اتاحت بلدية دبي لزوار الامارة فرصة الانطلاق إلى أحضان الماضي وخوض تجربة جديدة في التسوق لا تقل اثارة عن زيارة مراكز التسوق والمجمعات التجارية المنتشرة في أرجاء المدينة والمعروفة، برقيها وتنظيمها الفريد وأناقتها الخلابة وهوائها المكيف، الأسواق التقليدية المكشوفة والاستمتاع باسلوب التسوق في الهواء الطلق وفي أجواء تعيدهم الى أيام زمان. في سوق الجمعة الذي تنظمه بلدية دبي اسبوعيا في سوق الحمرية المركزي التقينا بالبائعين والمتسوقين في محاولة للتعرف على مدى نجاح التجربة، والوقوف على متطلبات الباعة والمتسوقين من البلدية على ضوء الاقبال المتزايد من العارضين وتزاحم الزوار والمتسوقين على معروضات السوق ومنتجاته المتنوعة التي شملت كافة المستلزمات الشخصية والكماليات المنزلية، فضلا عن المواد الغذائية والأجهزة الالكترونية، وطيور الزينة، والمشغولات اليدوية، والاقمشة، وغيرها.. كانت الحصيلة لقاءات عبر فيها أصحابها عن تقديرهم وشكرهم لبلدية دبي من ناحية وعن بعض ملاحظاتهم وما يطلبونه منها من أجل تطوير السوق واستمراريته بعد أن شهد حماسا من الجمهور الذي تبين لنا أنه كان متعطشا لمثل تلك الخطوة. فقد أشاد أحمد علي بجهود بلدية دبي في إحياء مظاهر التراث والعودة إلى الاصالة مشيرا إلى أن سوق الجمعة قد نجح في توطيد الصلة بين الاحفاد وتراث أجدادهم، وأثرى معلوماتهم عن طبيعة السوق الشعبية. وأضاف أن سوق الجمعه الذي يقام اسبوعيا في ساحة سوق الحمرية المركزي بات يتطلب مكانا أوسع وخدمات أكثر، بعد أن أتاحت لشريحة من ذوي الدخل المحدود أن يجدوا فيها بابا للرزق الحلال لاعالة أسرهم، كما أتاح للبعض الآخر شغل أوقات فراغه فيما هو مفيد من الأعمال بدلا من الجلوس بين الجدران الأربعة.. ومن الذين التقينا بهم في السوق عبيد الهويدي وهو من تجار سوق السمك جاء ليقضي في سوق الجمعة بعض الوقت بعد يوم عمل شاق يقول انه وجد في سوق الجمعة مكانا يستأنس فيه بلقاء معارفه القدامى وعمل صداقات جديدة، كما أتيحت له فرصة لبيع بعض مستلزمات الملابس الشعبية مثل «الغتر»، اضافة الى العسل والذرة المشوية. وطالب الهويدي المسئولين في بلدية دبي ان يخصص للسوق يوما الخميس والجمعة بدلا من يوم واحد حتى يتمكن المشاركون من تعويض حضورهم واعطاء الفرصة لمن يأتي من المناطق البعيدة وأن يكون السوق خاصا بالمواطنين لأن التجار يبيعون بضاعتهم بسعر متواضع، ويشير مبارك الى أن فكرة السوق في الاساس هى بيع الأشياء الشعبية والقديمة التي يستغني أصحابها عنها كما كان سوق الجمعة القديم ولكن أهم ما يتميز به السوق الحالي على حد قوله هو اتاحته الفرصة للرزق الحلال لمحدودي الدخل والتعرف على الزوار والالتقاء بالأصدقاء بدلا من الجلوس في المقاهي أو التسكع في المراكز التجارية، كما أتاح سوق الجمعة فرصة للتعارف بين أبناء الامارات المختلفة حيث يأتون للسوق من عجمان والشارقة وأبوظبي وغيرها من الامارات لشعورهم بالحنين لتلك الأسواق القديمة التي يفوح منها زمن الاجداد بكل ما فيه من اخلاص ووفاء وسماحة.. وطيبة. ضاحي مبارك من البحرين له دكان في سوق العرصة بالشارقة يبيع فيه التحف والاحجار الكريمة والانتيكات القديمة كالخناجر والسيوف ومع ذلك فهو يحرص على عرض بعض بضاعته بسوق الجمعة يقول ان السوق بدأ يأخذ شهرته وصارمعروفا وفكرة الأسواق الشعبية أفضل من الدكاين ولكن لو عملوا (صنادق) بايجار رمزي وعلى أن يفتح في الصيف فالفكرة تكون أفضل ورأيي أن يستمر السوق طوال العام مع شيء من التنظيم.. ويشير الى بعض الأسواق العربية كسوق الأحد في الاحساء وسوق الحراج في المنامة بالبحرين.. وهو سوق اسبوعي يقام كل يومي خميس وجمعة. فرص تعريفية بالمنتجات ويشير مبارك الى مجال معرفته بالأحجار الكريمة فيقول ان العقيق مثلا منه مايباع بخمسسين درهما وما قيمته تتجاوز الالف درهم.. والامر يرجع الى التشكيلات التي تتكون داخل الحجر.. والعقيق الأصلي موجود في اليمن وأحجاراليمن هي الأغلى.. يضحك عم مبارك وهو يقول رغم ان الناس تعتقد في أن للأحجار أسرار الا أنه لا يعلم الغيب الا الله. جاء من الفجيرة للقاء بعض الاصدقاء في سوق الجمعة بدبي ويؤكد ناصر محمد انه رغم وجود سوق في الفجيرة يقام كل يوم جمعة أيضا الا أن السوق المقام في دبي مختلف من نواح عديدة كوجود الأكلات الشعبية الاماراتية والعربية.. كما أن هناك تنوعا في الانشطة والمعروضات ويضيف الى أن عدم وجود رسوم أمر جيد من البلدية أدى الى تشجيع المواطنين لكي يبيعوا بأنفسهم ويقول انه جاء الى السوق لمشاهدته فالتقى قيه بالصدفة مع صديق من دبي لم يلتق به منذ فترة مما يؤكد أن السوق فرصة للقاء الأصدقاء وخلق صداقات جديدة وفي رأيه أن استمرار السوق طوال العام هو أمر أفضل لاستمراريته وإتاحة الفرصة للزائرين الذين يتكاثرون يوما بعد يوم. والتقينا خلال جولتنا في سوق الجمعة بمجموعة من الشباب كانوا ينتظرون استلام طلباتهم من بعض المأكولات الشعبية التي يتم تحضيرها آنيا على أرض السوق مثل خبز الخمير و لقمة القاضي وأنواعا أخرى من الخبز مع الحمص «النخي» منهم خميس سبيل الذي قال ان السوق فكرة تراثية رائعة فقد أعاد لنا أشياء جميلة تربينا عليها في طفولتنا وكادت أن تندثر ولذلك فانه يضم صوته الى المطالبين باستمرار السوق طوال العام.. ونحن نأتي هنا لنأكل تلك الأكلات الشعبية التي لاتعد في بيوتنا الآن كما كان يحدث زمان.. إضافة إلى أن هؤلاء النسوة يجدن في إعداد تلك الأكلات الشعبية مصدرا لرزقهن. أما فيصل احمد فيقول انه يتذكر الأيام القديمة مع هؤلاء الأمهات وأكلاتهن الشعبية وبملابسهن القديمة والبراقع فهم يذكروننا بالتراث الذي كاد أن يندثر مع انتشار المراكز التجارية الحديثة والحياة الحديثة التي تكاد تطمس القديم.. يقول أيضا انه لاحظ تواصلا للأجيال في السوق فالجيل الكبير رجال ونساء تجده يتميز بخفة الدم وطرافة الحديث وتبادله معنا بتبسط عكس التجار والبائعين من الجنسيات الآسيوية فالعلاقة بينك وبينهم هى البيع والشراء فقط بلا تواصل وحميمية.. يمكن القول بأن السوق فيه رائحة الماضي وعبق الأجداد. يقول صالح المزروعي ان السوق يحتاج الى أماكن لانتظار السيارات وسيارات الأ جرة لأنه بعد الساعة 11مساء يصعب أن تجد العائلات سيارة أجرة مع الازدحام ويشيد بالسوق لجمعه بين الجديد والقديم. ويرى يوسف المعمري أن السوق يحتاج الى مكان أكثر اتساعا ونظاما ويضاف إليه مقهى شعبي وأماكن لانتظار السيارات ودورات مياه ومظلات لحماية بعض الأنشطة التجارية كالمأكولات والملابس من الأمطار والرطوبة الشديدة. ويقول درويش الزعابي انه يأتي برفقة افراد عائلته من الشارقة خصيصا للمشاركة في سوق الجمعة حيث يعرضون بعض المشغولات اليدوية والعطور العربية ويبدي بعض الملاحظات التي يرجو ان يهتم بها المسئولون عن السوق ومنها الانتقال الى مكان اكثر اتساعا وايضا وان يشمل نشاط السوق يومي الخميس و الجمعة بدلا من يوم واحد حتى يتمكن الكثير من الموظفين من زيارة السوق في يومي اجازتهم الرسيمة وكذلك عمل بعض المظلات التي تحمي المتسوقين والتجار من اشعة الشمس والرطوبة مع استمراره طوال اشهر الصيف حتى يكون باب رزق لغالبية المتعاملين بالسوق من العارضين محدودي الدخل. كاريكاتير سوق الجمعة حتى الكاريكاتير وجد له مكانا في سوق الجمعة ويجد له زبائنه الذين يريدون من الفنان زهير اليحي أن يرسم لهم رسما طريفا يحتفظون به لذكرى زيارتهم للسوق مقابل ثمن زهيد ليرسمك في عدة دقائق وفي لقاء مع الفنان عبر عن شكره للمسئولين في البلدية لاتاحتهم الفرصة له لكي يتواجد في السوق دون مقابل مما يؤكد وعيهم بدور الفن حتى ولو كان في الأسواق الشعبية ويضيف بأنه وان لم يكن هناك مردود مادي كاف إلا أنه يوما بعد يوم سيكون للسوق الشهرة والانتشار مما سينعكس إيجابيا على الذين يسعون للرزق فيه لكنه يطلب هو الآخر مكانا يكون اكثر اتساعا واكثر تنظيما مع وضع بعض الاكشاك مع اضافة فعاليات جديدة تجذب الناس مثل الالعاب الشعبية في الخليج كالمراجيح ونط الحبل ويشير الى ان هناك تعبيرات وجوه مختلفة تستحق التسجيل في السوق و قد جاءتني سيدة تطلب رسمها بدون اظهار السمنة البادية عليها فقلت لها لا استطيع لان الكاريكاتير ليس تزييف للواقع بل المبالغة فيما هو واقع. ولا تندهش عندما تجد وجوها عديدة من أقطارنا العربية الشقيقة.. أتاحت لهم البلدية فرصة للرزق في سوق الجمعة. يختصر محمود أبوسعد من الجنوب اللبناني كلامه فيقول: أشكر المسئولين في بلدية دبي على فكرة السوق وعلى رأسهم سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية و الصناعة رئيس بلدية دبي وقاسم سلطان مدير عام البلدية. هذا السوق باب رزق لذوي الدخل المحدود وهو مشروع جيد لأنه منعهم من طرق أبواب الجمعيات الخيرية أو المسئولين.. فنحن هنا نكسب من عرق الجبين ولذلك.. فالدرهم يأتي من السوق بالحلال والبركة ويكفي أنه يسد بعض احتياجات الأسر محدودة الدخل ولكنه يضيف في رجاء يوجهه للمسئولين في البلدية بأن يستمر نشاط السوق يومي الخميس والجمعة.. وإحدى السيدات اللبنانيات هي أم خالد كانت تجلس مع ابنها الطالب بكلية عجمان في ركنها الذي تبيع فيه ملابس وإكسسوارات تقول إنها كربة بيت لجأت إلى سوق الجمعة لقضاء وقت الفراغ و كباب للرزق الإضافي الذي يعيننا على أعباء الحياة وكل ما ترجوه أم خالد من البلدية أن تقوم بعمل مظلات لحمايتهم من الشمس وكذلك يحتاج السوق الى متابعة بخصوص النظافة فلا توجد سلال للمهملات والنفايات ولا يأتي أحد من عمال لنظافة إلا قليلا.. وتؤيد انتقال السوق الى مكان أكثر اتساعا واستمراره أشهر الصيف فالناس إجازة يوم الخميس مما يتيح لهم الفرصة للمجيء الى السوق.. وطوال حديثنا معها كانت أم خالد تتوجه بالشكر والدعاء لبلدية دبي ومسئوليها «لاتاحتهم الفرصة للجميع حتى يكسبوا بالحلال ». الأسعار مناسبة محمد أنيس خضر (تاجر أحذية) يرى أن أهم ما يميز سوق الجمعة هو الاسعار الرخيصة المهاودة وهي سمة الأسواق القديمة في البلدان العربية وللأحسن يطلب من البلدية بعض التعديلات على السوق كعمل مظلات والتوسع في المساحة المخصصة لحمايتنا من الشمس ويضيف «ياريت لو عملوا تقسيمات خاصة بكل نشاط تجاري والتوسع في المساحة المخصصة.. واذاكانت هناك مظلات مع مكيف في الصيف ودفعنا تكاليفها مع تحملنا فاتورة الكهرباء فهذا أمر جيد مع استمرار السوق أشهر الصيف أيضا». وتتعدد الوجوه والجنسيات.. بنشاطاتها التجارية المختلفة في السوق.. وتكتمل الصورة عندما نستطلع آراء المرأة التي كان لها حضور مميز في سوق الجمعة وهذا موضوع آخر. وفي موقع سوق الجمعة الذي يقام اسبوعيا في ساحة سوق الحمرية المركزي التقينا حميد سعيد المري مدير ادارة الاسواق والمقاصب الذي قال ان سوق الجمعة فكرة لسيت جديدة لأن مثل هذه الأسواق الشعبية موجودة في دبي منذ الأربعينيات و في دول الخليج المجاورة وهناك سوق الجمعة الموجود في الفجيرة أيضا ومثل تلك الأسواق موجود في أوروبا أيضا وقد فكرنا في ضرورة وجود سوق تراثية فأخذنا آراء الناس بشأنها من مواطنين ووافدين واخترنا المكان على أساس أن يكون في سوق الحمرية المركزي الذي يتوسط منطقة سكنية ووجود ساحة. خالية به ورأينا أن نقوم بالتجربة التي بدأنا فيها في شهر نوفمبر الماضي وكانت التجربة كلها تحت الدراسة وقد حرصنا أن يكون بالسوق المشغولات اليدوية والأكلات الشعبية في قسم والتجار في قسم آخر وقد رصدنا السلبيات منذ الأسبوع الأول للعمل على تلافيها ويمكن القول أن السوق أصبح له رواده وزواره.. ولاشك أننا حرصنا على أن يكون سوق الجمعة أحد مصادر الدخل الاضافي للناس البسطاء من ذوي الدخل المحدود وخاصة من السيدات والمتقاعدين وأذكر أن احدى السيدات من حتا جاءت السوق الساعة الثالثة وفي الساعة الثامنة حملت أغراضها لترحل فسألناها عن السبب فقالت انها في الاسبوع الواجد كانت تبيع بخمسين درهما ولكنها في خلال الساعات التي قضتها في سوق الجمعة باع بخمسمئة درهم. التجربة تحت الدراسة وأضاف حميد المري قائلا ان تجربة سوق الجمعة مازالت تحت الدراسة وخلال الأسابيع الماضية قمنا بتوزيع استبيانات على الجمهور وعلى التجار في سوق الحمرية المركزي لأخذ رأيهم بالنسبة للمساحة ولموقع السوق وهل ننقل السوق الى مكان آخر أكبر بمساحة أكبر وهناك آراء مختلفة وليس علينا سوى الرصد وأخذ رأي الأغلبية.. فاذا كان رأي الأغلبية من التجار والجمهور والمستأجرين بأن يبقى السوق مكانه فليس أمامنا الا الابقاء على السوق مكانه في ساحة سوق الحمرية المركزي مع تطويره أما اذا كان الرأي مع نقله فاننا في هذه الحالة ندرس هذا الأمر.. وبالنسبة لاقتراح استمرار السوق في أشهر الصيف فالأمر صعب بالنسبة للمتسوقون والتجار لشدة الحرارة كما هو معروف والسؤال هو: هل لووافقنا على استمرار العمل في الصيف سيكون المتسوقين مستريحين؟ على كل حال هذا أمر مازال موضع الدراسة من قبل البلدية وسيعرض هذا الأمر كأحدى التوصيات التي سترفع الى مدير عام البلدية في تقريرنا المتعلق بالسوق مع اقتراح استمراره يومي الخميس والجمعة بدلا من الجمعة فقط وكما يطالب بذلك المستأجرون.. أما فيما يتعلق بتخصيص أماكن للأطعمة والمأكولات وأماكن أخرى للملابس والأحذية والمشغولات فالتنظيم مهم ونحن قادرون عليه ولكن السوق الشعبي لا يحتاج الى تنظيم بل أن يصبح متداخلا وعشوائيا كما لا ننسى أن التخصيص والتنظيم سيؤدي الى احدى السلبيات وهى أن المترددين عليه سيتوجهون مباشرة الى الغرض الذي جاءوا من أجله ثم يخرجون دون رؤية الأماكن الأخرى ولذلك هذه احدى السلبيات ونحن مقتنعون بأن ارضاء الناس غاية لاتدرك.. ولكننا نميل الى جعله كما هو متداخلا وغير منظم من حيث توزيع الأنشطة التجارية والمأكولات الشعبية وغيرها.. واختتم حميد المري قائلا ان السوق أصبح يعرفه السائحون باعتباره أحد الواجهات السياحية التراثية وسوف يوضع العام القادم على خارطة أنشطة وفاعليات مهرجان دبي للتسوق لعام 2002 وهو ما سيجعله يشهد تطورا واقبالا كبيرين من الجمهور والتجار.