بالتعاون مع معهد التنمية الادارية بدبي نظمت مؤسسة «البيان» ندوة حول «المشاكل التي تحد من تطبيق الادارة الاستراتيجية في المنظمات العامة، بدولة الامارات» وحضرها يوسف عيسى بن حسن الصابري مدير المعهد والدكتور محمد ابراهيم الرميثي الاستاذ بجامعة الامارات والدكتور محمد احمد الزرعوني مدير عام المنطقة الحرة بمطار دبي واحمد السركال مدير هيئة تنمية الموارد البشرية بالانابة وعلي بن عبود مساعد المدير العام بدائرة شئون الموظفين ومحمد خميس المازم ومحمد يوسف العوضي وقاسم جميل من معهد التنمية الادارية، وأدارها الدكتور عبدالله العوضي رئيس قسم التخطيط والبحوث بمؤسسة «البيان». والقى الدكتور عبدالحميد ابو ناعم الخبير بمعهد التنمية الادارية في البداية محاضرة عن الاطار العام لعملية الادارة الاستراتيجية واهميتها للمنظمات العامة بالدولة وتطور نظرة هذه المنظمات لهذه العملية مشيرا الى نماذج من ادارة المنظمات العامة في الواقع العملي وموقع الادارة الاستراتيجية فيها والمشاكل التي تعوق تطبيقها. وفي كلمته قال يوسف عيسى بن حسن الصابري مدير عام معهد التنمية الادارية ان موضوع الادارة الاستراتيجية موضوع هام وحيوي وتعني الادارة الاستراتيجية باختصار وظيفة ومهام القيادات العليا في أي مؤسسة او وزارة، وتهتم الادارة الاستراتيجية بإعداد المؤسسة او الوزارة للتعامل مع المتغيرات التي تجتاح العالم الآن كالعولمة وزوال الحدود والثورة المعلوماتية وزيادة توقعات طالبي الخدمة من هذه المؤسسات وتركز الادارة الاستراتيجية على حتمية وجود اربعة ملامح رئيسية لأي منظمة يمكن لأي شخص ان يلمسها وتشمل رؤية واضحة لما تريده المنظمة في المستقبل وما هي توجهاتها الرئيسية ورسالة واضحة في اذهان الجميع تحدد سبب وجود المنظمة اضافة الى الاهداف المحددة التي يمكن قياسها، واستراتيجية محددة لتحقيق كل من الرؤية والرسالة والاهداف. واضاف مدير عام معهد التنمية الادارية ان الرسالة التي يضطلع بها المعهد تكمن في تطوير الاداء الاداري للمؤسسات والهيئات والوزارات الحكومية وانطلاقا من هذه الرسالة تم التركيز خلال السنوات الثلاث الاخيرة على اعداد القيادات الادارية العليا سواء من حيث البرامج والندوات او من حيث الابحاث والدراسات التي يجريها المعهد. واشار الصابري الى البرامج والحلقات والندوات الخاصة بالقيادات العليا فقال انها ارتفعت هذا العام لتصل الى 15 ندوة وحلقة ادارية بإجمالي عدد 72 يوما تدريبيا والاعتماد بصفة اساسية على ادخال المفاهيم الاستراتيجية والتي تخص القيادات العليا عند اعداد وتصميم الهياكل التنظيمية وبدأنا بأنفسنا كلجنة لاعداد الهياكل وتم صياغة رؤية واهداف ورسالة واستراتيجية لها اضافة الى ما سبق فنحن لا نبدأ بتصميم أي هيكل لأي وزارة او مؤسسة حكومية إلا بعد التأكد من وجود هذا البناء الاستراتيجي. وقال اما بالنسبة للبحوث فقد احتلت النواحي الاستراتيجية الخاصة بالقيادات العليا أولويات المعهد حيث استأثرت بـ 50% من الدراسات التي نفذت في خطة 2000 وهذه الدراسة التي ستعرض ستتناول موضوعين رئيسيين هما الاول: الاطار العام لعملية الاستراتيجية واهميتها للمنظمات الحكومية العامة في الامارات وتتمثل في انها الاسلوب الوحيد الذي يمكن الوزارات الاتحادية من توقع المستقبل والاستعداد له، وتمكن الوزارات من تحديد اهداف واتجاهات واضحة وتمكن الوزارات من توجيه اعمالها بحاجات المراجعين والعملاء. والموضوع الثاني: المشاكل التي تحد من تطبيق الادارة الاستراتيجية في الوزارات الاتحادية ومدى حاجة هذه الوزارات الى استراتيجيات اكثر مرونة واكثر توجها برغبات العملاء والمستفيدين. تعظيم الانتاجية واستهل الباحث الدكتور عبدالحميد أبو ناعم الندوة بمقدمة حول اهمية المنظمات العامة في حياة الانسان بدءاً من الدفاع عن تراب الوطن وانتهاء بتنظيف شوارعه مشيراً الى انها تقدم خدماتها لجميع مواطني الدولة ويعمل بها جزء لا يستهان به من الثروة البشرية وهي مسئولة عن انفاق البلايين سنويا مما يتطلب ترشيد الانفاق وتعظيم انتاجية الاموال الموجهة للإنفاق الحكومي ولذا تحتم كل هذه الاعتبارات ان تدار هذه المنظمات إدارة علمية محترفة تمكنها من تقديم خدماتها لعملائها وجماهيرها بالكفاءة والفاعلية المطلوبة. وقال الدكتور ابو ناعم ان نهاية القرن العشرين افرزت ظاهرتين اساسيتين وهما الاولى: انخفاض الميزانيات الموجهة للمنظمات العامة والمطالبة بترشيد ادائها والثانية: خلقت لخدمة هذه الجماهير، كما انها تستمد وجودها المادي وشرعيتها من رضا الجماهير عنها ومن هنا فإن نجاح واستمرارية هذه المنظمات يظل مرتبطاً بتلبية حاجات وتوقعات جماهيرها. واشار الدكتور ابو ناعم الى ان المنظمات العامة لكي تنجح في ذلك فقد شهدت العشرين سنة الاخيرة ما يشبه الموضة بالاتجاه الى ادارة الاعمال الخاصة لاستعارة الاساليب التي ساهمت في نجاحها وتطبيقها في ادارة المنظمات العامة ووجد الباحثون ضالتهم في الادارة الاستراتيجية بعدما ثبت نجاحها في القطاع الخاص من ناحية ولاستحالة نجاح المنظمات العامة واستمراريتها في الاجل الطويل بدونها من ناحية اخرى. وقال ان الادارة الاستراتيجية تطرح اسئلة استراتيجية هامة اذا اجابت عليها المنظمة فسوف تنجح وهي: من نحن؟ وماذا نفعل؟ ولماذا قامت المنظمة أصلا؟ وما هي رسالتها؟ وما هي رؤيتها للمستقبل؟ وأدى هذا الاتجاه الى بروز ما يسمى بالادارة العامة الجديدة والتي تركز بصفة اساسية على تكامل كل من علم الادارة وعلم السياسة العامة كما تهتم بالاستراتيجية اكثر من اهتمامها بالعمليات الادارية الداخلية. وقال ان الدول المتقدمة بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة شهدت اتجاها مكثفا لتطبيق أسس ومهارات التخطيط الاستراتيجي والادارة الاستراتيجية في المنظمات العامة بدءا من وزارة الدفاع اوائل الخمسينيات ومرواً بديوان المحاسبة الامريكي العام والذي نادى بتطبيق مباديء الادارة الاستراتيجية على المستوى الفيدرالي خاصة وانها مطبقة على مستوى الولايات وعلى المستوى المحلي وأخيراً طبقت الادارة الاستراتيجية بصورة واضحة في ظل ما سمي بحركة اعادة اختراع الحكومة وذلك من خلال لجنة تقييم الاداء القومي، وتوجد اتجاهات مماثلة في العالم في ايرلندا واستراليا وكندا وبريطانيا والمانيا. واضاف الدكتور ابو ناعم: ان الدول النامية ليست بعيدة عن هذه التحولات حيث بدأت الادارة الاستراتيجية تجذب الانتباه كأداة لتدعيم وتقوية المنظمات العامة في افريقيا وآسيا وأمريكيا اللاتينية ويعود الفضل في هذا لمؤسسات الأمم المتحدة التي تقدم المساعدات الفنية لهذه الدول باعتبار ان الادارة الاستراتيجية اداة اساسية تستطيع تلبية رغبات كل من اصحاب الاموال «الدول الغنية المانحة للمعونات» وطالبي الخدمة من الدول النامية في الوقت نفسه ونظرا لاهمية وتأثير المنظمات العامة وضخامة حجمها فإن هناك حاجة ماسة لصياغة نموذج متكامل لادارتها. وقال ان التطبيق الفعلي للتخطيط الاستراتيجي ابرز قصوراً في الاداء حيث أدى فشل الكثير من المنظمات التي اعتمدت على التخطيط الاستراتيجي الى القاء اللوم في النهاية على عملية التطبيق لان التخطيط وحده لا يكفي، ولانقاذ عملية التخطيط الاستراتيجي من كونها مهمة الجالسين في أبراج عاجية فقد بدأ الفكر الإداري يتجه نحو موضوع اشمل وهو علم الادارة الاستراتيجية، وعلى الرغم من أهمية التخطيط والادارة الاستراتيجية في المنظمات العامة إلا انهما لم يستخدما إلا على المستوى التكتيكي ولاعداد عمليات التنبؤ قصيرة الأجل للمستويات الدنيا كما ان مجرد الاعتراف بأهميتها لا يكفي ولا يضمن التطبيق الناجح على الرغم من ان المنظمات العامة في النهاية لابد وان تدار ويقييم اداؤها استراتيجيا. أسلوب الشبكة وعن نماذج ادارة المنظمات العامة في الواقع العملي قال الدكتور عبدالحميد اذا كان البعض يرى انه من الصعب وجود المنظمة الحكومية التي تعمل بنفس اسلوب المنظمات الخاصة فإن هناك خمسة نماذج موجودة بالفعل لادارة المنظمات العامة الحكومية وهي: الاول النموذج الآلي في ادارة المنظمة العامة وينظر هذا النموذج للحكومة على انها آلة تدار من خلال القواعد والقوانين والمعايير الموضوعة ويدار موظفوها وانشطتها بنفس الاسلوب سواء على المستوى الاعلى او على المستوى الادنى، والمستوى الادنى يراقب اعماله وانشطته وموظفيه بنفس الاسلوب الذي يراقب هو به من قبل المستوى الأعلى. والنموذج الثاني: هو نموذج إدارة الحكومة بأسلوب الشبكة وهو على النقيض تماما من النموذج الآلي السابق فهو يعتمد على المرونة والحرية بدلا من القيود وعلى حرية الادارة بدلا من الرقابة والتحكم وعلى التفاعل وعمل الفريق بدلا من العمل الفردي الذي يعتمد على الصراع والتناحر والتنافس، وينظر للحكومة على انها نظام متكامل ومتداخل من العلاقات والتداخلات المعقدة. والنموذج الثالث: نموذج رقابة الاداء وفي هذا النموذج تجد الادارة نفسها وتحقق ذاتها من خلال الرقابة على الاداء والشعار الاساسي له هو افصل بين الادارات وبعضها، حدد المسئوليات ثم قم بقياس الاداء. والنموذج الرابع: هو النموذج التصويري «المنالي» للحكومة ويطبق في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزلندا واستراليا ويعتمد على تصور اساسي وهو ان الحكومة الجيدة هي التي لا تتدخل في كل شيء، فلا يوجد جهاز حكومي فوقي حيث يعهد بالخدمات والانشطة الحكومية الى القطاع الخاص وهو الذي يتولى تقديمها للجماهير. والنموذج الخامس هو النموذج المعياري الرقابي ولا يهتم هذا النموذج المعياري بالنظام قدر اهتمامه بالروح والقيم السائدة وعلى هذا فإن الرقابة هنا تكون على القيم والمعتقدات ويوجد هذا النموذج في المنظمات اليابانية ويتميز بأن اختيار الناس يتم على اساس اتجاهاتهم والقيم التي يؤمنون بها والاهتمام بالنواحي الاجتماعية والتوجيه على اساس قبول الافراد للمباديء ومشاركة اعضاء المنظمة في المسئولية وتقييم الاداء من منظور مدى نجاح المنظمة العامة في اشباع رغبات طالبي الخدمة او العملاء. المناخ المعقد وحول معوقات تطبيق الادارة الاستراتيجية في المنظمات العامة قال الدكتور عبدالحميد ابو ناعم ان المدير في المنظمة العامة يعمل في مناخ معقد ومتشابك يختلف عن المناخ الذي يعمل فيه المدير في المنظمة الخاصة، فهو ليس مسئولا فقط امام عملائه بل هو مسئول ايضا امام مجموعة من اصحاب المصالح المختلفين مثل دافعي الضرائب والذي يهمهم في المقام الاول حسن استخدام وتوجيه الضرائب التي يدفعونها والحصول على خدمات ومعاملة تتماشى مع ما يدفعونه اضافة الى القوانين الحكومية والصحافة والاعلام والاجهزة التشريعية والتنفيذية المختلفة ويؤثر هذا المناخ المعقد على مسئولية الادارة العليا للمنظمة العامة ونجاحها في تطبيق مكونات عملية الادارة الاستراتيجية وهناك مجموعة اخرى من العوائق تحد من تطبيق الادارة الاستراتيجية في المنظمات العامة منها ان المشروع هو الذي يقوم بوضع رسالة واهداف واستراتيجيات المنظمة العامة، وصعوبة وضع مقاييس كمية رشيدة لقياس الاهداف والاداء في المنظمات العامة، واهتمامها بالاجل القصير اكثر من اهتمامها بالاجل الطويل، ونقص الوعي لدى المنظمات العامة بالاساليب الجماعية وغير الرسمية لحل المشكلات، وتأثير الرأي العام والاعلام على عمليات التخطيط في هذه المنظمات وبالتالي يتم اللجوء الى حلول وسط لا تكون الافضل عادة. وقال ان على مدير المنظمة العامة الناجح ان يأخذ الاختلافات الثقافية بينها وبين المنظمات الخاصة في الاعتبار حتى يستطيع تحقيق الاستفادة القصوى من مدخل الادارة الاستراتيجية وهي المنافسة التي توجد في المنظمات العامة بدرجة اقل من المنظمات الخاصة وتأثير العمل وصعوبة قياس الاداء الحكومي وتعدد اغراض المنظمة العام اذا ما قورنت بالمنظمة الخاصة ومن المهم تحديد هذه الاغراض ووضع الاطار العلمي الذي يساعد على تحقيقها. وحول الادارة الاستراتيجية والاداء في المنظمات العامة قال الباحث على الرغم من الأثر الواضح للجهات العليا وتأثيرها على اتجاه المنظمة المستقبلي إلا ان التشريعات لم تمنع احداً من أن يؤدي عمله باحتراف وفاعلية وكما يساعد نموذج الادارة الاستراتيجية المنظمات الخاصة على زيادة فاعليتها فإنه يمكن ان يساعد المنظمة العامة ايضا في بلورة اتجاهها ورؤيتها الاستراتيجية للمستقبل ورسالتها التي قامت من أجلها، واهدافها قصيرة وطويلة الاجل واخيرا تصميم وتطبيق ومتابعة الاستراتيجية، مشيرا الى ان الادارة الاستراتيجية في المنظمات الخاصة حققت نتائج فعالة خلال مراحل تطورها المختلفة وعندما تم تطبيقها في المنظمات العامة حققت نتائج مماثلة، ففي مدينة انديانا بولس حققت المدينة وفورات قدرها 400 مليون دولار نتيجة تطبيقها لعملية التخطيط الاستراتيجي في ادارة المدينة، واما القوات الجوية الامريكية فقد اهتمت بوضع رؤية مستقبلية لها كي تتمكن من التعامل مع المتغيرات الجديدة، وقد مكنها ذلك من تشكيل وتطوير اعمالها وانشطتها بما يتماشى مع هذه الرؤية المستقبلية. واستخدام الادارة الاستراتيجية في ادارة الحكومة الفيدرالية الامريكية لها جذورها منذ اوائل الثمانينيات في عهد الرئيس الامريكي ريجان، ثم استكمل هذا عام 1993 من خلال اللجنة التي شكلت بواسطة نائب الرئيس الامريكي آل جور لمراجعة الاداء الحكومي والتي ركزت على تحسين الخدمات المقدمة للعملاء باعتبار ان العميل لابد ان يوضع في المرتبة الاولى، وتقليل الانفاق الحكومي بمبلغ 108 مليارات دولار، وتخفيض حجم القوى العاملة في الحكومة الفيدرالية بنسبة 12% خلال خمس سنوات، ووضع رسالة للحكومة الأمريكية تعتمد على شعار أساسي وهو وضع المواطن أولا، وترشيد أداء المنظمات الفيدرالية وزيادة انتاجيتها. ولبريطانيا تجربة مماثلة أيضا حيث وضعت الحكومة شعار الخدمة أولا بحيث يعكس هذا الشعار الرسالة الأساسية للحكومة وهي الخدمة، وقد أدى هذا إلى تحسين تقديم الخدمات الحكومية وزيادة وعي مقدمي الخدمة بأهمية العميل، واتضح من خلال مراجعة الدراسات الخاصة بتطبيق عملية الإدارة الاستراتيجية على مستوى الولايات المتحدة ان هناك 40 ولاية تقوم بتطبيق مبادئ الإدارة الاستراتيجية قد ساعدها على الارتقاء بخدمات هذه الولايات للتقدم لجائزة الجودة الشاملة وهي من أرقى جوائز الجودة الشاملة في العالم، وأدى تطبيق الإدارة الاستراتيجية في هذه الولايات لتحقيق نتائج مهمة في إدارة المنظمات العامة منها وجود رؤية واضحة للمستقبل لدى هذه الولايات، تحسين جودة الخدمات المقدمة للعملاء وزيادة الوعي بأهميتهم وتأثيرهم، والتحسن المستمر في الأداء، والتركيز في الإدارة على النتائج والحقائق، زيادة المشاركة الخارجية لأصحاب المصالح المختلفين، وفي دراسة أخرى أوضحت ان الإدارة الاستراتيجية تلاقي قبولا واسعا في المنظمات العامة بصرف النظر عن الانتقادات واتضح من خلال هذه الدراسة ان العيب ليس في الإدارة الاستراتيجية لكن العيب في التطبيق وان عدم تحقيق نتائج مثالية من هذه العملية راجع إلى عدم وجود القيادات التي تستطيع وضع الإدارة الاستراتيجية موضع التطبيق. وقال ان ما يدور في دولة الامارات على المستوى الاتحادي أو المحلي يعكس مدى إيمان قياداتها العليا بمفاهيم الإدارة الاستراتيجية، فقد وضعت وزارة التربية والتعليم رؤيتها للتعليم حتى عام 2020 (رؤية التعليم 2020) كما قامت امارة دبي باعداد توجهات لجميع دوائرها المحلية باعداد رؤيتها المستقبلية للقرن الجديد وبدأت كل الدوائر في اعداد رؤيتها وخططها الاستراتيجية حتى عام 2005، وفي خطاب ألقاه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بمناسبة تقليده درجة الدكتوراه الفخرية في الإدارة من جامعة سافوك الأمريكية قال سموه: اننا لا نقبل الموقع الثاني في أي شيء، ومن منا يتذكر ثاني من هبط على سطح القمر أو ثاني من تسلق جبال افرست، ونحن لا نريد حكومة بالروتين لان الروتين يقتل كل شيء وعلينا إدارة الأجهزة الحكومية بتفكير متحرر كتفكير الشركات الخاصة. وقال سمو ولي عهد دبي أيضا: ينبغي أن يكون لك رؤية وان تمتلك الشجاعة لتحقيقها. وهنا فان شجاعة القائد في انه يركز على الأمور الاستراتيجية واختيار مساعدين أقوياء لانجاز الأعمال. خدمة مرتفعة الجودة ويقول الدكتور عبدالحميد أبو ناعم ان نتائج تبني المنظمات العامة للإدارة الاستراتيجية يمكن تلخيصها في عدة نقاط وهي: وضع العميل على رأس أولويات المنظمة العامة، الإيمان بأن من حق عميل المنظمة العامة الحصول على خدمة مرتفعة الجودة سواء من حيث سرعة تقديم الخدمة، أو أسلوب التعامل مع العملاء وبدون بيروقراطية، النظر إلى العملاء على انهم هم الذين يدفعون مرتب الموظف العام، وقد بدأت المنظمات العامة في الاهتمام برغبات العملاء لتحقيق رضاهم، كما أصبح الحكم على القيادات العليا من خلال قدرتها على ارضاء واشباع رغبات العملاء. ومن هنا بدأ الاتجاه إلى اختيار القيادات المحترفة التي تستطيع إدارة هذه المنظمات بنفس الاسلوب المستخدم في القطاع الخاص، ولم يعد الاهتمام بعملية الادارة الاستراتيجية مقصورا على مستوى المنظمة بل تعدى هذا إلى مستوى إدارة الدولة. وأضاف ان هذه الدراسة تهدف إلى تشخيص الممارسة الفعلية للإدارة الاستراتيجية ومكوناتها في المنظمات العامة في الامارات، وتحديد المرحلة التي تمر بها هذه المنظمات من مراحل تطور الفكر الاستراتيجي، وتحديد نموذج الإدارة المطبق في هذه المنظمات، مع تحديد العوامل التي تحد من تطبيق الإدارة الاستراتيجية في المنظمات العامة بالدولة، وتأتي أهميتها على المستوى التطبيقي في انها تلقي الضوء على أولويات المدير في المنظمات العامة بالامارات وتوجيه النظر لاعادة ترتيب هذه الأولويات من خلال التركيز على أساسيات النجاح وأهمها إدارة المنظمات العامة استراتيجيا بكل ما يتضمن هذا من وجود تصور واضح للقضايا المستقبلية المهمة، الاهتمام بالعملاء، وجود أهداف واضحة ومحددة، وأخيرا وجود استراتيجية واضحة للمنظمة، وزيادة فهم المديرين للقوى المؤثرة التي تحد من تطبيق الادارة الاستراتيجية والتغلب عليها لتحقيق الانجاز المطلوب، وتدعيم المديرين لادارة منظماتهم باحتراف وفاعلية بما يضمن لهم خدمة عملائهم والبقاء والاستمرارية في وظائفهم. تدريب القيادات العليا وحول توصيات الدراسة قال الدكتور عبدالحميد انه في ضوء الدراسة التي قمت بها فان هناك مجموعة من التوصيات لابد من وضعها في الحسبان ومنها: الاهتمام باختيار القيادات الحكومية استنادا على الاحتراف الاداري والكفاءة واللجوء إلى المصادر الخارجية لجذب كفاءة متميزة، تغيير الاسلوب الحالي للخدمة المدنية جذريا، وتحديد الرواتب الخاصة بالقيادات العليا في ضوء المهمة المطلوبة منهم وبما يتناسب مع ما يحصل عليه زملاؤهم في الدوائر المحلية الأخرى، تدريب القيادات العليا وتثقيفها بأهمية الإدارة الاستراتيجية من خلال برامج طويلة الأجل يتراوح مدتها من 3-5 شهور بشرط التفرغ الكامل، تدريب الصف الثاني من القيادات على أن يتم تقييم القيادات العليا في ضوء دورها في خلق الصف الثاني، وتصميم برامج اعداد القيادات في ضوء المفاهيم الحالية لعلم الادارة العامة الجديد وأهمها: أهمية العميل للمنظمة العامة، والانتاجية، إدارة الجودة الشاملة، اعادة وهندسة المنظمة العامة من جديد، أثر الأداء الفعال للمنظمة العامة على تعظيم القدرات التنافسية للدولة، التحول من ثقافة التعطيل لمصالح الجمهور إلى ثقافة التيسير على الجمهور. وتوصي الدراسة كذلك باعادة النظر في سياسات التوطين وتنمية القوى البشرية المواطنة وتوجيه الجهود لاعداد القيادات أولا، ويجب تدعيم الجهات المسئولة عن عمليات التنمية الادارية بالأموال والمهارات المطلوبة اللازمة حتى تستطيع اعداد القيادات المطلوبة، تغيير مناخ العمل الحالي والذي يسمح بالتحسين المستمر في المنظمات العامة، ووضع استراتيجية للتنمية الإدارية على مستوى الدولة من خلال التعاون والتنسيق بين الجهات المسئولة عن التنمية الإدارية ولجنة تنمية واعداد القوى البشرية الوطنية على مستوى الدولة، تدعيم وتشجيع القيادات الادارية بالمنظمات العامة على ادخال التغيرات وأوجه التطوير الاستراتيجية المطلوبة، مع خلق المناخ الايجابي الملائم لزرع هذه التغيرات. واقعية الأهداف وبعد انتهاء الدكتور عبدالحميد أبو ناعم من محاضرته أثيرت مناقشة حول ما تضمنته من آراء وأفكار واقتراحات فأشار مدير عام معهد التنمية الادارية يوسف عيسى الصابري إلى ان تقبل الناس للادارة الاستراتيجية ووجود رؤية ورسالة للمنظمة العامة ليس بالأمر السهل وعلى القيادات في الادارة العليا أن تأخذ آراء وأفكار العاملين بالمنظمة والتخلص من القيود والروتين المكبل لانطلاق المنظمة نحو آفاق أرحب. ويقول د. محمد أحمد الزرعوني مدير عام المنطقة الحرة بمطار دبي من خلال ملاحظتي فان وجود الأهداف لأي منظمة يعني النجاح وإنما لابد من وضوح هذه الأهداف وواقعيتها من ناحية التطبيق حتى يمكن تحقيقها، اضافة إلى ذلك لابد وأن تتميز أية خطة بالمرونة خاصة الخطط طويلة المدى. ويقول محمد خميس المازم من معهد التنمية الادارية: ان الوصول إلى القمة أسهل من المحافظة عليها وهناك بعض المؤسسات الأمريكية التي ترضى بالموقع الثاني على ألا يكون لها منافس وحتى يكون هناك حافز للوصول إلى الأفضل، والنقطة الثانية هي وجود إدارة مركزية للتخطيط والتي يجب أن تعطى لها الحرية للتخطيط ولا يخرج ذلك عن الاطار العام للمؤسسة. ويقول محمد يوسف العوضي من معهد التنمية الادارية هناك سؤال لابد من الاجابة عليه وهو هل تطبيق الادارة الاستراتيجية يحتاج إلى قرار سياسي؟ على الرغم من ان الشركات الخاصة تستطيع اتخاذ هذه الخطوة عن طريق الادارة العليا والقيام بتنفيذها دون انتظار. الدكتور عبدالحميد أبو ناعم: ان تطبيق الادارة الاستراتيجية مسئولية من يدير بعيدا عن الانظار لقرار من الجهاز الأعلى، ودبي الآن تعيش في نفس المجال ولكن القيادات فيها تعرف الأعمال التي تريد انجازها. قاسم جميل من معهد التنمية الادارية: ان الموضوع الذي تم طرحه في هذه الندوة على جانب كبير من الأهمية خاصة وانه يرتبط بالادارة الاستراتيجية للمنظمات الحكومية وقيام العديد من الدول المتقدمة والنامية بتبني مفهوم التخطيط الاستراتيجي على مؤسساتها وهيئاتها بل على مستوى الحكومة نفسها ومن ناحية أخرى فان عمليات الخصخصة في بعض الدول لم تتحقق بالكيفية الصحيحة لاستمرار فلسفة الخدمة المدنية المغلقة، والسؤال هل من الممكن أن نتحول إلى ثقافة الجودة في المنظمات الحكومية بنفس الأفراد الموجودين على رأسها وفي الادارة العليا؟ والاجابة تتلخص في عملية التطوير للفكر الإداري لهؤلاء الأفراد. الخصخصة ويقول الدكتور محمد إبراهيم الرميثي الأستاذ بجامعة الامارات: هناك فارق كبير بين المنظمات العامة والمنظمات الخاصة في ان الأخيرة لديها مساحة أكبر من الحرية في الإدارة وفي حرية التصرف على عكس المنظمة العامة التي تعمل في اطار عدة منظمات كوحدة واحدة وبرؤية واحدة وهناك مجالس عليا شبيهة بمجالس الادارات في منظمات الأعمال ولكنها ليست بهذه المرونة التي يتصف بها القطاع الخاص لوجود بعد اقتصادي، وأما بالنسبة للاتجاه للخصخصة فقد وجد اقتصاديو المالية العامة ان النفقات الحكومية في زيادة وبمعدلات كبيرة فبرزت فكرة الخصخصة وشهدت نجاحا ملحوظا في بعض البلدان. والحقيقة ان كل دولة تضع رؤيتها الاستراتيجية العامة وتضع أهدافها التي تريد الوصول إليها مع الأخذ في الاعتبار التغيرات المستقبلية ولكن لا يعني وجود متغيرات ألا نضع خطة استراتيجية، ونحن في دولة الامارات لنا رؤية استراتيجية ولكنها ليست موثقة أو مكتوبة وهناك رؤية واضحة على مستوى الدولة نجدها في الممارسات العملية وفي التنفيذ. أحمد السركال مدير هيئة تنمية الموارد البشرية بالانابة: في الحقيقة هناك دراسات كثيرة تم تقديمها في السابق عن الادارة الاستراتيجية على مستوى الدولة وعلى مستوى الوزارات وهذه المحاولات دعوة للنزول للميدان وقياس مدى وجود أن تطبيق هذا المفهوم، والاطار الفكري للادارة الاستراتيجية موجود في مفهوم القيادات السياسية ورواد الادارة في الدولة وتطبيق هذه الادارة في القطاع الحكومي لا يتأتى إلا على العاملين في الادارة العليا وأما بالنسبة لمعوقات تطبيق الادارة الاستراتيجية فتتمثل في تعميق الادارة الحكومية ولكن تجربة دبي بقيادة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع أثبتت قدرة العنصر المواطن على ادارة المؤسسات بكفاءة عالية وبالمفهوم المعاصر للادارة. ويضيف السركال لقد أثار المحاضر نقطة مهمة وهي عنصر المشاركة والتي لابد وأن تكون مشاركة حقيقية لضمان تطبيق الادارة الاستراتيجية للوصول نحو تحقيق الهدف المنشود. ويقول علي بن عبود مساعد المدير العام لدائرة شئون الموظفين: هناك سؤال مهم وهو هل القيادات الادارية قادرة على تنبي الادارة الاستراتيجية واتخاذ القرارات الملائمة في هذا الصدد ونجاح المؤسسات والمنظمات في دبي نابع من تشجيع عملية الاقتراحات وتبني هذه الاقتراحات وتطويرها والسعي نحو تنفيذها على أرض الواقع، وإذا أردنا فعلا انجاح مفهوم الادارة الاستراتيجية فلا بد من اعداد القيادات الادارية التي لديها قناعة بأهمية الادارة الاستراتيجية ووضع الخطط والبرامج الزمنية والسياسات مع تفعيل الرقابة وتقييم الأداء. وأما بالنسبة لمعايير «الايزو» فان الفكر الاداري الحديث يقول ان هذه المعايير بالنسبة للقطاع الحكومي تزيد من الروتين وتركز على الاجراءات فقط والاتجاه الصحيح تطبيق معايير التميز في القطاع الحكومي ويعتبر هذا نقلة نوعية. وفي نهاية الندوة أشار الدكتور عبدالله العوضي ان هناك 450 ألف عالم عربي مهاجرون إلى الدول الغربية والخسارة التي تلحق بهجرة هذه العقول العربية 200 مليار دولار، والسبب في هذه الهجرة معروف وواضح وليس هناك نية للعمل من أجل ارجاع هذه العقول أو المحافظة على من تبقى منهم، لا شك ان المناخ العام في الدول العربية لا يشجع ولا يدفع بتقدم العلماء أو الباحثين مما يؤدي بهم في النهاية إلى الهجرة. وهناك نقطة مهمة تمت اثارتها وهي عملية المشاركة وتشجيع كل من لديه فكرة أو اقتراح بالتقدم بها للمؤسسة التي يعمل فيها وهذا مطبق في اليابان وبصورة لم يسبق لها مثيل. أدار الندوة: الدكتور عبدالله العوضي تغطية: السيد الطنطاوي

