يطاردونك في كل مكان في السوق, في الممرات, عند اشارات المرور, في المقاهي, على أبواب المراكز التجارية, وحتى أمام أبواب البنوك وأجهزة الصرف الآلي, يقترب أحدهم منك يدفع في وجهك مجموعة بطاقات الاتصالات, تشتري! تدخل السوق لشراء مستلزماتك تلتفت خلفك تفاجأ بطابور منهم يسير وراءك ويسألونك في الحاح, حمال حمال, كل رأس ماله صندوق فارغ وصحته, جسد ضخم, شوارب غليظة ولحية طويلة ونظرات تكاد ان تقول لك تستخدمني وإلا..! أمام اشارات المرور الرئيسية يقطع عليك صمتك هندي أو بنجالي أو باكستاني وهو يبتسم هل أنظف لك السيارة؟ تقول له الوقت لا يتجاوز دقيقة بعدها تفتح الاشارة, يرد عليك: بابا انا نفر مسكين! إذا اخطأت وجلست على المقهى تستريح من عناء يومك تقترب منك احداهن وهي تحمل عدة أكياس تسألك بهدوء تشتري ساعة, تشتري ولاعة, تشتري لعبة, تشتري حزاماً, تشتري أي شيء؟ هذه العمالة الوهمية أصبحت تشكل ظاهرة مثيرة تقلق المجتمع وتركيبته وأمنه وسلامته. من المسئول عن هؤلاء الذين يتجولون بحريتهم في الشوارع بل وبعضهم يطرق أبواب البيوت عارضاً بيع أقمشة أو مكياج أو سلع غذائية معينة؟ من الذي كفلهم؟ ثم إذا كان لهم كفلاء أين هم؟ ولماذا تركوهم هكذا يتحركون بحريتهم دون رقيب أو حسيب؟ وإذا كانوا قد هربوا من هؤلاء الكفلاء فأين الرقابة الحكومية وأين التفتيش على المحلات أو على الأماكن التي يمارس فيها هؤلاء أنشطتهم؟ البداية تبدأ المشكلة منذ اللحظة التي يقدم فيها الكفيل المواطن خدماته باصدار تأشيرة عمل لشخص لا عمل له عنده, قد يكون ذلك بمقابل وقد لا يكون ويعتبره خدمة فقط لصديق ربما أو عامل آخر لديه, النتيجة وصول العامل إلى البلاد واقامته فيها ولكن بلا فرصة حقيقية للعمل. يقول غلام خان (باكستاني) نحن لا نعمل, كل ما نفعله نأتي مع كل صباح لنقف هنا في السوق سواء أمام سوق المواشي أو أمام سوق الخضار ننتظر على الرصيف ربما يأتي زبون لشراء بقرة أو لشراء رأس غنم فنقوم بحملها إلى سيارته أو تكتيفها أو توصيلها وربما يطلب منا الذهاب معه إلى البيت لذبحها هناك. يضيف: نعم قدمت بتأشيرة عمل لاحدى الجهات ولكنها أغلقت نشاطها بعد فترة ووجدت نفسي بلا عمل فلجأت إلى هذه المهنة كي أوفر قيمة مصروفاتي ومصروفات عائلتي في باكستان, ولا أستطيع العودة الآن لأني لا أملك النقود الكافية للعودة, وعملي هذا مؤقت لحين الحصول على وظيفة, وان كنت أتدرب الآن على قيادة السيارات فربما أجد كفيلا أعمل سائقاً لديه. والكلام نفسه يقوله حازم خان (27 سنة باكستاني): لقد قدمت بتأشيرة عمل ولكن الكفيل تركني وبحثت كثيرا عن عمل حتى حصلت على فرصة مع مجموعة من الباكستانيين الذين يعملون في سوق المواشي, حيث أعمل في تحميل الحيوانات أو ذبحها ولكن منذ ظهور الحمى التي أصابت الماشية انخفض العمل كثيرا, وأصبحت لا أكسب في اليوم الواحد عشرة دراهم وأعيش مع 10 أفراد في بيت شعبي وأظل طيلة النهار خائفا من مطاردة رجال الشرطة ورجال العمل والعمال حيث تأتي حملات شبه يومية وتمسك البعض منا, وأنا مضطر لهذا العمل حيث لم أجد غيره. ويقول عمر محمد (هندي) 35 سنة: ليس لي عمل محدد والكفيل طلب مني أن أبحث عن عمل فلم أجد غير سوق الخضار أقف فيه طيلة النهار حيث أشتري صندوق فراولة من أحد التجار وأبيعه بالتجزئة. وأكسب في الصندوق الواحد عشرة دراهم, وقد اتمكن من بيع صندوقين في اليوم وحين يكون العمل جيدا أتمكن من بيع ثلاثة صناديق, والمشكلة هي خوفي الدائم من حملات التفتيش سواء من البلدية أو مكتب العمل والعمال أو من الشرطة, ولكن ماذا أفعل وقد حضرت للبلاد ولا أريد العودة إلا بعد تحقيق ربح من هذه السفرة التي كلفتني كثيراً. ويقول عربي رفض ذكر اسمه: اشتريت التأشيرة بحوالي 8 آلاف درهم وكان معي عقد عمل اكتشفت انه وهمي وان الصحيح فقط كان التأشيرة فقط وعندما ذهبت للشركة التي يفترض ان التأشيرة محسوبة عليها اخبروني انه لا يوجد عمل ويمكنني ان اتصرف ولذا لم اجد غير موقف سيارات لرواد المقاهي اقف فيه طيلة النهار عارضا خدماتي على قائدي السيارات واغسل السيارة بعشرة دراهم وفي اليوم الواحد قد اغسل ما بين ثلاث او اربع سيارات وابيت عند احد اصدقائي واتناول طعامي على المقاهي وفي الشارع ولا استطيع العودة الآن لاني خالفت قوانين العمل بعد ان تم الغاء رخصة الشركة التي حضرت على تأشيراتها واتوقع ان يقبض علي بين يوم وليلة ولكن ماذا افعل؟ انتظر فقط الحصول على قيمة التذكرة ثم بعدها أغادر عائدا الى بلادي. ويقول كمال خان (بائع متجول) ليس لي كفيل حضرت بتأشيرة زيارة ثم خالفت وبدأت في بيع اشياء ومستلزمات يستخدمها الباكستانيون كالمصنفات والسواك وغيرها ولم اكن اكسب منها كثيرا فتركتها بعد ان نصحني اصدقائي بالوقوف امام سوق المواشي للعمل في مساعدة الزبائن على نقل الذبائح او حملها او ذبحها. واضاف المشكلة التي تؤرقنا ليل نهار هي عدم وجود اقامة معنا والحملات المستمرة للشرطة والجوازات ومكتب العمل ونحن نعرف شكلهم وحين تصل الحملة نتولى اخبار بعضنا البعض بطريقة التتابع حتى ينتشر الخبر في السوق كله. ويقول: انتظر فرصة للحصول على عمل أو كفيل يضمن اقامتي بشكل قانوني واذا لم اجد سأظل على هذا الحال حتى يقبض علي. ويقول سيفا 35 سنة باكستاني: عندما طردني كفيلي لم اجد سوى سوق المواشي لكي احصل من خلاله على عمل اضمن به قوت يومي, ونحن نبيت مع بعضنا في سكن مشترك ونأكل معا. ويضيف ان كفيلي طردني نتيجة زيادة العمالة عنده وعدم تحقيق متجره ارباحاً فقرر التخلص من بعض العمالة وكنت انا منها. ويقول غلام سيد اعمل حاليا جزارا متجولا اخرج منذ الصباح الى الرصيف المقابل لسوق المواشي في انتظار الزبائن الذين يفدون الى السوق لشراء المواشي وذبحها حيث نعمل على تحميل هذه المواشي او المساعدة في ذبحها, واذا طلب مني أداء اي عمل آخر قمت به, المهم ان اجد عملا احصل منه على اجر. وعند اشارة من اشارات المرور العديدة بالمدينة كان مشهد بائعي بطاقات الاتصالات مثيرا وحين توقفت بنا السيارة وبمجرد ان اشرنا للشخص الذي يحمل مجموعة او شريطا متلاصقا منها (مجموعة من البطاقات) حتى هرول قاطعا اكثر من شارع حتى وصل الينا وسألنا: هل تريدون بطاقة بـ 60 درهما أم 30 درهما سألته.. كم بطاقة معك.. قال أي عدد من البطاقات تريد لدي او لدى (الكوماندا) الكوماندا هو تاجر الجملة الذي يشتري مجموعة كبيرة من البطاقات من مصادرها قد تصل قيمتها الى ثلاثين الفا ثم يقوم بتوزيعها على عدد من العاطلين او حتى اولئك الذين يعملون في جهات حكومية لفترة دوام واحدة ثم يتفرغون بعد الظهر لتوزيع هذه البطاقات مقابل حصة او عمولة معينة. سألته بكم تشتري البطاقة؟ قال محمد علي اشتري البطاقة التي تبلغ قيمتها ثلاثين درهما للزبون بـ 27 درهما وتلك التي قيمتها 60 درهما بـ 52 درهما واوزع في فترة ما بعد الظهيرة حوالي 30 بطاقة واقف دائما عند اشارات المرور أو محلات السوبر ماركت الكبرى, وقد ساعدنا على هذا العمل انتشار الهواتف ذات البطاقات المدفوعة. ويضيف: أنا أعمل في البلدية وبعد انتهاء عملي الرسمي أتنقل بين اشارات المرور لبيع هذه البطاقات ويقول انه لا يخشى من حملات التفتيش لانه لا يستقر في مكان واحد. أما على المقاهي فتنتشر فتيات صينيات يأتين من دبي إلى العين أو الشارقة أو عجمان أو الفجيرة حيث يتسللن بهدوء إلى جوار الجالس على المقهى وقبل أن يضعن حقائبهن وأكياسهن يسألن الجالس هل تريد ساعة ولاعة.. حزام.. لعبة لطفلك أو سي. دي فإذا وافق جلست ونشرت بضاعتها وأخرجت من الساعات التي تحمل أسماء وماركات عالمية (سايكو وريموند ويل وجيفنشي ورادو وغيرها) ويبدأ السعر بمئة وخمسين درهما ويظل السعر يتأرجح بين الزبون والبائعة حتى يصل إلى 40 درهما في أحسن الأحوال وعندها توافق ولا تنسى قبل أن تقوم أن تعرض خواتم ومحافظ نقود وعقوداً وأساور مقلدة. قالت احداهن انها قدمت من الصين بتأشيرة زيارة تحولت إلى اقامة نظير مبلغ خمسة آلاف درهم دفعتها للكفيل وتكسب يوميا ربحا صافياً لها بعد تسديد قيمة البضائع حوالي 50 درهما أما مواصلاتها وانتقالها من دبي إلى بقية امارات الدولة فهو عن طريق الاتوستوب والركوب مع اي سيارة في طريقها! وتضيف نعيش جماعات مع بعضنا في شقق ايجارها الشهري ما بين 800 إلى 900 درهم ومكونة من غرفتين ونسكن فيها حوالي 6 إلى 8 بنات لتخفيف قيمة الايجار الشهري وتقول نسافر إلى بلادنا كل ثلاث سنوات ومعظمنا متزوجات وهذه المهنة مربحة ولا نعاني من مشاكل مع الهجرة أو العمل والعمال. ويقول س. ع. عربي الجنسية اشتريت تأشيرة عمل بسبعة آلاف درهم على أمل الحصول على عمل في الدولة لان الكفيل الذي استقدمني كان واضحا منذ البداية ألا عمل لديه ولكن مقابل سبعة آلاف درهم سيعطيني الاقامة ورغم اني محام وخريج كلية الحقوق الا ان تضاؤل فرص العمل بعد وصولي واكتشافي حقيقة انكماش سوق العمل دفعاني للعمل في المقهى لتقديم الطلبات للزبائن. تحقيق: محمود عبدالكريم