لا يزال الحوار والمناظرة في موضوع الطب كمعرفة (علم) ازاء الطب كخدمة يستقطب اهتمام المعنيين فيما يتعلق بمحتوى المنهاج الدراسي وسياسة تقديم الرعاية الصحية. وحتى الوقت الراهن لا يزال علم الطب الاحيائي (Biomedicine) سائدا أكثر من الصحة التعزيزية ووقاية الأمراض والرعاية الصحية الشاملة.إ ن إحداث التغيير في مجال التعليم الطبي لا يمكن فصله عن التغيير في الممارسة الطبية، ولكن أي منهما يأتي في المقام الأول؟. وهل التغيير في التعليم الطبي يمكن أن يؤثر على توجهات الرعاية الصحية؟. أم ان التغيير في الرعاية الصحية سيسمح للمعاهد الطبية أن تستجيب لذلك؟. من المفارقات القائمة على الصعيد العملي بأن مؤسسات التعليم الطبي والخدمات الطبية والصحية تتبع هيئات مختلفة على مستوى تقسيم المسئوليات والمهام. وتحتفظ كل منها باستقلاليتها مع وجود فجوة في التنسيق وعدم التكامل في أنشطتها، بل وتنافر في العلاقة بينهما ـ إلى حد ما ـ برغم القواسم المشتركة للأهداف. وباعتبار ان احدهما معني بالانتاج والآخر باستخدام المنتج ـ أيّاً كان خصائصه ونوعيته ـ فان ذلك يستدعي أن يكون هناك تنسيقا وتعاونا تكتمل فيها إلى حد كبير بعض المقاييس المطلوبة عند اعداد أطباء الغد. وفي المحصلة النهائية فان الأمر يتركز حول التعليم الطبي وتحديثه من جانب، وتحسين الممارسة الطبية لتلبية الاحتياجات الصحية من جانب آخر. والتعليم الطبي ليس هدفا بحد ذاته وإنما وسيلة لخدمة الناس والاسهام في التنمية الصحية. وعلى هذا الأساس فان أثر التعليم الطبي يجب أن يمتد وراء نطاق الحدود التقليدية ليرتبط بنظام الرعاية الصحية وأن يتوجه صوب احتياجات الناس أكثر منه نحو الأفراد. تشير بعض الدراسات الى ان التعليم الطبي قد عجز في اعداد الكثيرين من الأطباء على نحو ملائم ومسئوليات الممارسة في المجتمع. وان كثيرا من الانتقادات الموجهة إلى الأطباء لا تتعلق بكفاءاتهم الاكلينيكية وحسب، ولكنها تبدو أيضا انعكاسا للقصور في المهارات الأساسية في التعامل مع المرضى. وفي كثير من كليات الطب فان التدريب للأطباء يتم في مستشفيات المستوى الثالث، ومثال هذا التدريب يضع التأكيد على التكنولوجيا أكثر منه على الجوانب الإنسانية. والتركيز في التعليم الطبي على جوانب الطب الاحيائي والاكلينيكي وضعف الاهتمام بمسائل الظواهر الاجتماعية والأخلاقية تؤدي لثغرة تنعكس على الممارسة الطبية. ونظرا لان مفهوم «التعليم المرتكز على المجتمع» هو تطور حديث نسبيا، فان احتمالات التحمس لهذا النوع لا يزال فاترا بسبب ضعف الإلمام به وكذلك التوقعات للنتائج المرتقبة. والتعليم الطبي يجب أن يتغير بانسجام مع مبادئ الرعاية الصحية الأولية، ولكن الخريجين الجدد من الأطباء ليسوا على دراية كافية بهذه المبادئ وكذلك الاحتياجات الاجتماعية. كما ان الموظفين الأكاديميين المسئولين عن تخطيط المناهج لم يكونوا على دراية شاملة عن التنمية في القطاع الصحي، ولذا فان تخطيط المناهج يجب أن يكون وثيق الصلة بتقديم الخدمات. والسؤال الرئيسي في هذا السياق هو: عن مدى استجابة التعليم الطبي لاحتياجات المجتمع؟. ان الجامعات والكليات الطبية لا تزال قابعة في موضعها الأكاديمي لتصون استقلاليتها واستقرارها، وتتجنب الدخول في تفحص احتياجات المجتمع الصحية ومشاكله والقدرة على التعامل مع الواقع. ولربما من أكثر التحديات صعوبة في الوقت الراهن ان تنضم كليات الطب إلى المجتمع عموما. وفي بعض البلدان ومنها الولايات المتحدة الأمريكية بدأ التعليم الطبي باعطاء مزيد من التأكيد على العلوم السلوكية (Behavioral Science)، الاجتماعية، الاحصائية والمعلوماتية وكذلك الأخلاقية. وهنا يتطلب الأمر وقفة أمام الأساليب الجديدة في التعليم الطبي والتعلم باعتبارها تحمل مدلولات ذات أهمية قصوى للتغيير المنشود، ومنها: التعليم المرتكز على المجتمع (Community - Based Education) والتعليم المرتكز على المشاكل، والتعليم على حل المشاكل، والتعليم الموجه للمجتمع. وفي المؤتمر العالمي للتعليم الطبي عام 1988م، تم اعلان بيان «أدنبرة» في المملكة المتحدة، وتم فيها تحديد المبادئ الاثني عشرة للتغيير في تعليم وتدريب الأطباء. من المسائل الأساسية في النظام الصحي هي توفر الخدمات الصحية وسهولة الوصول إليها، جودة الرعاية الصحية والاستخدام الأفضل للموارد الصحية المتاحة، والمحددات البيئية للصحة وكلفة الخدمات الصحية، كل تلك المسائل تثار على نطاق واسع في محاولة لاعادة توجيه النظام الصحي مستقبلا بما يتلاءم والاحتياجات الصحية، آخذة في الاعتبار تلك العلاقة الوثيقة بين التعليم الطبي والممارسات الطبية وفي البحث عن عوامل تكاملها. ولتحسين النظام الصحي يتطلب ذلك إلى فهم مكوناته ومراجعة عناصره بغية اجراء التغيير المنشود. وكما يتطلب منا اخضاع الأنظمة التي تساعدنا على فهم محددات وديناميكيات الأمراض وكيفية وقايتها ومكافحتها. والأكثر من ذلك فان تأثير الرعاية الصحية على صحة الناس يجب أن يمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية والبيئية والمهنية. والقائمون على ميزانية النظام الصحي يقومون بسوء التوزيع للموارد في الغالب. وفي البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء فان الجزء الأكبر من الاستثمار يوظف في مستشفيات المستوى الثالث وكذلك التشخيص والعلاج المرتكز على التقنيات العالية، قياسا إلى ما يمكن توظيفه بطريقة أفضل عند التوزيع العادل للموارد. ولذا فان اعداد الأطباء بالتوجهات الجديدة لا يمكن القيام بها عن طريق التعليم الطبي وحده، ذلك لان التوجه العلاجي يعكس الأولوية الضمنية. وبدون تصحيح الوضعية القائمة فان امكانية حدوث تغيير تعليمي سيكون ضئيلا. والنظام الصحي هو الآخر لم يبد رغبة في اقحام نفسه في شئون كليات الطب، بغية الإسهام في تخطيط المناهج وصياغة المقرر التعليمي، وكذلك في التعليم والتقييم بغرض زيادة الأهمية ووثاقة الصلة للتعليم الطبي نحو المجتمع. من الوسائل الفعالة لصيانة وتحسين الكفاءات والمهارات في الرعاية الصحية تطوير نظام التعليم المستمر للمهن الطبية والصحية. ولان مفهوم «التعليم الطبي المستمر» يقتصر أكثر على الجوانب الاكلينيكية في تطبيقاته، بيد ان مفهوم «التنمية المهنية المستمرة» يعتبر أوسع بكثير من التعليم الطبي المستمر، ويتعلق بالنمو الذاتي والرضى عن العمل المهني، ولذلك فان التنمية المهنية المستمرة إنما ترتكز على منهاج نظامي وذات محتوى علمي وعملي يلبي الاحتياجات المتنامية للرعاية الصحية، كما انها تعطي المسائل الأخلاقية والتنظيمية والاجتماعية مدى أوسع في جوانبها النظرية والتطبيقية، ولا يقتصر ذلك على فئة دون الأخرى في الخدمات الصحية لانها تتضمن مفهوم عمل الفريق.إ ذا كان هدف التعليم الطبي هو تخريج الأطباء من أجل تعزيز صحة الناس، فان ذلك لم يتحقق ـ وبدرجة متفاوتة ـ وفي أماكن كثيرة من العالم بالرغم من التقدم الكبير الذي حصل في مجال علوم الطب الوقائي. ولا يزال الكثيرون يعانون من تلك الأمراض التي يمكن وقايتها وعلاجها. ولقد بات واضحا بان التغييرات المطلوبة في التعليم الطبي لابد وأن يتجاوز المحتوى المنهاجي للدراسة والأساليب التعليمية القائمة، وذلك بإسهام المعاهد والكليات الطبية في تطوير نظام تقديم الرعاية الصحية وكذلك عملية التغيير. وكما هو الحال للتغيير في التعليم الطبي فان الأمر سينعكس على الممارسة الطبية. والأهم من ذلك يجب النظر إلى التعليم باعتباره نطاقا أوسع من تدريب الأطباء. ويعني ذلك تحمل المسئولية في مجال تخطيط الرعاية الصحية وتنظيمها، وتقديم الخدمات وضمان الجودة واجراء البحوث. ويجب النظر إلى التعليم الطبي كعملية مستمرة، كما يجب الاعتراف بأن على الأطباء التزاما أخلاقيا بالاطلاع على كل جديد في مجال المعرفة المهنية. وفي الوقت ذاته يحتاج الأطباء إلى رؤيا واسعة عن العالم والقدرة على التغيير والتكيف مع متطلبات النمو والتقدم. وتتمحور أنشطة الرعاية الصحية على الفرد أكثر منها على المجتمع. وتشير الدراسات والأدلة وعلى نطاق عالمي بأن كلفة الرعاية الصحية للفرد في الطب العلاجي لا يزال في ارتفاع مستمر، مما أدى إلى تبني سياسات الصحة العامة في البلدان المتقدمة على وجه الخصوص سعيا لخفض الكلفة بشكل فعال من خلال تجسيد الصحة التعزيزية و الوقائية وتأسيس نظام فعال في مراقبة الأمراض. إن الجهود الرامية إلى وقاية وتعزيز وصيانة الصحة للناس هي من صلب مهام الصحة العامة، باعتبارها مزيجا من العلوم والمهارات الموجهة لصيانة وتحسين الصحة للجميع من خلال النشاط الجماعي والاجتماعي. وأنشطة الصحة العامة تهتم بالوقاية من الأمراض وتحديد احتياجات المجتمع، وتتغير هذه الأنشطة بتغير التقنيات والقيم الاجتماعية ولكن أهدافها تبقى ثابتة، وهي: خفض الاصابات بالأمراض والوفيات المبكرة والعاهات والاعاقات الناجمة من الأمراض. وفوق كل تلك تختص الصحة العامة بتنظيم الخدمات الصحية وادارة الموارد الصحية على نحو أكثر فعالية وأكثر ترشيدا. لقد أثبتت التجارب في كثير من بلدان العالم بأن حجم الانفاق من الموارد على الخدمات الصحية لا يستلزم بالضرورة تناسبه مع الحالة الصحية للناس. وفي كثير من الأحيان توظيف الاستثمار العالي في الرعاية الصحية لم يحقق تلك النتائج المتوقعة. وهذا يدل على ان مفاهيم ومبادئ وثقافة الصحة العامة تحتاج إلى مزيد من الجهود لتفعيلها وتصليب عودها بغية التنمية الصحية وتحسين الرعاية الصحية وضمان جودتها والاستخدام الأمثل لمواردها. وفي الأخير، يجب التأكيد بأنه لا نستطيع ممارسة الطب بدون وجود رابطة بين الطبيب ومريضه، وبمعنى آخر لا يمكن أن نفهم المرض بدون أن نفهم المريض. وان اعادة تعريف الجوانب الانسانية والأخلاقية والاجتماعية في التعليم الطبي والممارسة الطبية يعتبر من التحديات الرئيسية. د. عبدالله عبدالرحمن بامشموس اختصاصي الصحةالعامة