«صفد» قرية منسية.. هذا ما يردده اهالي القرية الذين يقارب عددهم ثلاثمئة فرد يعيشون في بيوت قديمة تجاوز عمرها عقدين من الزمن. والى جانب هذا الشعور بأنهم منسون تماما فإن الواقع المحيط بهم يؤكد ذلك لأن البيوت الشعبية التي وزعت عليهم عام 1980 لا تزال على نفس العدد دون زيادة رغم ان عددهم تضاعف خلال السنوات الاخيرة، والاسرة التي كانت تضم ما بين فردين او ثلاثة عام 80 اصبحت الآن تضم أسرا فرعية اخرى مع كبر الابناء الذين تزوجوا وأنجبوا ولم يجدوا غير مساكن الاهل للاقامة مع اسرهم الصغيرة التي كبرت بدورها لتصبح مشكلة السكن هي اهم المشاكل وأخطرها وبها يزداد شعور اهالي القرية بأنهم بالفعل منسيون. في «صفد» التي تبعد عن مدينة الفجيرة نحو 17 كيلومترا جهة الشمال وعن منطقة القرية الجديدة بما يقارب الخمسة كيلومترات كان اللقاء مع الاهالي الذين تفاءلوا بقدوم الصحافة المحلية الى قريتهم للمرة الاولى في تاريخها. وفي التحقيق التالي يدلي الاهالي بآرائهم حول المشكلة التي تؤرق حياتهم وهم ينتظرون مسكنا شعبيا لائقا بعد سنوات من شعورهم الدفين بالحرمان والنسيان. »الشيبة» علي أحمد علي الحفيتي والبالغ من العمر 85 عاما يبادر بالقول: لا ننكر ان هذه البيوت القديمة كانت بالنسبة لنا عند توزيعها علينا عام 80 شيئا كبيرا في حياتنا نحن اهل الجبل فقد كانت ايامها تفي باحتياجات اسرنا، وتسترنا وتحمينا وتجعلنا نعيش في استقرار وأمان كغيرنا من المواطنين في كل مناطق الدولة بعد ان اصبحت الامارات بلدا واحدا بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة أطال الله عمره. ويضيف: ان الوضع الآن تغير عن ذي قبل، فالاسر الصغيرة اصبحت كبيرة العدد، والابناء الصغار صاروا شبابا بل ان بعضهم تزوج، ولحرصنا على عاداتنا وتقاليدنا فإن الارتباط بالأسرة ومكان اقامتها جعل هؤلاء الشباب يقيمون مع زوجاتهم واسرهم رغم ان البيوت ضيقة وتزداد ضيقا مع كل يوم، خاصة عندما ينجب الابناء. ويقول عبدالله محمد عبدالله الهنقري: ان مسكني علاوة على انه قديم ومتهالك ولم يعد صالحا للسكن الا اننا مضطرون للاستمرار في الاقامة فيه فلا بديل لدينا، ونحن ننتظر وعود وزارة الاسكان ببناء مساكن جديدة وباعداد كافية تفي بعددنا الذي تزايد كثيرا خلال عشرين سنة، فقد كان اهل «صفد» في تلك الفترة عند توزيع هذه المساكن لا يزيدون عن 30 فردا عبارة عن عشر أسر اصبحت الآن عشرات الاسر وباعداد مضاعفة عما مضى. ثلاث اسر في مسكن ويواصل الهنقري حديثه: في بيتي الذي اقيم فيه الآن اكثر من عشرين فردا هم افراد الاسر الثلاث المقيمة فيه لأن لي ابنين تزوجا وأقاما معي هما وأبنائهما، منذ سنوات، فولدي الاكبر لديه 9 افراد، والاصفر 7 افراد، وعندي اربعة افراد ايضا. المشكلة تتفاقم ويتحدث محمد عبدالله محمد (امام مسجد صفد) فيقول: اقيم في مسكن مستقل حصلت عليه من الدولة وكان بالنسبة لي نقلة كبيرة في حياتي وأيامها (اي ما قبل عشرين عاما) كنت اعتبره فسيحا بما فيه الكفاية لكن الآن انظر بحسرة بالغة الى ابنائي وقد اصبح عددهم 18 فردا بين ذكور واناث وهم يتوزعون على غرفتين اما المجلس فقد حولناه الى غرفة اخرى لأجل راحة الاسرة، لكننا رغم ذلك نعاني وسنظل هكذا الى حين اهتمام المسئولين بأوضاعنا السكنية والعمل على علاجها. وحول مساعيه لتوصيل شكواه وأهل منطقته للمسئولين يقول محمد: ذهبت الى مقر وزارة الاشغال في دبي وعرضت عليهم المشكلة، فطلبوا مني العودة الى الفجيرة والحصول على تقرير من البلدية بأن المسكن غير صالح، وبالفعل نفذت ما طلبوه وحضر مهندس البلدية وكتب التقرير الذي لا يزال قابعا في مكاتب مسئولي الوزارة دون ان تتحرك مشكلتنا نحو الحل رغم ان ذلك حدث منذ عدة سنوات تبلغ السبع تقريبا. ويتابع فيقول: ان المشكلة تتفاقم كل لحظة، لأن الصغار يكبرون واحتياجاتهم تتزايد وتختلف نتيجة السن، وبعض أبنائي على سبيل المثال بلغ سن الزواج، لكني لا أستطيع أن أفعل تجاههم شيئا لأن المكان لا يتسع لأي عدد اضافي، فالزحام في المسكن كبير، وأي اضافة في العدد تشكل متاعب للجميع. ويضيف: ولو أني أملك ما استطيع به البناء لأقمت لأسرتي بيتا واسعا يمكنه أن يضم الأبناء، وأن أزوج فيه الثلاثة الذين بلغوا سن الزواج. معاناة كبيرة أما سلطان عبدالله محمد (موظف بالتربية) فيقول: لقد تعبت كثيرا وعانيت بما فيه الكفاية طوال ستة أعوام من الركض لمراجعة المسئولين في كل الجهات المعنية وفي كل مرة يطالبونني بإعادة المراجعة دون فائدة، إن معاناتي تزداد يوما بعد يوم ورغم الصبر فإن الأمر بالنسبة لي أصبح ميؤوسا منه، وما علي سوى الانتظار والبقاء في مسكن أهلي حيث أشغل فيه غرفة أقيم فيها مع أبنائي الخمسة. ويقول محمد أحمد عابد (موظف): لقد تزوجت منذ ثلاث سنوات ولاأزال أقيم مع أسرتي في منزلها القديم والصغير والذي لا يفي بحياة مستقرة لأنه ضيق ومتهالك. ويقول شقيقه راشد: انني أفكر حاليا في الزواج، لكن المشكلة أين أقيم بعد الزواج؟ فالمنطقة ليس بها مساكن للايجار وظروف عملي لا تسمح لي باصطحاب زوجتي معي، وإذا بحثت عن مسكن بالايجار في مدينة الفجيرة فإن ذلك صعب ويقلل من قدرتي على الوفاء بمسئولياتي تجاه أسرتي. وتؤكد عالية علي محمد سيف الحفيتي معاناتها فتقول: عندي بنتان وولدان يقيمون معي ونحن فقراء نحصل على معيشتنا مما تمنحنا الحكومة إياه من معاش الضمان الاجتماعي، ولا أدري ماذا سيفعل هؤلاء الأبناء في المستقبل؟ إن المسكن لم يعد صالحا للاقامة فيه بعد عشرين سنة دون تعديل أو تبديل أو ترميم أو صيانة. في المنطقة الغربية ويشير علي أحمد حسن الحفيتي إلى أن منطقة صفد الغربية لا تقل أحوالها سوءا عن المنطقة الشرقية منها ويضيف: إن أهالي الغرب قد أقاموا مساكنهم قرب مزارعهم على نفقتهم الخاصة بانتظار أن تصل إليهم خدمات الدولة في الاسكان فصبحوا من سكان البيوت الشعبية التي تطورت كثيرا هذه الأيام وأصبحت أكثر سعة وراحة لسكانها. ويضيف: ان المساكن هناك في الغربية مبنية من الطابوق والخشب، وهي صغيرة لا تفي بحاجة الأسرة، لأن كل أسرة تضم ما بين 8 إلى 10 أفراد وهؤلاء يقيمون في غرفة واحدة بانتظار المساكن التي وعدوا بها منذ سنوات ولم تأت إليهم حتى الآن. ويتحدث عن تجربته في بناء مسكن فيقول: لقد حصلت على منحة نحو 200 ألف درهم من وزارة الأشغال ودفعت من جيبي مبلغا مماثلا كي أبني لأسرتي مسكنا ملائما وأصبحت أعيش هم الديون لكني رغم ذلك أشعر بأني أفضل حالا ممن يعانون بسبب سكنى الغرف الصغيرة وامتلائها بأعداد كبيرة من الأبناء كان الله في عونهم. ويقول سالم أحمد حسن (من سكان صفد الغربية) لقد تزوجت حديثا ومن أجل ذلك بنيت غرفة صغيرة على حسابي لكي أعيش فيها مع زوجتي إلى أن يأتينا المسكن الشعبي الذي طال انتظاره عند كل أهالي صفد. وقول شقيقه راشد: لدي 12 فردا هم أبنائي ولم أحصل على مسكن شعبي حتى الآن، لأن المنطقة لم تشهد منذ عشرين عاما أية مساكن جديدة فهي منسية تماما وكأنها غير موجودة، وخروجا من مأزق عدم توفر السكن أقمت غرفة على حسابي بمسكن أهلي بانتظار بحث طلبي بالحصول على مسكن شعبي، ولا أزال منتظرا وان كنت أتمنى ألا يطول انتظاري!! وتتعدد آراء أهالي صفد بقسميها الشرقي والغربي لكنها تتشابه في أن الجميع يعانون من غياب منطقتهم عن برامج الاسكان الشعبي الذي أصبح بالنسبة لهم حلما يراودهم في كل لحظة ولا يدرون متى يتحقق؟! تحقيق محمود علام: