تعتبر كل من «اذن» و«الغيل» من المناطق الجبلية السكانية المهمة في امارة رأس الخيمة ومع ذلك فان المواطنين بها يرزحون تحت وطأة متاعب لا حصر لها سببها العطش. ويقول سيف بن راشد المزروعي امير منطقة الغيل كنا نعتمد على الابار الجوفية في الحصول على حاجتنا من المياه ولكن نظرا لشح الامطار فان المياه الجوفية جفت من طبقات الارض القريبة وغارت إلى اعماق سحيقة. ويضيف المزروعي وهو من القبيلة ولديه خبرة واسعة في الحياة: لقد حاولت الوزارة في اوقات سابقة تلافي المشكلة بحفر المزيد من الابار الجوفية ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل لسبب بسيط وهو ان اختيارها لمواقع الحفر لم يكن موفقا فضلا عن انها لم تلجأ للوصول إلى الاعماق التي تمكنها من بلوغ مخزونات المياه المطلوبة وانما تكتفي اجهزة الحفر ببضع عشرات من الامتار. وبدا الامير المزروعي عاتبا على وزارة الكهرباء والماء والتي تحولت الان إلى الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء لانها لم تقم باستشارته عندما تزور المنطقة لحفر الآبار. ويقول في هذا الصدد ان اهل مكة هم أدرى بشعابها فنحن نعرف اين المواقع التي تزخر بالمياه وكذلك الاعماق المطلوبة، واما ما تقوم به الهيئة فنحن نعتقد انه يمثل هدرا للوقت والمال لانه لا يحقق المنفعة المرجوة. وقرية الغيل الجبلية تتكون من 400 بيت موزعة على ثلاث شعبيات ومجموعة من البيوت التي هرب منها اصحابها إلى الاراضي الجبلية المرتفعة وأكوام الرمل الناعمة، وخلال السنوات الاخيرة عانت القرية من الجفاف الذي ضرب المنطقة بأسرها وقد كان من نتائج ذلك حدوث تدهور مريع في مخزون المياه الجوفية، ويقول راشد السعدي وهو مراقب مضخة المياه التي تسقي الغيل: مع بروز المشكلة حدث انخفاض في منسوب مياه الابار الجوفية التي كان يعتمد عليها في سقي الاهالي ومع مرور الوقت اخذت الابار الجوفية تعاني من الجفاف فوصل الامر إلى استبدالها ببئر واحدة حفرها صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم رأس الخيمة وزودها بمضخة تعمل بالطاقة الكهربائية. وبالرغم من كل ذلك فان ظاهرة شح المياه الجوفية تمنع مضخة الغيل الوحيدة من العمل بكامل طاقتها ولذلك تستقبل المساكن كميات قليلة من المياه ولكن ليست تلك هي المشكلة الوحيدة التي تؤرق الغيل النائمة في حضن الجبال بل ان المياه التي تدخل المساكن مشبعة بالملوحة الامر الذي يجعلها غير صالحة للشرب وانما للاستخدامات الاسرية الاخرى مثل الطبخ وغسل الاواني والملابس ومرافق الخدمات بالمنزل وسقي الحيوانات. ويذكر السعدي ذلك الماء بالرغم من علاته العديدة فهو لا يدخل جميع البيوت وانما يكتفي بالوصول إلى المواقع الواطئة. ويقول محمد بن راشد بن سيف الذي يضع على ظهر سيارته «بيك اب» صهريجا دائما لنقل الماء إلى اسرته نعمل على تسخير كل امكاناتنا لسد احتياجاتنا الاسرية. ويضيف حاليا نعتمد على بئر جوفية في وادي نبيخة هي التي توفر لنا الماء العذب الصالح للشرب. ومن وجهة نظر بن سيف وهو شقيق الامير فان وادي نبيخة بما يحوي من مخزون ضخم من المياه العذبة يمكن ان يساهم في حل ازمة العطش التي تعاني منها المنطقة بأسرها. ويقول: انصح الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء ان تستثمر ذلك الوادي إلى اقصى حد ممكن وذلك بحفر مجموعة من الابار الجوفية وتركيب المضخات وعندئذ سيجد اهالي المنطقة انفسهم يعيشون في بحر من المياه الحلوة. وبالرغم من مقدرة بن سيف على جلب المياه الحلوة لاسرته الا انه بدا خائفا من المستقبل اذ يقول في هذا الصدد لقد تقدم بنا العمر ووارى الشيب سواد شعورنا ولذلك فان الذي نخشاه هو ان يدركنا الاجل المحتوم ونحن نركض بحثا عن قطرات الماء. ولم ينس محمد عبيد راشد شهباري افضال الدولة على مواطنيها بل يشيد بجهودها الواسعة من اجل تقديم خدمات متطورة لجميع المواطنين بما في ذلك الذين اتخذوا مساكنهم بالمناطق الجبلية. ويقول: اذا كنا نعاني حاليا من ضائقة المياه فان اساس المشكلة هو شح الامطار التي هي من عند رب العالمين. ولكن شهباري يرفض الاستسلام الذي ليس من اخلاقيات الانسان المسلم وانما المطلوب هو السعي المسنود بالتوكل على الله. ويقول: ارى ان الضرورة تقتضي طرق كل الابواب المتاحة في سبيل الحصول على الماء الذي يعد عصب الحياة ونعمة من نعم الله على البشرية ولا تستقيم الحياة بدونه بل في غيابه هلاك واضرار بالناس والحيوانات والزراعة وبمعنى اخر فان الحياة لا قيمة لها ويمكن ان تنقرض مع زوال الماء. ونتيجة لتفاقم ازمة المياه فقد اضطر عدد من المواطنين لحفر آبار جوفية في عقر ديارهم اعتقادا منهم بأن من شأن ذلك ان يجعل اسرهم على الاقل بمنأى عن المشكلة ولكن تبين لهم ان المعاناة لم تنته. ويقول عبيد علي المزروعي وهو احد الذين نفذوا تجربة آبار البيوت انها كانت مجرد محاولة للخروج بالاسرة من الازمة ولكن الامر لم يتغير وان اصبح كحال المستجير من الرمضاء بالنار. ويضيف تلك الابار الخاصة تعطي ماء مالحا وبكمية قليلة يمكن ضخها خلال فترة زمنية لا تتجاوز الخمس دقائق ومن هنا يتضح عدم جدوى تلك الابار الجوفية التي حفرت إلى جوار البيوت. والامر الملفت للانتباه هو توزيع مجموعة من المساكن الشعبية وعددها 35 مسكنا لمواطني الغيل وأذن بالرغم من خلوها من الماء. وطبقا لما ذكره سالم بن غازي فان المنتفعين بتلك المساكن عجزوا عن الانتقال اليها لانهم لا يريدون ان يحكموا على انفسهم وأسرهم بالموت عطشا. ويقول بن غازي الغريب في الامر هو ان الوزارة المنفذة لمشروع المساكن الشعبية تشترط على المستفيدين الانتقال اليها في غضون شهرين من تاريخ استلام المفاتيح والا فانهم سيتعرضون لاجراءات عقابية، ونحن بدورنا نتساءل هل يعقل ان ننتقل إلى مساكن لم تصل اليها خدمات المياه؟ ومشكلة المساكن الشعبية الجديدة هي امتداد لما تعانيه الاحياء السكنية القديمة بمنطقتي أذن والغيل حيث انها كلها تعيش الجفاف الناجم عن عدم توفير الماء. ويقترح محمد عبيد المزروعي على الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء عندما تعجز في الوصول إلى مصادر المياه التي تبدد جفاف البيوت اللجوء لتطبيق اسلوب «التناكر» المتحركة التي تنقل الماء إلى الاسر. ويقول المزروعي نحن في اشد الحاجة للبيوت الشعبية التي فرحنا باستلامها من الوزارة لانها كانت المخرج الوحيد بالنسبة لنا من مساويء المساكن القديمة والتي ضاقت بنا وكنا نخشى سقوطها على رؤوسنا ونحن نائمين ولكن يبدو من الواضح الان أنه مكتوب علينا الانتقال من مأساة إلى اخرى.
