تعتبر قضية تلوث البيئة البحرية من اهم القضايا التي تواجه الدول على مستوى العالم بشكل عام، والدول الساحلية بشكل خاص، والدول الواقعة على الخليج العربي والبحر الاحمر بشكل اخص، وذلك لاعتبارين، الاول ان تلك الدول تمتلك اكبر احتياطي نفطي في العالم وهو ما يمثل 60% من الاحتياطي النفطي العالمي، وهذا الاستراتيجي النفطي الضخم يمثل عبئا على البيئة البحرية والبرية مستقبلا فضلا عن عمليات التنقيب والانتاج والتصدير الحالية والتي تمثل عبئا وتحديا للبيئة في الوقت الراهن. وفي هذا الصدد يكفي ان نشير على سبيل المثال الى ان هناك 35 الف ناقلة بترول تمر عبر مضيق هرمز متجهة الى الشرق ودول اوروبا مخلفة وراءها 1.2 مليون برميل نفط متسرب في مياه الخليج العربي سنويا. اما الاعتبار الثاني فيتمثل في ان مياه الخليج العربي بطبيعتها الجغرافية المعقدة تعتبر مياها «شبه راكده» ان صح التعبير، وذلك لانها لا تجدد كليا الا كل خمس سنوات تقريبا مما يزيد من حساسيتها للتلوث النفطي. ففي تقرير صدر منذ عامين عن منظمة الامم المتحدة اكد ان نسبة التلوث في مياه الخليج العربي تزيد بنحو 47 مرة عن اي مجرى مائي يماثله مساحة في العالم، كما ان نسبة التلوث على شواطئه تزيد مئة مرة عن مثيلاتها في دول العالم. التلوث البحري كما عرفته الاتفاقية الكويتية الاقليمية للتعاون في حماية البيئة البحرية من التلوث عام 1978م هو قيام الانسان سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة بادخال اية مواد او مصادر للطاقة الى البيئة البحرية تترتب عليها اثار ضارة كالاضرار بالمواد الحية، وتهدد صحة الانسان وتعيق الانشطة البحرية بما في ذلك صيد الاسماك وافساد صلاحية مياه البحر والحد من قيام المرافق الترفيهية. ويعتبر النفط اهم مصدر من مصادر تلوث البيئة البحرية واكثرها خطورة على الاطلاق لما له من خاصية قابلية الذوبان في المياه، فضلا عن تسرب الهيدروكربونات الناتجة عن المصافي والبتروكيماويات القائمة على سواحل الخليج العربي. ففي تقرير مستقبل العمل العربي البيئي في الوطن العربي والذي طرح مؤخرا امام مؤتمر ومعرض البيئة 2001 المنعقد بأبوظبي ذكر ان البحار الثلاثة التي تطل عليها معظم الدول العربية البحر المتوسط والاحمر والخليج العربي كلها بحار شبة مغلقة فالبحر المتوسط الذي يمثل 0.7 من المسطح المائي العالمي يتلقى وحده 17% من التلوث النفطي، والخليج العربي ايضا شديد التلوث منذ عقود طويلة، اما البحر الاحمر فقد كان نقيا حتى عقدين مضيا حيث نشطت عمليات استخراج النفط وزادت المخلفات الصناعية بصورة واسعة، ولاسيما تلك التي تتعلق بالصناعات النفطية من البتروكيماويات بجانب النفط الخام المتسرب والصرف الصحي غير المعالج بالاضافة الى مخلفات الصرف الزراعي المحمل بالمبيدات والاسمدة الكيماوية والتي تلقى جميعها في هذه المياه. وفي هذا الصدد يقول الدكتور كلود مارتن مدير عام الصندوق العالمي للطبيعة بجنيف ان حوادث السفن التي تنقل شحنات خطرة، والكوارث البيئية التي تسببها باتت جزءا حتميا من حياتنا العصرية ومن احدث ما في المسلسل الطويل لهذه الحوادث ذلك الذي وقع في نهاية اكتوبر من العام الماضي عندما غرقت الناقلة «ايفولي صن» وعلى متنها 6 الاف طن من المواد الكيماوية السامة قبالة جزيرة الدرني في القناة الانجليزية واخذت تسرب محتوياتها الى البحر، ولم يكن غريبا ان يثير الحادث موجة عارمة من الغضب بعد اقل من سنة على غرق ناقلة النفط «اربكا» في الممر الضيق نفسه وتلويثها مئات الكيلومترات من الساحل الفرنسي. ويضيف انه في ضوء هاتين الكارثتين اصبح من الواضح تماما ان هناك حاجة ملحة الى مقاييس ارفع كثيرا للسلامة اثناء النقل بحرا علما بان الآلية متوفرة لادخال هذه المقاييس وتطبيقها عن طريق المنظمة البحرية الدولية، ولكن على ما يبدو ان ما هو مفقود حتى الان هو الارادة لدى البلدان الرائدة في قطاع الشحن البحري. ويؤكد الدكتور حسين طه نجم ان الاثر الذي يحدث للحياة البحرية يختلف مداه باختلاف التلوث بالبترول من نوع الى اخر ففي حالة «البلانكتون» وهي الكائنات النباتية والحيوانية الدقيقة او ما يطلق عليها العوالف فان بقع الزيت الطافية تعوق وصول اشعة الشمس والضوء اليها مما يؤثر على عملية التأثير الضوئي في البلانكتون النباتي كما يؤثر في حركة البلانكتون الحيواني ويقول..ويضاف الى هذا الاثر الكيماوي للمواد السامة والهيدروكربونات التي تذوب وتتشتت في المياه، وقد اثبتت الدراسات التي اجريت في كثير من اجزاء البحار والمحيطات حتى ان احد العلماء يرى ان هناك دلائل متزايدة على ان الاسماك والقشريات تسوق الى جهات العالم المختلفة وهي ليست سليمة من الناحية الصحية. ويضيف.. وبطبيعة الحال فان اكثر المناطق التي تكون فيها الاسماك وبالتالي المصايد السمكية عرضة للتلوث هي البحار المغلقة والشواطيء والمصبات الخليجية في المناطق الصناعية وبالاخص منطقة الخليج العربي والبحر الاحمر. ويؤكد الدكتور عبد الرحمن العوض مدير عام المنظمة الاقليمية لحماية البيئة البحرية ان معظم السفن الغارقة في الخليج العربي والتي يتراوح عددها ما بين 70- 80 سفينة وناقلة موجودة في شمال الخليج العربي ومعظمها غرق خلال حرب الخليج الثانية حيث حدثت اكبر الكوارث البيئية في التاريخ، عندما استعمل النفط سلاحا في الحرب، واحرقت ابار النفط في الكويت وتسربت كميات هائلة من النفط الخام الى مياه الخليج قدرت في الفترة من 19 الى 30 يناير من عام 1991م وحدها بخمسة ملايين برميل اي نحو مليون طن من النفط شكلت بقعة طولها نحو 50 كم ونحو 13 كم عرضا كما قدرت كمية النفط المحترقة بنحو 67 مليون طن ونتج عنها ميلونا طن من الخام ومليونا طن من الكبريت كل هذا بجانب عمليات الشحن والنقل والتصريف والاعمال اليومية الروتينية في الخليج العربي وعلى سواحله ادت الى حدوث تأثيرات ضارة مباشرة وغير مباشرة على البيئة البحرية في الخليج العربي في كافة انواعها وصورها. واوضح الدكتور العوضي ان وزراء البيئة في دول مجلس التعاون الخليجي ادركوا منذ فترة طويلة مخاطر التلوث البحري في منطقة الخليج وابرموا عدة اتفاقيات ومعاهدات للحد من عملية التلوث كان اخرها قرار انشاء 12 مركزا للتعامل مع مياه التوازن ومخلفات السفن التي تدخل في مياه الخليج العربي وتتوزع هذه المراكز من الكويت شمالا الى سواحل الفجيرة جنوبا وتشمل الساحلين العربي والايراني مشيرا الى ان كلفة هذه المراكز تصل الى 80 مليون دولار تتولى انشاءها مجموعة شركات عالمية متخصصة تنتهي من عمليات الانشاء خلال العامين القادمين. وقال الدكتور العوضي ان اعلان أبوظبي الذي صدر مؤخرا لم يغفل التلوث البحري حيث حدد وزراء شئون البيئة العرب الابعاد الاساسية لعودة البيئة البحرية في الوطن العربي الى ما كانت عليه، وذلك بالاستخدام الاقتصادي والامن النظيف للطاقة ودعم الابحاث والتقنيات التي تعمل على التقليل او الحد من التلوث الناتج عن مصادر الطاقة النفطية، وتشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة. وأناطت مسودة الخطة بالهيئة الاتحادية للبيئة مهمة التنسيق مع الجهات المعنية بمكافحة التلوث، والثاني على مستوى المنطقة، اذ تم بموجب الخطة تقسيم سواحل الدولة الى ست مناطق جغرافية، المنطقة الغربية «مركز الرويس» والمنطقة الغربية وأبوظبي «مركز أبوظبي» وأبوظبي ودبي «مركز جبل علي» ودبي والشارقة وعجمان «مركزالشارقة» وام القيوين ورأس الخيمة «مركز رأس الخيمة» والساحل الشرقي «مركز الفجيرة».