أكد الدكتور منصور العور مدير ادارة الجودة الشاملة في شرطة دبي ان تكامل السياسات يعتبر احد المباديء الاساسية التي يتعين توافرها للارتقاء بمستوى الأداء وتحقيق الجودة ، ويقصد به وجود قدر من التوافق والتناسق بين مختلف الخطط والبرامج التي تضعها الدائرة لتحقيق أهدافها العليا بحيث تكون كل خطة أو برنامج جزءا مكملا للخطط أو البرامج الاخرى سواء كانت سابقة أو معاصرة لها بالاضافة الى ضرورة قيامها على أسس علمية فضلا عن امكانية تنفيذها من الناحية العملية. وأشار في دراسة لنشرة الجودة الصادرة عن ادارة الجودة الى ان مبدأ تكامل السياسات بهذا المعنى يفترض ابتداء توافر بيئة عمل يسود فيها قدر وافر من التنظيم الجيد والاتصال الفعال بين الادارة العليا ومختلف المستويات الادارية والتنفيذية، الأمر الذي ييسر الاطلاع على الخطط التي تم وضعها في وقت سابق أو تلك التي يجري وضعها في الوقت الحالي، بحيث يأتي بعضها مكملا للبعض الآخر، ومؤيدا ومدعما له. فكيف يمكن تحقيق هذا التكامل اذا لم يتوفر للمخطط التعرف على الخطط الأخرى والاطلاع على ما حققته الايجابيات وما نتج عنها من سلبيات. إن غياب التنظيم الجيد والاتصال الفعال لن يؤدي فقط الى قصور في تكامل السياسات، ولكنه سوف يؤدي في الأغلب الأعم من الاحوال الى وجود حالة من التضارب والتناقض في السياسات التي تطبقها احدى الادارات، الأمر الذي يمكن ان ينعكس اثره على مخطط العمل برمته متمثلا في اهدار أهداف الادارة العليا واحباط العاملين سواء كانوا مسئولين عن التخطيط أم التنفيذ. ويتطلب تنفيذ جهود الجودة في كل دائرة وضع سياسات تتضمن خططا وبرامج معينة تتناسب مع الخدمات التي تقدمها هذه الدائرة. ويتضمن ذلك تحديد برنامج زمني يتميز بالمرونة لاجراءات تحسين جودة الأداء، يراعي قدرة العاملين على استيعاب مفاهيم الجودة، واجراءات التغيير، وتنفيذ هذه الاجراءات، ومراعاة امكانية ادخال التعديلات الضرورية مع تقدم سير هذا البرنامج وملاحظة ما يحققه من نتائج ايجابية. ويجب مراعاة تحقيق تكامل السياسات الموضوعة أفقياً ورأسياً. ويقصد بالتكامل الأفقي للسياسات تحقيق التوافق والتناسق بين مختلف البرامج والخطط التي يتم تنفيذها خلال فترة زمنية واحدة حتى لا يقع التضارب أو التعارض، وحتى لا يصبح تنفيذ بعض الجهود عقبة أمام تنفيذ جهود اخرى، أو يمثل تكرارا لا طائل من ورائه. أما التكامل الرأسي، فيقصد منه تحقيق التوافق والتناسق بين مختلف مراحل تنفيذ برنامج معين أو خطة معينة على مدى الفترة الزمنية اللازمة للتنفيذ. فيجب عند تحقيق التدرج المنطقي والتوافق بين سائر المراحل بحيث تفضي كل مرحلة منطقيا الى المرحلة التي تليها. وبالاضافة الى ما سبق، فإن تكامل السياسات يعني ضرورة استقرار البرامج والخطط الموضوعة لتحقيق الجودة وعدم تغييرها، الا اذا كانت هناك ضرورة تفرضها ظروف العمل أو آليات الارتقاء بمستوى الأداء. أما ان يتم تغيير السياسات لمجرد تغيير مدير احدى الادارات، حيث يأتي المدير الجديد ويقوم بالغاء السياسة التي وضعها سلفه، حتى ولو كانت قد حققت نجاحاً، ثم يقوم بتنفيذ سياسة جديدة دون الاستفادة من المعارف والخبرات السابقة، فذلك يؤدي إلى بطء أو تعثر خطوات تحسين مستوى الأداء، فضلاً عن اهدار الجهد والوقت والمال. وقد نجحت شرطة دبي في تحقيق تكامل السياسات أفقياً ورأسياً مع توفير الاستقرار اللازم لها من خلال خطوات تتضمن مركزية التخطيط، يقصد بمركزية التخطيط ان تتولى القيادة رسم السياسات التي تكفل تحقيق الجودة والارتقاء بمستوى أداء العمل الشرطي، إلا ان ذلك لا يعني مطلقاً استئثار القيادة بعملية التخطيط دون مشاركة الوحدات الفرعية التي تتولى وضع هذه السياسات موضع التنفيذ، ذلك ان مشاركة الوحدات الفرعية توفر ـ فضلا عن تكامل السياسات ـ أسباب نجاح تنفيذ الخطة. ومن بين الخطوات لا مركزية التنفيذ، حيث تتولى الوحدات التي شاركت في عملية التخطيط تنفيذ الاجراءات المتعلقة بها في الخطة تحت اشراف القيادة، بما يحقق التعاون والترابط الكامل بين التنفيذ والتخطيط، إلى جانب التوثيق والمتابعة، ويجري توثيق الخطة التي تم التوصل إليها لدى القيادة وجميع الوحدات الفرعية التي شاركت في وضعها وتتولى تنفيذها، وتقوم القيادة بمتابعة مراحل التنفيذ بصورة دورية، وذلك من خلال مقارنة النتائج التي تحققت بالفعل بالنتائج التي كانت متوقعة قبل التنفيذ في ظل ما يستجد من احتياجات أو متطلبات بالاضافة إلى التأكد من صحة وسلامة التنفيذ. ومن بين الخطوات التقييم والتقويم، ففي ضوء ما أسفرت عنه المتابعة من نتائج وما وفرته من معلومات يتم تقدير الموقف، وبحث ما يجب عمله، وهو ما يعرف بالتقييم ثم يجري بعد ذلك ادخال ما يحقق الأهداف الواردة بالخطة، وهو ما يطلق عليه التقويم. ولا يمكن لأي جهاز ان ينجح في التنسيق بين مركزية التخطيط ولامركزية التقييم والتقويم بالصورة المرجوة إلا من خلال بيئة عمل نشطة يسود فيها التنظيم الجيد والاتصال الفعال. وطالب الدكتور العور في دراسته بإنشاء جهاز حكومي على مستوى عال يتبع الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مباشرة تتمثل استراتيجيته العليا في «دبي مدينة التميز» ويتمتع بالسلطات والصلاحيات القانونية التي تيسر له تنفيذ فكرة التميز الاستراتيجي بجميع الدوائر الحكومية والشركات الخاصة على حد سواء داخل امارة دبي. وأشار إلى ان وضع مثل هذه الفكرة موضع التنفيذ يجب ان يشمل جميع الدوائر الحكومية والشركات بحيث لا يترك للاجتهادات أو القدرات بكل جهة، ولكن يستلزم تبنيه من قبل جهاز موحد يستخدم آليات وأدوات تكفل تحقيق الهدف المطلوب. وأضاف ان تحقيق تلك الفكر يتطلب تنفيذ ثلاث ركائز أساسية هي الخطط التطويرية فما يتعلق بالعاملين وتدريبهم أو بيئة العمل أو القواعد والنظم أو الأجهزة والمعدات. ويتم تحديد خمسة مستويات لأداء الأجهزة الحكومية والأنشطة الخاصة، وعلى أساسها يجري منح الجوائز أو وضع الخطط التطويرية، وهي الفئة المتميزة والفئة المتقدمة والفئة المتوسطة والفئة المنخفضة والفئة المتدنية. وضع خطة عامة على مستوى امارة دبي لكيفية الارتقاء بمستوى جودة الخدمات والمنتجات في القطاعين الحكومي والخاص ارتقاء حقيقياً يضمن لها التفوق ويحقق لها أقصى درجات الجذب، ولا يمكن ان يتحقق ذلك إلا من خلال إجراء دراسة شاملة على الطبيعة، تشمل كافة الجوانب الادارية الميدانية، والمكتبية لأدوات وآليات العمل داخل جميع الدوائر الحكومية والشركات الخاصة، مع تحديد شروط معينة لخضوع الشركات لهذا التنظيم، مثل رأس المال وحجم العمالة ونوع النشاط وغيرها. وتتناول هذه الدراسة العديد من الجوانب مثل بيئة العمل الداخلية، وعلاقة الجهة بالعاملين لديها وعملائها، وأسلوب تنفيذ القوانين واللوائح والنظم، ومستوى الخدمات أو المنتجات المقدمة، بالاضافة إلى كيفية استخدام الأموال العامة والتسهيلات الحكومية مع مراعاة الاختلافات القائمة المرتبطة بطبيعة العمل داخل القطاعين الحكومي والخاص. كما يتطلب الأمر إجراء استطلاعات الرأي حول أسلوب تعامل الأجهزة الحكومية والخاصة مع الجماهير، ومستوى الخدمات والمنتجات المقدمة ومدى دقة تنفيذ التزاماتها القانونية من قبل الجمهور وغيرها من الالتزامات الجماهيرية الأخرى. واستطلاع رأي العاملين داخل القطاع الحكومي والخاص بشأن كافة جوانب العمل داخل الاجهزة الحكومية والشركات مما سبق ذكره آنفا. أما الركيزة الثانية فتتضمن قياس مستوى اداء اجهزة القطاع الحكومي وشركات القطاع الخاص باستخدام معايير معينة لقياس مختلف اوجه الاداء، ومستوى الخدمات، والمنتجات المقدمة، ومستوى رضاء العملاء والعاملين بشكل دوري، ويراعى في هذا الصدد عدة اعتبارات اهمها: تطبيق معايير اساسية موحدة بين جميع اجهزة القطاع الحكومي وأخرى بين شركات القطاع الخاص. وتطبيق معايير نوعية متباينة تتفق وطبيعة النشاط الذي يمارسه الجهاز الحكومي او الشركة الخاصة. وتحديد توقيتات زمنية معينة لتنفيذ عمليات القياس يفصل بينها فترات محددة تكفي لرفع مستوى الاداء لدى هذه الاجهزة او الشركات. رفع تقرير تفصيلي الى سمو ولي العهد عن كل جهاز حكومي او شركة خاصة بما اسفرت عنه عمليات قياس الأداء من ايجابيات وسلبيات، بالاضافة الى التدابير التي يتعين اتخاذها لتلافي نقاط الضعف ومواطن القصور. واخطار كافة الاجهزة الحكومية والشركات الخاصة بنتائج عمليات قياس مستوى الاداء، ومتابعة الاجهزة والشركات التي تحتاج الى تطوير ادائها ومطالبتها باعداد «خطط تطوير الاداء» لاقرارها واعتمادها من قبل الجهاز المسئول. اما الركيزة الثالثة: تتضمن مراجعة الاداء على فترات متباينة وغير معلنة بالنسبة لجميع الاجهزة الحكومية والشركات الخاصة، وذلك لضمان استمرار ارتفاع الاداء بالنسبة للاجهزة والشركات ذات المستوى المتميز او لضمان تنفيذ الخطط التطويرية بالنسبة للاجهزة والشركات ذات المستوى المتواضع، مع التأكد من التزام الجميع بتطبيق معايير القياس المقررة. وفي سبيل ضمان نجاح مراجعة الاداء نرى ضرورة مراعاة عدة اعتبارات هي: تلقي الجهاز المسئول للشكاوى المقدمة ضد الاجهزة الحكومية والشركات الخاصة سواء من قبل العاملين بها او الجمهور، والتحقيق فيها، ورفع تقرير لسمو ولي العهد بنتائج التحقيق والتوصيات اللازمة بشأنها. وعقد مقارنات مرجعية لمستويات الاداء بين الاجهزة الحكومية بدبي ونظيرها في الخارج من ناحية، وبين الشركات العاملة بدبي والشركات العالمية ذات المستوى المتميز بالخارج من ناحية اخرى وضرورة اتباع سياسة معينة تتضمن عدة اجراءات وتدابير يجري اتخاذها في مواجهة الاجهزة الحكومية والشركات الخاصة التي تعجز عن الارتقاء الى الفئة المتميزة او الفئة المتقدمة على الاقل لاكثر من فترتين متتاليتين من فترات قياس الاداء، بما يشير الى فشل الخطط التطويرية بهذه الاجهزة والشركات وعدم قدرة القائمين عليها على الارتقاء والتميز، الامر الذي يؤثر بالسلب على تحقيق الاستراتيجية العليا: «دبي مدينة التميز». ايجابيات التصور المقترح تتضمن و ضع خطة عامة لتحقيق الجودة في دبي بالتعاون بين الاجهزة التي تطبق الجودة في القطاعين الحكومي والخاص من ناحية وبين الجهاز المقترح المسئول عن الجودة، حيث يتولى الجهاز الاشراف على تنفيذها بمختلف الاجهزة طوال العام وتحقيق نوع من الانسجام والتوافق في مسيرة الجودة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص من خلال اخضاع القطاعين للعديد من المعايير المشتركة، مع مراعاة وجود بعض المعايير النوعية بحسب تباين النشاط الخاص وممارسة نوع من الاشراف الحكومي على مستويات الجودة في القطاع الخاص على اعتبار ان الامر لا يتعلق فقط بالشركة الخاصة ولكنه يؤثر في النهاية على سمعة دبي ما دامت الشركة تمارس نشاطا على ارضنا، وهو حق اصيل وثابت لحكومة دبي. وتحديد مستويات الاداء طبقا للنظام المقترح بحيث تكون الاولوية فيه لمستوى الجهاز لا لمجرد ترتيبه بين الاجهزة الاخرى مع الابقاء على روح المنافسة في احتلال احدى الفئتين الاولى او الثانية ووضع برامج علاجية تدريبية تتمثل في الخطط التطويرية للاجهزة التي لم تحقق المستوى المطلوب بهدف رفع مستوى الأداء بها لتواكب مسيرة الجودة مع الأجهزة الأخرى. ومن الإيجابيات اشعار الأجهزة بالقطاعين الحكومي والخاص ان الجودة ليست مسئولية كل جهاز منفرداً، ولكن الحكومة شريكة أيضاً في المسئولية، بل وتتحمل المسئولية الأولى، وترشيد عمليات الانفاق على تحقيق الجودة داخل الأجهزة الحكومية بوجه خاص والتي تجاوزت في بعض الأجهزة بضعة ملايين دون تحقيق النتائج المتوقعة، حيث يقوم الجهاز المسئول عن الجودة بدور أساسي في هذا المجال. وتنظيم استعانة الدوائر الحكومية ببيوت الخبرة الأجنبية في إعداد خطط وبرامجة تحقيق الجودة، ومن المعروف ان اعداد مثل هذه البرامج والخطط يحتم اطلاع هذه الجهات الأجنبية على أدق خصائص وتفصيلات العمل داخل أجهزة الحكومة، وهو أمر يجب ان يخضع لرقابة الحكومة.