القى الدكتور حسني محلي الباحث في الشئون التركية محاضرة امس في مركز زايد للتنسيق والمتابعة حول العديد من القضايا المرتبطة بالملف التركي داخليا واقليميا ودوليا وخاصة ما يتعلق منها بالعلاقات التركية ـ الاسرائيلية. حضر المحاضرة عدد من الباحثين والمختصين وممثلي وسائل الاعلام المحلية والعربية والدولية في الامارات. وقامت الباحثة في المركز آمنة معضد المهيري بتقديم الباحث للحضور. وقد استعرض المحاضر علاقات تركيا بدول الجوار بكل تفاصيلها وابعادها وآفاقها، وقال ان جميعها علاقات ليست جيدة او سيئة وان بدرجات متفاوته، وهي علاقات متداخلة تحكمها التحالفات الاقليمية في المنطقة، وتنعكس سلبا على الوضع الداخلي في تركيا مما دعاها للبحث عن حليف استراتيجي يساعدها في تجاوز كل تلك المصاعب مع جيرانها فكانت الولايات المتحدة هي الحليف منذ الخمسينيات ولكن ومع المتغيرات الاقليمية والدولية فقد بحثت تركيا عن حليف جديد هو اسرائيل. وقال المحاضر ان اعلان 119 من الشخصيات التركية المسلمة واليهودية في 19 يوليو من عام 1989 عن تشكيل وقف الذكرى 500، قد فتح صفحة جديدة ومهمة جدا في العلاقات التركية ـ الاسرائيلية، حيث اعد الوقف الذي تبناه آنذاك الرئيس الراحل تورجوت اوزال وحظى بتأييد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة سلسلة من البرامج والفعاليات داخل تركيا وخارجها للاحتفال بالذكرى 500 لهجرة يهود اسبانيا الى الدولة العثمانية وذلك بهدف التعريف بتركيا لجميع يهود العالم واقناعهم جميعا بزيارة تركيا. واوضح المحاضر ان فترة حكم السلطان عبدالحميد للدولة العثمانية اكتسبت اهمية اضافية بالاهتمام الصهيوني بفلسطين حيث التقى هرتزل بعبدالحميد عدة مرات وعبر هرتزل عن استعداد اليهود لتحمل ديون الدولة العثمانية في حين اراد عبدالحميد ان يستخدم هرتزل كورقة مساومة مع الدول الاوروبية، لكن عبدالحميد رفض مطالب هرتزل في فلسطين، وخلال الحرب العالمية الثانية ساهم العديد من الدبلوماسيين الاتراك في مختلف الدول الاوروبية بتهريب اليهود الى تركيا ومنها لاسرائيل، وقامت اسرائيل وتركيا بتكريم هؤلاء الدبلوماسيين في 15 مايو الماضي في اسطنبول وفي عام 1957 زار بن جوريون انقرة سراً لبحث تفاصيل التعاون المشترك ضد سوريا ومصر.. وهاجر 100 الف يهودي تركي الى اسرائيل، حيث لعبوا دورا مهيأ في تطوير العلاقات التركية الاسرائيلية. ويؤكد المحاضر انه بعد وقف الذكرى 500 عام 89 شهدت العلاقات التركية الاسرائيلية تطورات مهماً وسريعة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والامنية ولعب الموساد الاسرائيلي دوراً مهما في عملية اختطاف الزعيم الكردي عبدالله اوجلان من كينيا. وفي عام 1993 كان وزير الخارجية التركي حكمت شاتين اول وزير تركي يزور اسرائيل منذ قيامها عام 1948 ثم كانت اتفاقية التعاون العسكري المشترك بين اسرائيل وتركيا في عام 1996، وفي عام 1997 قام قائد الاركان التركي اسماعيل حقي كاردايي بزيارة مهمة لتل ابيب اعلن بعد عودته عن حملة ضد رئيس الوزراء الاسلامي نجم الدين اربكان الذي اضطر لتقديم استقالته واجبر على استقبال وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي في ابريل 1997م. وقال المحاضر ان اسرائيل بدأت بمساعدة تركيا على تحديث طائرات F16 - F4 - F5 مشيرا الى ان تركيا استخدمت المساعدات التي قدمتها لها دول الخليج في بناء مصنع طائرات F16 بتمويل مقداره 3.2 مليارات دولار. واوضح المحاضر ان التحالف التركي الاسرائيلي اكتسب اهمية اضافية بالاهتمام الاسرائيلي بالمياه التركية، لتقوم اسرائيل بشراء المياه من تركيا وبنفس الوقت تبدي اهتماماً كبيراً بمياه نهري دجلة والفرات، حيث تقوم تركيا ببناء سدود كبيرة على نهر الفرات مما يخفض من كمية المياه الواردة لسوريا والعراق، ورغم الاتفاقات الموقعة بين تركيا وسوريا حول اقتسام مياه الفرات فإن تقارير حديثة اكدت ان سوريا تلقت في الشهور الثلاثة الماضية كميات من المياه اقل بكثير من المتفق عليه، كما ان تركيا لم توقع على اتفاقية المياه عام 98 في الامم المتحدة. وينبه المحاضر الى ان التحالف التركي الاسرائيلي لا تقتصر اخطاره على منطقة الشرق الاوسط فحسب بل ان آثاره تمتد الى منطقة القوقاز وافريقيا حيث يقوم الجيش التركي بتدريب جيوش بعض الدول الافريقية. وترى تركيا في تحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل سنداً قويا لها وتصديا لكل مصاعبها مع دول الجوار وكذلك الاتحاد الاوروبي، حتى انها استطاعت اخيرا ان تقول لا لوزير الدفاع الامريكي رامسفيلد بشأن التعاون في نشاطات ضد العراق مما يعكس مدى اعتماد انقرة على اللوبي الصهيوني. واوضح المحاضر ان تركيا تواجه اليوم ازمة داخلية ومالية خطيرة منذ فبراير الماضي حيث اضطرت للقبول بكل شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقد ساعدتها اسرائيل في الحصول على مساعدات من عدة مصادر. وكشف د. حسني في ختام محاضرته عن ان وزير الاقتصاد التركي كمال درويش هو المرشح الابرز لاستلام رئاسة الحكومة التركية وهو كان يعيش في الولايات المتحدة ولم يعش ابدا في تركيا مما يثير عدة تساؤلات سيما وانه من اصل الباني وامه المانية وزوجته امريكية. بعد ذلك اجاب المحاضر على تساؤلات ممثلى وسائل الاعلام فقال ان هناك عدة عوامل تركية داخلية قد تتسبب باعادة النظر في موضوع العلاقات التركية الاسرائيلية منها اعتراض بعض الاوساط التركية على هذه العلاقة ومدى فائدتها لتركيا مقابل علاقتها مع دول الجوار، كما ان التاريخ التركي لا يمكن ان يقبل بمثل هذا التحالف الذي فرضته الحكومة والجيش، ومن جهة اخرى لقد تبين ان طائرات F4 التي حُدثت في اسرائيل فيها اعطال فنية. وانتقد المحاضر عدم وجود اي اهتمام عربي بتركيا، سواء على مستوى الحكومات العربية او الباحثين او الاعلام، كما اننا لا نستطيع ان نتحدث عن موقف عربي موحد تجاه تركيا مشيرا الى انه من اسباب التصريحات القوية لجنرالات تركيا ابان ازمة صيف عام 98 بين سوريا وتركيا التي هددت بضرب سوريا هو ضعف الموقف العربي، واعتماد تركيا على عداءات بعض الدول العربية لسوريا مما يشجع تركيا على تماديها في علاقاتها باسرائيل ويضعف موقف الذين يريدون تحسين العلاقات العربية التركية. واشار المحاضر الى ان تصريح وزير التعليم الاسرائيلي منذ ستة اشهر في حكومة باراك بأن وضع الارمن في التاريخ شبيه بوضع اليهود قد اثار قلقا كبيراً في الاوساط الحاكمة في تركيا. وعن مدى سيطرة الجيش على اتخاذ القرارات في تركيا اوضح المحاضر بأنه من حيث الدستور فإن الجيش ليس له اية صلاحيات بينما في الواقع فإن مجلس الامن القومي ذي الاغلبية العسكرية، له الكلمة الاولى والاخيرة في فرض سياسات معينة على الحكومة مهما كانت تلك السياسات كما ان اجهزة المخابرات التركية التي تتبع قيادة الاركان، هي التي ترفع التقارير والتوصيات بشأن عداء دولة معينة لتركيا ومجلس الامن القومي لا يستطيع الاعتراض على تلك التقارير التي تصوغها المخابرات التركية كيفما ارادت واضاف المحاضر ان احد مطالب الاتحاد الاوروبي من تركيا بشأن انضمامها لعضويته هو الحد من صلاحيات الجيش. وبالنسبة لمشروع انابيب السلام الذي كان قد اقترح لمد المياه للمنطقة العربية من تركيا فأكد المحاضر انه قد دفن بسبب اعتراض الدول العربية. يذكر ان الدكتور حسني محلي حاصل على شهادة تقدير لنشاطه الاعلامي الموضوعي من الرئيس التركي الراحل تورجوت اوزال وله علاقات واسعة مع العديد من السياسيين داخل تركيا وخارجها، شارك في العديد من الندوات في تركيا. ومختص بالملف التركي بكل تفاصيله وهو من مواليد حلب ـ سوريا وقد حصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية ودرسها في جامعة البوسفور وانتخب رئيسا لجمعية الصحفيين الاجانب العاملين في تركيا. ابوظبي ـ مكتب «البيان»: