شهد سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس نادي تراث الامارات مساء امس افتتاح فعاليات المؤتمر العالمي الاول لاثار الامارات، والذي ينظمه مركز زايد للتراث والتاريخ بالتعاون مع وزارة الاعلام والثقافة بقاعة المؤتمرات بفندق انتركونتيننتال أبوظبي. وكان حفل الافتتاح قد بدأ بتلاوة عطرة لايات من الذكر الحكيم فالسلام الوطني، كما يشارك في المؤتمر الذي تستمر فعالياته حتى يوم الاربعاء 18 ابريل الجاري حوالي 40 عالما من داخل الدولة وخارجها لدراسة اخر الاكتشافات ومناقشة اخر المعلومات عن التنقيب، فضلا عن مشاركة فرق من علماء الاثار الاجانب الذين يعملون حاليا في أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة بالاضافة الى ممثلين من دوائر الاثار المحلية ومسئولي الاثار من مختلف حكومات دول الخليج العربية والدول العربية. وقد اكد سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس نادي تراث الامارات في تصريح له بمناسبة انعقاد المؤتمر على اهمية تنظيم هذه التظاهرة الثقافية لما تمثله من مؤشر ودلالة على تقدم الوعي الحضاري في الوطن وما تعكسه من اثار طيبة على كل المستويات في الدولة. واعرب سموه عن فخره واعتزازه بتراث الامارات وقال ان هذا الموروث الحضاري كائن حاضر داخل الحنايا والقلوب لكل فرد من ابناء الامارات، يهتمون به ويحرصون عليه كحبات العيون، فهو الذاكرة الحية للامة ومنطلقها ومرجعها. وعبر عن سروره بالتقاء هذه النخبة الثقافية التي اعطت لتراثنا الذي يضرب في جذور التاريخ ابعاده الحقيقية كرمز للتواصل مع الماضي في حاضر حياة كل فرد بتفاصيله الجميلة ومعانيه العريقة وقيمه النبيلة، فصار ارضية دائمة الصلابة للانطلاق والمضي نحو المستقبل على اسس الاصالة والعراقة. ونوه بالمكانة المهمة للاثار التي تحمل عبق التاريخ الجميل لمراحل نمو الحضارات وتعدد وغنى مناخاتها التاريخية التي تسمو بالامة وترسم خطاها وملامح رقيها كلما اجاد الفرد قراءتها، واولاها ما تستحقه من الاهتمام والعناية، فهي علاقة متبادلة من العطاء المتدفق. واثنى سموه على كل ما بذلته السلطات المسئولة من جهود لا تعرف الكلل ولا يمكن اغفالها او الاستهانة بها لانها تنطلق من مفهوم وطني عميق حريص على الاثار اشد الحرص باعتبارها ملكاً حضارياً للامة وللانسانية معا لا يمكن المساس به او التصرف فيه كونه يمثل مشروعا قوميا، الامر الذي جعل كافة الجهات المسئولة تدعمه بشكل كامل ودائم وفاعل. وعبر، اكثر من مرة، عن سعادته بحضور مثل هذه الفعاليات الثقافية التراثية لدولة الامارات واهتمامه البالغ بكل الافكار والاراء التي تساهم في زيادة الوعي بمكانة التراث مما يسهم، كما اكد سموه، في الرقي بالفعل الحضاري انطلاقا من الاثار التي ترمز بكل اشكالها الممكنة الى الزخم التاريخي لدولة ترسم مكانتها بين الدول العربية الاخرى وتؤكد على بقائها وديمومتها. واوضح ان رصيد الامارات في هذا المجال كفيل بان يدفعها لتكثيف الجهود للحفاظ على ما تملك من ارث حضاري عريق تزهو به بين اعرق الحضارات، وضرورة الحرص على متابعة البحث والتنقيب عما يزال كامنا نفاجأ به باستمرار لكي تتواصل المسيرة التاريخية التراثية الحضارية التي تساير ركب الرقي وترسم ملامح البقاء ومعادلة الديمومة. وشدد سمو الشيخ سلطان بن زايد في ختام تصريحه على اهمية هذه التظاهرة الثقافية الاولى من نوعها في دولة الامارات العربية المتحدة، ووصفها بانها خطوة جادة نحو الامام لهذا الجانب التراثي الحيوي لما له من وثيق الصلة بالجوانب الاقتصادية والسياحية والثقافية للدولة، ولما يجلوه من قيم سامية نكرسها سلوكا حضارياً رفيعا في حياتنا اليومية، وقال ان تكرار هذه المبادرات هو ارساء لتقاليد ثقافية نحرص عليها للمضي في مسيرة الارتقاء نحو الافضل. هذا وقد القى الدكتور حسن محمد النابوذة مدير مركز زايد للتراث والتاريخ كلمة المركز اشاد فيها بدعم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة للتراث في دولة الامارات، وكذلك بدعم سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء الذي ينعقد هذا المؤتمر تحت رعايته الكريمة قال فيها: ان الازدهار الحضاري الذي تشهده دولة الامارات العربية المتحدة لم يأت من فراغ، وانما هو نتيجة جهود مضنية وعمل دؤوب وتخطيط ناجح وقيادة راسخة مصدرها صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ورعاه. واضاف: ان ابن الامارات هو رمز هذا النجاح ونبعه الثري، والحاضر الذي نعيشه هو امتداد لماض عريق، ولهذا رحنا نستكشف باطن الارض، ونسبر غورها لنخرج الى النور ما كان دفينا في الظلمة خلال مئات الاعوام ليتصل ما كان بما هو كائن، ولتلتحم حلقات المسيرة الحضارية فلا يظل منها مفقود الا الذي مازال في باطن الثرى، وعنه نبحث ولاسيما ان هذه المنطقة كانت واحدة من اهم مناطق الجزيرة العربية التي لعبت مثل هذا الدور بحكم موقعها الاستراتيجي. وقال الدكتور النابوذة ان هذا المؤتمر جاء ليكشف عن الحقائق العلمية التي تلقي الضوء على مدى العمق الحضاري للانسان الذي عاش على ارض الامارات منذ العصور الحجرية، والوقوف على ما انتهت اليه الجهود المبذولة في مجال التقنيات الاثرية في دولة الامارات، ووضعها في سياق التفاعل مع غيرها من الثقافات، وجذب المزيد من الاهتمام، وزيادة التعرف على هذه الاثار، وتسهيل تبادل المعلومات بين الباحثين والمختصين وعلماء الاثار العاملين في هذا المجال. وكذلك دعوة المؤسسات العالمية المعنية بالتنقيب للمشاركة في دراسة اثار الامارات وتراثها. وقال: وما البحوث العلمية التي سوف يقدمها العلماء في هذا المؤتمر ما هي الا بداية لطريق نذلله بالعلم والجد، وبذل قصارى الجهد، لياتي الاكتشاف تلو الاكتشاف شاهد صدق على حضارات قديمة شهدتها هذه الارض الطيبة. وقال النابوذة: ان الاكتشافات واعمال الحفائر في كثير من المواقع الاثرية اكدت اصالة التفاعل الحضاري بين منطقة الامارات والحضارات المجاورة لها مثل دلمون وما جان وبلاد وادي الرافدين ووادي السند. واضاف: ان هذا المؤتمر سوف يسهم في ابراز ما انتهت اليه الجهود المبذولة في مجال الاثار، معززة ببحوث علمية تدرك ما هو آت في مجال التنقيب، ليأتي الاكتشاف تلو الاكتشاف شاهد صدق على حضارات قديمة. وفي ختام كلمته اعرب عن شكره وتقديره الى كل من ساهم في انجاح هذا المؤتمر من جهات حكومية داعمة ومؤسسات ثقافية شاركت في هذا الحدث العلمي المهم. ثم القى د. جاب الله علي جاب الله امين عام المجلس الاعلى للاثار والمتاحف بمصر كلمة اكد فيها اهمية هذا المؤتمر كونه يلقي الضوء على التراث الثقافي لدولة الامارات العربية ويؤكد ان لشعب هذه الدولة تاريخا عريقا يعود الى 7000 سنة. وقال: حقا ان التنقيب في مجال الاثار قد تأخر بعض الوقت في اقطار الخليج، ولكن هذا لا يعني ان الفرصة قد فاتت، فالنهضة التي تشهدها الان هذه الاقطار، بما فيها دولة الامارات العربية المتحدة، قد شملت كل مجالات الحياة، واستوعبت كل نواحي الانشطة بما في ذلك البحث الاثري. واضاف: ومؤتمرنا الاخير هذا شاهد على الاهتمام الذي توليه دولة الامارات للتنقيب عن الاثار لاماطة للثام عن كل مكنون. وبعد ذلك القى د. يوسف محمد عبدالله رئيس الهيئة العامة للاثار والمتاحف والمخطوطات كلمة ضيوف الشرف، اشاد فيها بالنهضة الحضارية التي تشهدها دولة الامارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة. وقال: لقد شهد التاريخ عبر الحقب روادا وعبقريات تركت بصماتها في سجل الخالدين، وشهدت البلاد العربية شخصيات فذة تعيد للامة صولتها وتحيي مجدها، ومن هؤلاء الافذاذ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذين ستسجل وقائعهم وصنائعهم باحرف من نور على مر العصور. واشار في كلمته الى الأهمية الحضارية التي تشغلها دولة الامارات في منطقة الخليج العربي، بحكم موقعها المتميز. اوراق العمل ثم بدأت بعد ذلك اولى جلسات المؤتمر بعقد جلسة خاصة شارك فيها الباحث البريطاني باتريس دي كاردي بورقة عمل بعنوان «هل هناك مستقبل لماضي الامارات» حيث اشار من خلالها الى ان دولة الامارات العربية المتحدة اكتسبت خلال الاربعين سنة الماضية اهمية بالغة استنادا الى الاكتشافات والحفريات الاثرية التي تمتد الى حوالي 7000 سنة. وقال: لقد جذب ذلك الماضي معه للاماراتيين تبعات ومسئوليات عديدة وبالتحديد في مجال حماية وصون المواقع داخل حدودهم، فمعظم الدول تسعى الى الحفاظ على بيئاتها التاريخية حيثما امكن وذلك عن طريق تشريعات تسن خصيصا لحماية انواع كثيرة من المواقع ولكن الكثير من المواقع في دولة الامارات مهدد بالاندثار نتيجة التطور المعماري المتلاحق والتغيرات المناخية. واضاف: انه على الرغم من ان معظم امارات الدولة لها ادارة للاثار لكن الحماية الفعالة والكشف عن المواقع يمكن ان يسبب بعض المشاكل، واحد تلك الحلول التي ثبت انها عملية في بريطانيا ويمكن ان تستخدم هنا تتمثل في ادخال نظام الحراس المحليين في كل امارة بحيث تناط بهم مسئولية اخطار ادارات الاثار الذين يتبعون لها، متى ما اصبح اي موقع تاريخي او اثر باق في المواقع التي تقع تحت مسئوليتهم مهددا او يحتاج الى حفظ او صيانة. واشار الى ان تأسيس وافتتاح العديد من المتاحف في كل امارة تقريبا، ولكن ليس من السهل على موظفي هذه المتاحف فهم نتائج البحوث الميدانية الاثارية الحديثة وايصالها للجمهور، لذا فان اعادة اصدار مجلة الاثار في دولة الامارات سوف يخفف الموقف، وسيؤدي الى الارتقاء بالبحث كثيرا. وركز الباحث باتريس دي كاردي على ضرورة وضع برامج لحماية المواقع الاثرية الاماراتية وهو جزء من مشروع تحضره وزارة الاعلام والثقافة، رغم ان البحوث الاثرية في الدولة تعود الى اكثر من 40 سنة، غير ان المجتمع لا يعرف عن تراث الماضي الا القليل، مشيرا الى ان هذا المؤتمر يمثل فرصة لاتاحة المعلومات التي تؤكد ان ماضي الامارات شيء يفتخر به كل فرد. كما تحدث في الجلسة الاولى التي ترأسها عبد الله تييم امين عام المجلس الوطني للثقافة والعلوم والاداب بالبحرين، الباحث هانس بيتريوربمان من جامعة توبجين بالمانيا، فقدم دراسة بعنوان «الاصول المحتملة لسكان العصر الحجري في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية» حيث ذكر ان معظم شبه الجزيرة العربية كان خاليا من السكان في فترة العصر الحجري مشيرا الى ان اعادة السكان قد اعتمد في تلك الفترة على تحسن الجو وتحديدا عام (12000 ق. م)، وان السكان قد قدموا من جنوب الجزيرة العربية والشرق. كما قدم الدكتور هايكو كالويت ورقة بحثية تهدف الى استعراض بعض ملامح العصر الحجري المتأخر في الامارات حيث اشار الى ان الاعمال الميدانية التي قامت بها فرق عالمية، قد كشفت عن ادلة جديدة لوجود كسر من القطع الفخارية مع ما يسمى بالقطع الحجرية من قطر في المواقع الساحلية في الامارات الشمالية، ويعتقد ان التجارة كانت الحافز وراء الاتصالات الاولية بين بلاد ما بين الرافدين والمناطق السفلى من الخليج. اما المواقع التي وجدت فيها القطع الحجرية من قطر فموجودة في الداخل على طول جبال عمان وفي جزيرة الربع الخالي، ولكن الى الان لا توجد ثمة اثر لفخاريات عبيد، والمعلومات المتعلقة باستراتيجيات الحصول على الطعام لمجموعة قطر غير موجودة بتاتا، والمواقع الاثارية معظمها منكمش، والحفاظ على العظام فيها غير اعتيادي. وقدمت اليزابيث شيفرد دراسة حول مواقع ما قبل التاريخ في جزيرة دلما وجزيرة مروة في دولة الامارات العربية، حيث لخصت من خلالها نتائج الحفريات الحديثة واعمال المسح التي قامت بها مجموعة المسح الاثاري لجزر أبوظبي، وتلقي نتائج المسح الاثاري لهاتين الجزيرتين الضوء على الحياة في جنوب الخليج خلال فترة ما قبل التاريخ. وذكرت الباحثة بان الحفريات التي اجريت في جزيرة دلما الواقعة على بعد 45 كم من ساحل أبوظبي، وعلى بعد حوالي 80 كم من الساحل الشرقي لدولة قطر، قدمت دلائل على احتمالات استيطان طويل المدى للجزيرة خلال نهاية الالفية الخامسة ومطلع الالفية السادسة قبل الميلاد متخذة شكل سلسلة من المباني، حيث عثر على كمية قليلة من الاواني الملونة المستوردة من جنوب بلاد ما بين الرافدين، بالاضافة الى اوعية جبسية مصنوعة محليا وهي نادرة، وكذلك العثور على الاف الرقائق من حجر الصوان والكثير من المعدات «بما في ذلك الات الحفر، ورؤوس السهام والكشاطات والسكاكين المصنوعة من القرميد» عثر عليها في الموقع بالاضافة الى حوالي مئة من الخرز المستخدم كحلي من مختلف الانواع وبقايا الطعام الذي يشتمل على رخويات بحرية وبقايا حيوانات، الى جانب كمية كبيرة من عظام الاسماك والاجر باختام من نواة البلح، اضافة الى الحجارة المتفحمة. كما تطرقت شيبرد الى جزيرة مروة حيث اشارت الى ان المسوحات الاثرية في هذه الجزيرة كشفت عن اكثر من خمسين مبنى فيها، بعضها بني بشكل مؤقت. وقدم الدكتور مارجريت يوربمان من جامعة توبجين بالمانيا، دراسة بعنوان «الالفية المظلمة: ملاحظات عن العصر الحجري الاخير في الامارات» وعمان حيث ذكر الى ان الادلة المناخية تشير الى فترة جفاف تعرضت لها المنطقة في نهايات الالفية الخامسة وتسببت في انتقال السكان الى الساحل. وقال: يبدو انه بعد 4000 ق . م كانت السواحل الجبلية في عمان هي المناطق الوحيدة من الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية التي كانت تتمتع بكثافة سكانية عالية، في حين كانت المناطق الداخلية مسكونة بعدد قليل من البشر. وقدم فانسنت شاربينثير الباحث بالمركز الوطني للدراسات العلمية في باريس دراسة بعنوان «ادلة على تكنولوجيا جديدة من العهد الحجري في شبه الجزيرة العربية» تتعلق بالصناعات ثنائية الوجه، حيث استعرض الشواهد الثقافية المتعلقة بشبه جزيرة العرب في الالفيتين السادسة والخامسة قبل الميلاد من خلال تبني المنهج التكنولوجي.
