الطفولة هي صانعة المستقبل، وأطفال اليوم مصدر الطاقات البشرية لكل أمة مستقبلا، وبات جليا ان فرص دخول المجتمع العربي كشريك فاعل في صنع المستقبل رهن بمدى ونوعية السياسات الموجهة لتربية، وتثقيف الأطفال سيما في هذا العصر الذي تبدو بعض ملامحه واضحة عبر سرعة التغير والانفجار المعرفي وثورتي المعلومات والاتصالات وما أدتا إليه من عولمة أحدثت تغييرات جذرية في حياة الأفراد، وما يتبع ذلك من تحديات تواجه مجتمعنا العربي. عن ذلك وكيفية الاهتمام بثقافة الطفل العربي والتحديات التي تواجه مجتمعنا العربي في عصرنا الراهن وأثرها على الطفل يقول الدكتور أحمد حسين المدرس بجامعة الامارات: ان مصطلح الثقافة يشير إلى ما يتصف به مجتمع أو فئة اجتماعية من سمات روحية ومادية وفكرية وعاطفية، والمتمثلة في اللغة والمعتقدات والفنون والآداب والقيم والعادات وطرائق الحياة والحقوق الاساسية للانسان، وثقافة الطفل تمثل احدى الثقافات الفرعية في المجتمع فهي جزء من ثقافة المجتمع ولكنها ليست نسخة منها، حيث تتفرد بمجموعة من الخصائص والسمات التي تلبي حاجات الأطفال في كل مرحلة من مراحل نموهم، ومن ثم فإن ثقافة الأطفال ليست مجرد تصغير للثقافة العامة في المجتمع، بل هي كيان متميز خصوصية في عناصره وبنائه. البيئة الثقافية .. نقطة البداية وأضاف الدكتور أحمد حسين ان الثقافة تملك القدرة على تشكيل الشخصية الانسانية وفق خصائص هذه الثقافة وفي الاتجاهات التي تحددها، بل وتؤكد النظريات الحديثة ان البيئة الثقافية هي نقطة البداية في دراسة السلوك الانساني، كما ان التكوين الثقافي للانسان بمرتكزاته العقائدية والقيمية والسلوكية والمعرفية هو الموجه والمؤثر في حكمه على الآخرين وفي تفاعله مع المتغيرات من حوله وفي مواقفه وآرائه، لذا فإن ثقافة الأطفال تعد ضرورة ماسة حيث ان شخصياتهم لا تزال في طور التكوين وسلوكهم مازال يقبل التعديل والتوجيه، ومن ثم يمكن ان نهيئ لهم كل أسباب النمو الحضاري السليم، والذي يضمن لهم التفاعل مع معطيات المستقبل ومواجهة التحديات. كما أن الاهتمام بثقافة الطفل أصبح الطريق الأمثل لتأمين مستقبل المجتمع العربي والمحافظة على هويته التي يتهددها الذوبان في ظل العولمة المعاصرة، ومحاولات التقريب المستمرة. تحديات معاصرة وأوضح الدكتور حسين ان مجتمعنا العربي يواجه في عصرنا الراهن جملة من التحديات منها التحدي الاعلامي الذي يسهم في صياغة العقول البشرية بكافة وسائله، ويملك الإعلام الغربي والأمريكي 90% من حركة الإعلام المتدفق بين أرجاء العالم، ولا يخفى على أحد ما يواجهه مجتمعنا العربي من زحف وغزو ثقافي غربي، وإضافة إليه هناك التحدي العلمي والتكنولوجي، حيث يتصف العصر الذي نعيشه بأنه عصر العلم والتكنولوجيا، ومن يملك هذه الأدوات يملك القوة والسيطرة على الآخرين، والمجتمعان الأمريكي والغربي يملكان هذه الأدوات، ومجتمعنا العربي إن لم يستطع المشاركة في هذا السباق العلمي والتكنولوجي لن يكون شريكاً في المستقبل، وسيقع في مصيدة التبعية والانقياد كما أنه التحديات الاخلاقية والاقتصادية والصحية. وعن كيفية رصد أثر هذه التحديات على ثقافة أطفالنا العرب يتابع مدرس أصول التربية بجامعة الامارات قائلا: ان جملة التحديات التي ذكرت يمكن ترجمتها إلى واقع ملموس يشير إلى نجاح الغرب في غزو مجال ثقافة الطفل العربي من خلال أفلام الكرتون والعنف ومجلات الأطفال ولعبهم وكتبهم، وفيما يلي رصد لهذه المحاولات: أفلام الكرتون على سبيل المثال تأتي في مقدمة المواد الإعلامية التي يحبها الأطفال نظراً لما تتميز به من عرض للصور والرسوم والمغامرات والواقع يشير إلى ان أفلام الكرتون الأجنبية تحتل الغالبية العظمى مما يعرض على شاشات التلفزيون العربي ومعظم هذه الأفلام غربية الصنع، يهودية الهوية لا تتناسب والطفل العربي لأنها تروج لأفكار وسلوكيات ومفاهيم لا تتفق ومعطيات الثقافة العربية الأصيلة ومن ذلك أيضا أفلام العنف حيث يعرض التلفزيون العربي أفلاما ومسلسلات أجنبية تحتوي على عناصر ضارة بالأطفال ومن هذه الأفلام ما يسوده من مناظر العنف والتعذيب والخطف والقتل والاغتصاب، ومنها ما يعرض الانسان الخارق الذي يقوم بمغامرات لا حد لها، ومنها ما يعتمد على اثارة الجنس وجعل المرأة أداة مجردة من كرامتها وهو ما يؤدي بدوره إلى تقديم غير سليم للحياة يتمثل في إعلاء قيمة النجاح العاجل والمكسب السريع وغرس بذور النزعة المادية في نفوس الأطفال والجنوح بهم إلى العدوان والعنف، إضافة لذلك هناك مجلات الأطفال ولعبهم التي لا تعد ترفاً وإنما تمثل وسائط تربوية وتثقيفية يكتسب من خلالها الأطفال أساسيات السلوك والتفكير والواقع يشير إلى ان المجتمع العربي سوق رائجة لاستيراد اللعب الأجنبية بألوانها المثيرة وأشكالها المحببة وتقنياتها المدهشة وهي تحمل بين طياتها تعبيرات وإيماءات تشكل قيما وسلوكيات مغايرة لسلوكيات وقيم المجتمع العربي فيبدأ باقتلاع الأطفال من جذورهم منذ نعومة أظافرهم. تخطيط شامل ويرى الدكتور أحمد حسين ان المخرج من كل محاولات التعريب السابقة يتمثل في وجود تخطيط شامل على مستوى الوطن العربي بحيث يقوم على ركائز وأسس أهمها بعث التراث العربي من جديد وتوظيفه في تثقيف الطفل العربي مؤكدا على أن العودة للتراث لا تعني الانعزال وإنما تعني ان نأخذ من هذا المعين ما يسهم في تأمين ثقافة الطفل العربي من محاولات التغريب، مضيفا ان التراث العربي يمكن بعثه وصياغته ليلائم الأطفال مشيرا إلى انه يذخر بالقصص الواقعية للعلماء الذين كان لهم الفضل بالتقدم على علوم الغرب، فننمي بذلك لديهم حب العلم والعلماء ونكسبهم طرق التفكير العلمي بما يتناسب ومراحل عمرهم، كما يمكن تقديم التراث الإسلامي للأطفال من خلال المجلات والكتب وأفلام الكرتون والمسلسلات وبالتالي تأصيل الهوية الثقافية لديهم، وكذا الاهتمام بثقافتهم الروحية والأخلاقية والعلمية والعمل على الارتقاء بمستوى الانتاج في الوطن العربي في مجال أدب الأطفال ودعم مؤسسات ثقافة الطفل العربي لكي تضطلع بمسئولياتها تجاه الأطفال.