من أصل عربى متخصص فى شئون الاقتصاد والمال والنفط وله مساهمات فكرية وسياسية فى التعاون الدولى ودراسات أكاديمية فى تفسير مفهوم ذلك التعاون وتحديد أهدافه ومساراته. حضر المحاضرة محمد خليفة المرر المدير التنفيذى لمركز زايد للتنسيق والمتابعة الذى قدم المحاضر لممثلى وسائل الاعلام وأوضح أن هذه المحاضرة تتناول موضوعا مهما للباحثين والسياسيين العرب على حد سواء حول الارتباط بين القوة والدبلوماسية فى العلاقات الدولية وتنبع أهميتها من كون المحاضر على صلة وثيقة بصانعى القرار فى الولايات المتحدة وقد قدم العديد من المساهمات السياسية والفكرية فى مجال التعاون الدولى. ـ وام