لم يكن التعليم سابقا مرتبطا بسن معينة، او بالتحديد لم تكن له مراحل دراسية محددة بالسنوات، ايمانا منهم بأن العلم يطلب من المهد الى اللحد، وهذا هو ما نسميه في زماننا بالتعليم مدى الحياة او التعليم المستمر. لكن مع ذلك فان الاباء والامهات ومعلمي الكتاتيب كانوا حريصين ان يعلموا الاطفال مباديء القراءة والكتابة واحكام الصلاة والصوم في وقت مبكر في حياتهم، وفي الغالب ان تعليمهم كان يبدأ مع سن التميز او قبلها بقليل ويمتد الى سن البلوغ وربما الى سن الرشد. كان هذا التعليم فرض كفاية، او بعبارة اخرى لم يكن الزاميا وانما كانوا يسترشدون بالاية الكريمة «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون» وكانوا يكررون على مسامعهم الحديث النبوي الشريف: طلب العلم فريضة، ويستشهدون بقول الشاعر: العلم مغرس كل فضل فاجتهد ان لا يفوتك فضل ذاك المغرس ان الخلي من العلوم مقامه عند النعال له صموت الاخرس كانت هذه الآثار تردد على مسامع الاطفال بدافع التحبيب والتشجيع، فكانوا يستجيبون لتلك التوجيهات الكريمة حبا في الله ورسوله، ورغبة في العلم الذي كان بمثابة نور يخترق استار الجهالة. نعم يفعلون ذلك ولم تكن الحاجة ملحة بأن يتعلموا كما هي الحال اليوم، حيث ان الذي لايكمل تعليمه لايجد له عملا مناسبا، او لايستطيع ان يتكيف مع الحياة. وربما تطور الموقف الى ابعد من ذلك حيث تقوم الدول باصدار قوانين صارمة تنص على الزامية التعليم في دساتيرها. هذه الالزامية لم تنبع من فراغ، اذ ان الحكومات واجهت مشاكل متعددة من جراء تهاون ابنائها في التعليم او في اكمال المسيرة التعليمية. ان التعليم اليوم كما قلنا لم يعد رغبة وهوسا، بل اصبح هوية وجواز سفر وبطاقة صحية، وخبرة عملية وكفاية وظيفية ومؤهلا. فيا ترى كيف يلتحق الطالب بالجامعة اذا لم يكن قد استوفى متطلبات القبول؟ او كيف يشغل الوظيفة الفلانية اذا لم يكن قد درس التخصص الفلاني؟، او كيف يتوظف اذا لم يكن قد درس؟ او كيف يعمل اذا لم يكن قد درس اساسيات العمل وطرائق التعامل مع الحياة؟ هذه التساؤلات طرحت نفسها بنفسها مع مستجدات ومتغيرات العلم المعاصر والا فان حياة الآباء والاجداد لم تكن تتطلب مثل هذه التعقيدات لانها كانت تعتمد على اعباء جسمية لا فكرية. لذلك فان الولد كان يساعد اباه في نقل الحطب والحرث والزراعة والغوص والحدادة وما شابه ذلك،، والبنت كانت تساعد امها في الطبخ والكنس والخياطة وحمل قرب الماء والرعي وهكذا. هذه الاعمال والمهن لم تتطلب الشهادات العلمية، بل ممارسات عملية، وكانوا يكتسبونها فعلا من خلال التقليد والمرافقة لذويهم ليلا ونهارا. اما اليوم فقد اختلفت وجوه الحياة، حيث اصبح العلم مفتاح التعرف الى الحياة والحياة لم تعد كنسا بجريد النخل، والطبخ لم يعد ايقاد حطبات تحت القدر، والخياطة لم تعد حياكة يدوية بدائية. انما اصبحت الحياة مكائن وادوات واجهزة تصنع بالفكر، وتدار وتحرك بالازرار الالكترونية. هذه الاجهزة والالات تعمل في سرعة هائلة مما وفرت الكثير من الوقت والجهد والعناء. واطفال اليوم يولدون علماء، بمعنى انهم يرضعون حب العلم، ومواكبة التطورات العالمية مع لبان امهاتهم. اذن كان ولابد ان نستغل طاقاتهم، ويستثمر وعيهم لمصلحة الحياة، وتوجه قدراتهم ومواهبهم نحو المفيد. اذا كان كذلك فانه لابد من ان تقنن سنوات عمرهم، فتقسم الى مراحل لكي يستطيعوا ان ينجزوا في كل مرحلة شيئا معينا. وعلى سبيل المثال فان الطفل في مرحلة الطفولة لايستطيع ان يقوم بأعمال مثل اعمال والده، لكنه يستطيع ان يدرس ويتعلم، لانه مولع بحب التقليد. وما يستطيع ان يستوعبه الطفل البالغ غير الذي يستوعبه الطفل المميز او من هو في سن ما قبل سن التمييز. من هنا جاءت فكرة تقنين العمر، وتقسيم مراحل التعليم، فأجمع العلماء في العالم بأن الطفل في سن الخامسة والسادسة يستطيع ان يتعلم مباديء القراءة والكتابة. ولكي يدرس دراسته الجامعية لابد ان يكون قد تجاوز سن البلوغ، وبلغ سن المراهقة او الرشد. وهذا يعني انه سوف يستغرق 12 سنة تقريبا حتى يصل الى سن الرشد الاولى التي هي 17 سنة، او الثانية التي هي 18 سنة او 20. وبما ان العلم منه المفاتيح ومنه غير ذلك فان دول العالم ابتدأت بمرحلة سمتها الابتدائية وبعدها المتوسطة وبعدها الثانوية ثم الجامعة، وربما لم تتقيد بهذه التسميات لكنها قسمتها وهميا هذا التقسيم فقالت الصف كذا ويفهم منه بأنه تجاوز المرحلة الابتدائية او الاعدادية مثلا. ويلاحظ ان دول العالم كلها تجمع على ان سنوات الدراسة ما قبل الجامعة 12 سنة. وقليل منها جعلتها 10 سنوات او 11 سنة او 13 سنة. ثم يلاحظ ايضا انهم لم يتفقوا على عدد السنوات في كل مرحلة تعليمية. وعلى سبيل المثال فان السلم التعليمي في المملكة المتحدة يعني 6 سنوات و5 سنوات وسنتين المستوى المتقدم، اي مجموعها 13 سنة. وفي الولايات المتحدة الامريكية 8 سنوات و4 سنوات، اي مجموعها 12 سنة. وفي الصين 6 سنوات و3 سنوات و3 سنوات اي مجموعها 12 سنة. وفي ألمانيا 4 سنوات و5 سنوات و4 سنوات اي 13 سنة. وفي ماليزيا 6 سنوات، و3 سنوات وسنتين، اي مجموعها 11 سنة. وفي اليابان 6 سنوات، و3 سنوات و3 سنوات اي بمجموع قدره 12 سنة. وفي الدول العربية الاعضاء في جامعة الدول العربية 12 سنة مع اختلاف في عدد سنوات كل مرحلة. على سبيل المثال فان دول الخليج 6 سنوات و3 سنوات و3 سنوات باستثناء الكويت حيث انها 4 سنوات و4 سنوات و4 سنوات. وفي الاردن 10 سنوات وسنتين، وفي لبنان 5 سنوات و4 سنوات وثلاث سنوات. هذه الاختلافات في تحديد سنوات كل مرحلة ليست جريمة لكي تنتقد وزارات التربية عليها، ولكنها سياسات ورؤى للدول تتخذ ازاءها قرارات تمشيا مع الاستراتيجية العامة للتربية. لذا فمن حق اي وزارة تربية ان تغير سلمها التعليمي متى وجدت ان غيرها يتكيف مع الوضع العام اكثر. واعتقد ان هذا هو ما حصل في دولة الامارات حيث رأت ان تغير السلم من 6 و3 و3 الى 5 و4 و3. وتسمى الصفوف التسع الاولى بالتعليم الاساسي وبه تصبح المرحلة الالزامية في دولة الامارات تسع سنوات وليست ست سنوات. وانني وان لم اكن مسئولا عن التغيير واتخاذ القرار الا انني اجد ان مرحلة التعليم الالزامي يجب ان تتغير الى الاعلى نظرا لان الكثير من الطلاب يتسربون من المدارس ويلتحقون بالعمل في سن لاتخدم مجال العمل قدر ما تخدم مجال التعليم. اذن فان التعليم الاساسي والالزامي عندما يصبح 9 سنوات له ما يبرره، وعلى وزارة التربية الآن ان توعي المجتمع بأن السادس الابتدائي لم يعد نهاية المرحلة، بدليل ان الابتدائية 5 سنوات الآن. ومن يترك دراسته وهو لم يكمل الصف التاسع فكأنه لم يدرس لانه تسرب في اثناء المرحلة وليس في نهاية المرحلة. اما اعتراض الناس على تغيير عدد السنوات من 6 الى 5، ومن 3 الى 4 ففي اعتقادي انه اعتراض في غير محله، لاننا في الامارات كنا ندرس قبل الاتحاد نظام السلم التعليمي في الكويت وهو 4 و4 و4، ثم تغير مع الاتحاد ولم يعترض عليه احد، والنظام الذي اخذت به الامارات اليوم موجود في لبنان. اقول لكم لا تختلفوا على القشر الخارجي كثيرا لان الجوهر اهم من ذلك، فاذا كان هذا التغيير يؤدي الى معالجة الرسوب ويخدم توطين الهيئة التدريسية، ويحد من الكثافة الصفية ومراعاة الفروق الفردية، ويوجد انسجاما بين الفئات العمرية وغيرها من الهموم التي تثقل ظهر وزارة التربية فمرحبا بالجديد، أليس كذلك. د. عارف الشيخ