عندما نتأمل في صفحات الكون ابتداء من خلق ابينا آدم عليه السلام حتى يومنا الذي نعيشه نجد ان الحياة عبارة عن لوحات قدرة الهية مرسوم عليها بريشة القدر وجوه من الخير ووجوه من الشر. هذه لوحات لا تشبه لوحات فنانينا التي تحمل عدة صور ورسومات واشكال قد احاطوا بها علما وخبرا، لانهم رسموها بأيديهم. اما لوحات الحياة فبما انها رسمتها يد القدرة الالهية نجد بها مجموعة من الصور والاشكال والالوان، لكن من غيرنا يعرف انها للخير او انها للشر. نعم ربما يقول بعضكم ان الخير بين، وان الشر بين، لكني اقول: لست اعني ذلك الخير البين ولا ذلك الشر البين، بل الامور المشتبهات التي بينهما. ألا ترى ان كثيرين من الناس تحكمون عليهم بأنهم صالحون، او انهم من اهل الخير، لكن يتبين بعد ذلك انهم ليسوا كذلك؟ كما ان كثيرين منهم تحكمون عليهم بأنهم فاسدون، او انهم من اهل الشر، ثم يتضح انهم ليسوا كذلك. اذن فان لوحاتكم من صنع ايديكم، تتحكمون فيها لان لكم علما بمحتواها لكن اللوحات الالهية لستم بصانعيها بل قارئيها لذلك فانكم تخطئون في الحكم على محتوياتها وكان اولى بكم ان تعملوا بالمثل القائل: دع الخلق للخالق. ولكي يتضح لكم مغزى هذا المثل استمعوا الى الحديث النبوي الشريف الذي يقول: «ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار، فيدخلها. وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار، حتى لايكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل اهل الجنة، فيدخلها». هذا الحديث نفهم منه بأن كل انسان يوجد فيه نازعان، نازع للخير ونازع للشر، فعندما يولد ويبدأ يكبر، يكبر معه هذان النازعان ايضا، ويظل الصراع بينهما حتى يغلب احدهما الآخر، بفضل التوجيه الذي يتلقاه. من هنا جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول لنا: «كل مولود يولد على الفطرة لكن ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه» ويعني هذا ان الطفل صفحة بريئة قابلة للتلون ولاسيما بأول لون يتلقاه. وعلى سبيل المثال فان امام المسجد بحكم بيئته الدينية يحفظ ولده القرآن والحديث، والفنان او المغني يدرب ولده على حفظ الاغاني وتأليف الكلمات وتلحينها لكن ذلك لا يكفي لكي نحكم على هذا او ذاك، فربما انقلب ابن الامام الى مغن، وربما انقلب ابن الفنان الى امام، وقديما قال الشاعر الشعبي: ظننت ظنا فخاب ظني ظننت شيخا طلع مغني أقول هذا والشواهد كثيرة، فأمامنا عدد من الفنانين والفنانات، بالامس كانوا نجوما في ميادين التمثيل والغناء كما يقولون، واليوم صاروا دعاة في مجالس الذكر وحلقات الدرس. هذه التقلبات التي نشهدها على صفحات الحياة تزيدنا يقينا بأن كل انسان في نفسه نازعان، نازع الخير ونازع الشر، والناس مختلفون فيهما كما وكيف. فبعضهم ينطبع بطابع واحد منهما ويأخذ فترة طويلة ثم ينتقل الى النازع الآخر، وبعضهم متقلب المزاج، يتلون في آن واحد، فيتظاهر بطابعين، مما يجعل من الصعب ان نحكم عليه. لكن المجرب ان الذي يغلب عليه طابع الشر، يمارس الشر ويدافع عنه في الظاهر بحكم ولعه به، الا انه في قرارة نفسه غير مقتنع به، فهو ينوي في نفسه الاقلاع عنه لكن لسبب ما كالعناد، او لظروف مادية، او اجتماعية، او لانه لا يجد تشجيعا يستمر في طريق الشر. انظر الى ابي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا حيث انه لم يكن مقتنعا بالكفر، وكثيرا ما كان يقف مع الرسول ضد قريش، ويدافع عنه، بل واكثر من ذلك ذهب ليقول على الملأ: ولقد علمت بأن دين محمد من خير اديان البرية دينا قال ذلك، وكان الرسول ينتظر منه كلمة لا اله الا الله في آخر لحظة من عمره، لكنه لم يقلها، لان اهل قريش كانوا يحيطون به الى آخر لحظة، وكان خوفه منهم، او مداراته لهم، او عناده يلازمه الى لحظة مفارقته للحياة. هذا النوع من البشر نطلق عليه انه غير موفق لانه لو كان موفقا لهداه الله الى كلمة الخير، والتوفيق توفيقان: توفيق هداية وتوفيق ارشاد. فرجل كوحشي بن حرب الذي قتل حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وفقه الله توفيق هداية، والا فمن اجبره على الاسلام؟ في حين انه نال جائزته على قتل حمزة عم رسول الله. ورجل كأبي طالب لم يوفقه الله لا توفيق هداية، ولا توفيق ارشاد، رغم ان الرسول حاول معه الى آخر لحظة، لكن لم يفد. ورجل كعمر بن الخطاب وفقه الله للاسلام توفيق هداية وارشاد، وكان الفضل لاخته وزوج اخته وهكذا والامثلة كثيرة. وانني أود ان استخلص من هذا ان التعليم وحده او التربية وحدها لاتكفي لضمان الجنة، بل لابد من هداية الله لعبده. ألا ترى ان موسى بن عمران الذي تربى على يد فرعون صار نبيا، وموسى السامري الذي رباه جبريل صار مشركا يعلم الناس عبادة العجل. ونعود نقول ان الهداية شأنها شأن المواهب والقدرات الكامنة في نفوس الاطفال الصغار حيث انها موجودة فيها بنسب متفاوته فبعضها تخرجها الى حيز الوجود اشارة من مدرسي مواد الانشطة. وبعضها تبقى خامدة كسولة طيلة فترة الدراسة، لتخرج فيما بعد من خلال ممارسته لهوايات حرة لم تخضع لدراسة ولا لتدريب او تخمد ولا تخرج. ونقول ايضا ان الانسان تظل بينه وبين الهداية شعرة واحدة مهما تعالى وتجبر، وهذه الشعرة هي القناعة النفسية بأن الخير يغلب الشر مهما يطل عمر الشر، فاذا اقتنع فانه يعود للخير وكأنه لم يعرف الشر ابدا. وكثيرا ما يحدث انه عندما يهتدي الى صواب يضحك على نفسه من تصرفاته، كما روى لنا عمر بن الخطاب عن نفسه عندما قال: كنا نصنع الآلهة من الحلوى، واذا جعنا أكلناها. هذه القصة لم تكن مضحكة في نفس عمر قبل ان يسلم، لانه كان مقتنعا بأن الآلهة التي تعبد يمكن ان تصنع من الحلوى ويمكن ان يصنعها هو بيده ثم يعبدها، ويمكن ان يأكلها متى جاع. لكنه عندما أسلم اقتنع بأن المعبود يجب ان يكون اقوى من العابد، كي لا يقع تحت تأثيره ذهب يسخر من تلك التصرفات التي صدرت منه في يوم كان مشركا. وبالمناسبة فان الطبيب المعالج ايضا يجب ان يكون قادرا على اقناع المريض نفسيا اولا بأن الدواء هو علاجه والا فانه لن يتقبل منه النصح، ولن يرتاح لعلاجه. ويروى في هذا المقام ان اثنين ناما في حجرة فكان احدهما يشعر بالحر فيقوم ويفتح النافذة والآخر يشعر بالبرد فيقوم ويغلقها. وعندما لم يجد الذي يشعر بالحر سبيلا الى فتح النافذة، رماها بنعاله فسمع صوت زجاج قد تكسر، فارتاحت نفسيته بأن النافذة قد تكسرت وبالفعل شعر بالهواء البارد يدخل عليه فنام. وعندما قام في الصباح الباكر وجد النافذة في مكانها والصوت الذي سمع كان صوت المرآة المعلقة بجانب النافذة قد تكسرت. جلس عندئذ يفكر ويحلل الموقف، كيف سمع صوت الزجاج، واقتنع به انه زجاج النافذة ومن اين جاءه الهواء البارد؟ هداة تحليله الى ان قناعته هي التي اراحت نفسيته وجعلته يشعر بأن الحاجز زال. أقول لنقتنع اذن بأن زخارف الدنيا هي بهارج، وان الكثيرين الذين يلهثون وراء المنصب والشهرة وجمع المال بطرق غير مشروعة يجرون وراء السراب، وفي الوقت الضائع سوف يتبين لهم انهم كانوا مخدوعين، أليس كذلك؟