ظاهرة الرسوب ظاهرة من الظواهر التي ترافق العملية التربوية, وهي ظاهرة عادية ما دامت تقع في حدود النسبة الطبيعية لها, ولكن ارتفاعها عن هذه الحدود بصورة ملفتة للنظر يجعلها تشكل مشكلة خطيرة, لا بل كارثة وطنية تستنزف نسبة كبيرة من طاقات المجتمع المادية والبشرية دونما عائد يذكر. وقد أظهرت نتائج امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول للعام 2000 - 2001 ارتفاعا في نسبة الرسوب لدى طلبة الصف الأول الثانوي وصلت إلى 49% تقريبا في احدى مدارس دبي المتميزة, وهذه النسبة لا نجد لها مثيلا في نتائج الصفوف السابقة أو اللاحقة. وتشير احصائيات نتائج امتحانات صفوف النقل في نهاية العام الدراسي إلى بروز هذه الظاهرة في كل عام دراسي, وان كانت في امتحانات نهاية العام الدراسي أقل حدة. هذا الواقع يسترعي الانتباه ويؤكد على وجود خلل في موقع أو أكثر من مواقع نظامنا التعليمي ومحطاته المختلفة. ترى ما هي طبيعة هذا الخلل؟ وأين يكمن؟ وما هي عوامله؟ وما السبيل للتصدي له؟ هذه هي القضية التي نحملها إلى كل من له علاقة محتملة بها, نستشرف رؤاهم حولها, ونتلمس الوسائل الكفيلة بمواجهتها, والعودة بظاهرة الرسوب إلى حدودها الطبيعية. بداية يوجه الدكتور أيوب بدري أصابع الاتهام إلى المرحلة التأسيسية والابتدائية حيث يقول: ان لظاهرة الضعف الدراسي, ومن ثم الرسوب طبيعة تراكمية, بمعنى ان عدم تحقيق النجاح الدراسي الرسمي الذي نراه في أنقى صوره في نتائج الصف الأول الثانوي, يعود إلى الصف الأول الابتدائي بالدرجة الأولى, نواته تبدأ مع هذا الصف, وتبدأ بطريقة غير ملاحظة من خلال ضعف الطالب في مهارات التعلم الأساسية, ولاعتبارات غير سوية تأخذ في التراكم. قد يتساءل البعض قائلا: هل ضعف الطالب في مهاراته الأساسية من شأنه خلق الظاهرة موضوع الحديث؟ أنا أقول نعم, لان هذه المهارات هي وسيلة اتصال الطالب بالكتاب, فمن لا يجيد القراءة, من أين تأتيه وسيلة التعامل مع القلم والورقة, وبالتالي من أين تأتيه القدرة على ترجمة أفكاره إلى كلمات مفهومة, أما المهارات الحسابية المتمثلة في اجراء العمليات الحسابية الأربع, فهي تدخل في جميع التخصصات العلمية والمواد العلمية. والاستهانة بهذه المهارات هي التي تفسر لنا ما يحدث في الأول الثانوي. ويتابع د. أيوب قائلا: ان من أهم شروط الاستمرارية الطبيعية في الدراسة تنحصر في عنصرين: مهارات التعلم ودرجة جودتها من جهة والدافعية من جهة أخرى, والعنصر الأول يكاد يكون غائبا لدى الغالبية العظمى من الطلاب بدليل الاقبال على الدروس الخصوصية وكثرة الاعتماد عليها, وهذا إن دل على شيء فانما يدل على اتكالية نسبة كبيرة من المعلمين. ولا يعفي د. بدري الأسرة من تحمل المسئولية في تشكيل ظاهرة الرسوب, حيث يرى انها الشريك الأول للمدرسة, وبالتالي فانها تتحمل هي الأخرى مسئولية هذا الموضوع, ذلك لعدم, أو لضعف اعدادها لطفلها قبل التحاقه بالمدرسة وتغاضت المدرسة عن هذا القصور, فلم تتخذ بدورها التدابير اللازمة لمواجهة قصور الأسرة من خلال ما يعرف في أدبيات التربية (بالبرامج التعويضية), والادارة التربوية كرست هذا الوضع حيث نجد تركيزها منصبا على المرحلة الثانوية, فيتم تزويدها بالعناصر التي تتمتع بأفضل مستويات الخبرة والكفاءة المهنية. خلاصة القول (ان هناك ضعفا في مهارات التعلم وهذا هو القاسم المشترك بين الغالبية العظمى من الطلبة, وهذا الضعف يتجلى بأوضح صورة مع بداية المرحلة الثانوية, آخر مراحل التعليم العام, هذه المرحلة التي أسميها بالمرحلة الفاضحة, ولعل ازدياد عدد المواد الدراسية المقررة في هذا الصف تلعب دورا في كشف ضعف تلك المهارات, والحل في اعتقادي - والحديث ما زال للدكتور بدري - يتمثل بالعودة إلى الصف الأول الابتدائي بصفة خاصة والمرحلة التأسيسية والابتدائية بصفة عامة, حيث المطلوب تقوية الطلاب في مهارات التعلم, ومن شأن هذا ان يحقق لدى الطلاب دافعية للتعلم ومن ثم تحقيق النجاح, فالنجاح - كما يقولون - يولد النجاح. دور الخدمة الاجتماعية والخدمة الاجتماعية في مؤسساتنا التعليمية معنية بمثل هذه الظاهرة, فلا بد الا وان يكون لديها ما تقوله. حيث يرى الأستاذ محمد السمنودي موجه الخدمة الاجتماعية في منطقة دبي التعليمية, ان ارتفاع نسبة الرسوب بين طلبة الصف الأول بصورة عامة, وفي بعض المواد بصفة خاصة ظاهرة موجودة على مستوى مدارس الدولة, ولها أسبابها, فلعل انتقال الطالب من مرحلة دراسية ذات طبيعة محددة إلى مرحلة أخرى أكثر انفتاحا وتنوعا, يأتي في مقدمة هذه الأسباب, وما اعنيه بالتنوع هنا, التنوع الكمي الذي يعكسه كم المواد الدراسية المقررة, والتي تصل إلى عشر مواد دراسية, علما بأن مفردات المنهج المقرر لبعض هذه المواد ليس امتدادا منطقيا لمفردات المادة المثيلة المقررة في الصف الثالث الاعدادي, هذا الوضع يخلق فجوة أوجدها عدم التواصل بين مفردات المادة في الصف السابق والصف اللاحق الأمر الذي يوجد لدى الطالب قدرا من القلق والاضطراب. ولا يمكنني بهذه المناسبة تجاوز القول بأن لهذه المشكلة جذورها التي تمتد إلى المرحلة التأسيسية خاصة والابتدائية عامة, فبدايات المشكلة تتشكل على أرضية هذه المرحلة, حيث ينتقل الطالب من المرحلة التأسيسية إلى الابتدائية العليا ومن ثم إلى الاعدادية دون أن يكون ملما الإلمام الكافي بالمهارات الأساسية, خاصة في مادتي اللغة العربية والرياضيات باعتبارهما المادتين اللتين تمثلان الركيزة الأساسية لعمليات التفكير والابداع, وهما اللتان تخاطبان مراكز عديدة في الدماغ. أستطيع القول انه إذا لم يتغير أسلوبنا في التعامل مع مكونات العملية التعليمية, ومن هذا الغاء سياسة النجاح الآلي, وإذا لم نجد البدائل المناسبة أمام الطلاب الذين لا تمكنهم قدراتهم من اجتياز الامتحانات, فان الظاهرة سوف تستمر. ويتابع السمنودي قائلا: ان الخلل لا يكمن في التعليم بقدر ما يكمن في اتجاهاتنا كتربية وتعليم, فنحن نفتقر إلى النظرة المستقبلية التي تحدد ما نريد. أنريد اجيالا مبدعة ومبتكرة أم أجيالا تتقن عملية الحفظ والصم؟ هل نريد مخرجات قادرة على أخذ دورها في التنمية أم مخرجات عاجزة عن التفاعل مع متطلبات التنمية, فتغدو عندئذ بطالة متعلمة لاحقة تضاف إلى بطالة سابقة؟ ويعود السمنودي ليؤكد بأن لاتساع رقعة الرسوب في الصف الأول الثانوي صلة بكم المواد الدراسية المقررة, فالطالب في هذا الصف يواجه عشر مواد دراسية ولا يجد أمامه الوقت الكافي للوفاء بمتطلباتها, الأمر الذي يضعف من قدرته على التكيف مع هذه المتغيرات الحادة, وهنا تبرز لنا أهمية توفير خدمات الارشاد والتوجيه التربوي في مدارسنا, بالقدر الذي يفي بمساعدة الطلاب على تحقيق التكيف الدراسي المناسب. مدارس طاردة للطلاب تأسيسا على ذلك دعني أقول بأن مدارسنا - وإلى حد ما - أصبحت طاردة للطلاب وبالذات, طالب الأول الثانوي الذي انتقل إلى مرحلة عمرية حرجة تشهد إضافة إلى المتغيرات الدراسية تغيرات فسيولوجية وعقلية وانفعالية واجتماعية.. إلخ, ويواجه أيضا اختلافا في طبيعة المعلمين, مما يزيد المشكلة تعقيدا, اننا ما زلنا نعتمد في مدارسنا طرق التدريس القائمة على التلقين, وفي ظلها لا يجد الطالب متنفسا, هذا ومما يزيد من جعل المدرسة بيئة طاردة للتلميذ سيادة الأساليب البيروقراطية والديكتاتورية في أجواء مدارسنا وهذه الأساليب لا تساهم في نمو شخصية الطالب ولا تلبي احتياجات نموه الجسمي والعقلي وبالتالي التحصيلي. ويضيف السمنودي قائلا ان عدم توظيف أعمال السنة بشكل ايجابي يراعي العدالة بين الطلاب من شأنه ان يؤدي أو يساهم بظاهرة ارتفاع الرسوب, ومن العوامل الأخرى التي من الممكن ان يكون لها دور في بروز هذه الظاهرة عدم قيام الأخصائي الاجتماعي بدوره المهني كاملا وبمواصفاته الفنية, واتجاهه إلى الانغماس في بعض الأعمال الادارية, الأمر الذي افقده دوره التربوي المأمول مما أثر على نوعية وجودة الخدمات المقدمة للطلاب وانني أنادي بعودة الأخصائي الاجتماعي إلى دوره. قواسم مشتركة ونجد لدى طلبة الصف الأول الثانوي قاسما مشتركاً من الأسباب لهذه الظاهرة حيث يرى الطالب أيمن عبد أيوب ان ما يتلقاه الطالب في مادة العلوم بالصف الثالث الاعدادي لا يهيئه لدراسة المواد العلمية في الصف الأول الثانوي, ولذلك فإن الغالبية العظمى من الطلاب يشعرون بأن هناك حلقة مفقودة. ويتابع أيمن قائلا: اعتقد ان هناك خللا في عملية اعداد الطالب في المرحلتين السابقتين, وإلا كيف يمكن تفسير رسوب طلاب في هذا الصف ولأكثر من مرة مع انهم لم يواجهوا الرسوب في المرحلتين السابقتين, وكيف وصل هؤلاء الطلاب إلى هذا الصف؟ كيف نجحوا في كل السنوات السابقة ونراهم يرسبون في الصف الأول الثاني ولأكثر من مرة؟ قد يتحمل الراسبون جزءًا من المسئولية لكن لابد ان يكون هناك من يتحملها معهم!! أما الطالب عبدالكريم طالب من مدرسة النعمان بن المنذر بعجمان فيضيف إلى ما قاله أيمن قائلا: ان الوقت الذي كان متاحا أمام الطالب لمذاكرة دروسه وأداء الواجبات الدراسية في الصف الثالث الاعدادي بقي كما هو بل أصبح في الأول الثانوي أقل نظرا لأن ساعات اليوم المدرسي بالنسبة لهذا الصف أكثر من ساعاته بالنسبة لطلاب الثالث الاعدادي, وفي الوقت نفسه فإن المواد الدراسية تضاعفت تقريبا دفعة واحدة دون تدرج وأصبح عددها احد عشر مادة دراسية, وهذا الأمر يستدعي مضاعفة الجهود وقدرة أفضل على تنظيم الوقت وحسن استثماره, وهذا ما لم يتم اعدادنا له, وهكذا يجد الطالب نفسه قد انتقل فجأة إلى مرحلة بينها وبين سابقتها هوة كبيرة, محدثا عنده القلق والارتباك والاضطراب, وهذه كلها تؤثر على مستوى تحصيله الدراسي. ويتابع عبدالكريم مضيفا مسألة أخرى يراها مهمة وتتمثل في طبيعة اسئلة الامتحانات في الصف الأول الثانوي وعددها الكبير والمعلومات التي تتطلبها الاجابة عنها وهذه كلها لا تتناسب اطلاقا مع الوقت المحدد للامتحان, وهناك عامل آخر له أثره في ارتفاع نسبة الرسوب في هذا الصف ويتمثل في مواجهة الطالب لاتخاذ قرار اختيار الفرع العلمي أو الأدبي, ولا يجد من يوجهه ويرشده فيقع في حيرة من أمره ويتخبط, وعندما يختار الفرع العلمي مثلا نراه يميل إلى الاهتمام بالمواد العلمية على حساب المواد الأخرى التي قد يهملها ويرسب في بعضها, وإذا وقع اختياره على الفرع الأدبي فإنه يهمل المواد العلمية ويهتم بالمواد الأدبية, وهذا الواقع من شأنه ان يزيد من احتمالات الرسوب بين طلبة هذا الصف. يقول الأستاذ عثمان داود استاذ الرياضيات في مدرسة العروبة الثانوية بالشارقة, هذه الظاهرة تواجهنا كل عام, واعتقد ان عوامل كثيرة تتدخل في صياغتها ولا يمكننا تجاهل ضعف مهارات التعليم الأساسية في المرحلة الابتدائية بشكل عام, كعامل يتدخل في رفع نسبة الرسوب في الأول الثانوي, لكن لا يمكن ان نعزو الظاهرة لهذا العامل وحده, فهناك عوامل كثيرة تتفاعل في بيئة التعلم منها ما يتعلق بكم المواد المقررة في هذا الصف وضعف عنصر البناء المنطقي في بعض المناهج الدراسية المقررة وغيرها, وما أرغب في الاشارة إليه ان نسبة الرسوب في هذا العام وفي العام الدراسي السابق كانت أكثر ارتفاعا مما كانت عليه من قبل ولعل هذا يعود إلى موعد اجراء امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول للعام السابق كان في شهر رمضان المبارك حيث تقل فرص المذاكرة والتركيز نظراً لكثافة العناصر المشتتة في هذا الشهر, اضافة إلى زيادة الرغبة في الشهر واطالته وفي هذا العام جاءت امتحانات نهاية الفصل مباشرة بعد شهر رمضان المبارك واجازة عيد الفطر السعيد, ولهذا فإن فرص المذاكرة والاستعداد للامتحان كانت ضعيفة, لهذا ارتفعت نسبة الرسوب وظهرت أكثر حدة مما كانت عليه. ومما تجدر الاشارة إليه أيضا ان قسما كبيرا من الطلاب يتسربون من الثالث الاعدادي وهم يعانون ضعفا لذلك نرى قسما منهم يهتم بالمواد الأدبية انتظاراً لعملية التشعيب وآخرون يهملون المواد الأدبية لكونهم يرغبون في الالتحاق بالقسم العلمي, هذه كلها عوامل تتدخل في نسبة النجاح والرسوب في هذا الصف. أما محمد حسن مدير مدرسة الإمام مالك الثانوية في دبي والذي بلغت نسبة النجاح بين طلبة الصف الأول الثانوي عنده 51% تقريبا فقد استهل حديثه بأن حمد الله وشكره على هذه النسبة قياسا ببقية المدارس التي يشكوا مسئوليها من تدني نسبة النجاح, وهو يعتبر هذه النسبة عادية كون الطلاب جددا على المرحلة الثانوية, والتي يمثل الصف الأولى الثانوي أولى وأصعب عتباتها وهم بحاجة لأن يصرفوا كما من جهودهم للتكيف مع متطلبات هذه المرحلة وتحقيق الانسجام اللازم مع معلميها ومناهجها ومن ثم التكيف مع المواد الدراسية ولهذه الأمور أثرها الكبير على اهتمامات الطلاب المتعددة والمختلفة. ويتوقع مدير مدرسة الإمام مالك الثانوية ان يطرأ تحسين ملموس على الأداء التحصيلي لطلاب هذا الصف خلال الفصل الدراسي الثاني, وذلك نظرا لتحقيق تحسن في درجة تكيف الطلاب مع هذه المرحلة بعد مرور فصل دراسي كامل, ونظراً لقيام المدرسة بتنفيذ برنامجاً خاصا لمتابعة الطلاب الضعاف سواء بالتعاون مع المنطقة التعليمية ومن خلال فصول التقوية التي تنظمها أو من خلال تقديم حصص تقوية صباحية وفقا لحاجات الطلاب, هذا اضافة إلى جدول منظم سيتم تطبيقه يوم الخميس من كل أسبوع, علما بأن هذه البرامج سيبدأ تنفيذها مع بداية الفصل الدراسي الثاني وتستمر حتى نهاية العام الدراسي. المرحلة التأسيسية بداية المشكلة هناك من يرى ان نواة هذه المشكلة تتشكل في المرحلة التأسيسية بوجه عام وفي الصف الأول الابتدائي بوجه خاص, ولدى استطلاعنا لرأي بعض المعلمين والمعلمات العاملات في هذه المرحلة لمسنا درجة عالية من التأثير لهذه المقولة حيث قال أحد المعلمين الذي أوصى بعدم ذكر اسمه أو مدرسته ان معلمي المرحلة التأسيسية يرفعون نسبة النجاح بين طلابهم تحت ضغوط الادارة المدرسية وضغوط الاتجاه السائد لدى نسبة كبيرة من الموجهين ومدراء ومديرات المدارس والذي يعتمد نسبة النجاح محكاً تتحد على أساسه كفاءة المدرس ونجاحه في أداء مهمته, ويؤخذ هذا المحك كمعيار أساسي عند تقويم أداء المعلم في نهاية العام الدراسي, ولذلك فإن نتائج الطلاب التي تظهر في كشفوات النتائج السنوية تكون ليست صحيحة ولا تعبر بصدق عن المستوى التحصيلي الصحيح للطالب, وأرى اننا لو وضعنا درجات تعبر بصدق عن مستوى الطالب لارتفعت نسبة الرسوب إلى 50% أو أكثر في حين لا نجدها تتجاوز نسبة 5.2 ـ 3% في الكشوفات الرسمية. وتؤكد احدى الادارات المدرسية صحة ما جاء على لسان معلم الفصل , ويقول ـ دون ان يذكر اسمه ـ نحن نضغط على المعلمين والمعلمات لرفع نسبة النجاح لأننا نواجه مثل هذا الضغط من السلطات التربوية المسئولة التي تبرر اتجاهها هذا بحجة ان الرسوب يمثل بابا من أوسع أبواب الهدر المادي والبشري, ويدعمون هذا الاتجاه باعتباره ينسجم مع توصيات مؤتمر اليونسكو التي أوصى بتقليل نسبة الرسوب من أجل مواجهة التزايد المستمر في نفقات التعليم, واعتقد اننا أخطأنا في اختيار الآلية التي تحقق توصيات اليونسكو حين بدأنا بمنح الدرجات لمن لا يستحقونها لرفع نسبة النجاح وبالتالي التقليل من نسبة الرسوب. وأرى أن الآلية الأمثل لتقليل نسبة الرسوب تتمثل في العمل على اثراء الكفاءة الداخلية للمدارس وحسن استثمار توظيف مرافقها, والعمل على تحقيق زيادة في انتاجية المعلمين, وتفعيل دورهم وهم الفئة التي تمثل أكثر مراحل التعليم كلفة. ومما يساعد على تقليل نسبة الرسوب وتخفيض نفقات التعليم مع المحافظة على نتائج التعليم ومستويات رفع كفاءة وانتاجية واستثمار التجهيزات والمواد التعليمية, مع رصد المتغيرات اللازمة في بنية وتكنولوجيا التعليم وزمن الدراسة, بالاضافة إلى حسن التخطيط الذي يوزع الأموال توزيعاً عادلا يعطي الجوانب التقنية في العملية التعليمية حقها من المخصصات, في الوقت الذي نرى ان البعد الاداري يطغى على تفكير رجال التخطيط نظراً لجهلهم في الجوانب الفنية, وهكذا يكون توزيع أموال الميزانية توزيعاً يفتقر إلى العدالة. وهناك قضية هامة وفي منتهى الخطورة وتتمثل في ضرورة تغيير نظرة القيادات التربوية المسئولة ـ قولا وعملا ـ إلى المرحلة التأسيسية بحيث تنسجم اجراءاتهم تجاه هذه المرحلة مع تصريحاتهم التي تعتبر هذه المرحلة هي مرحلة بناء أساس التعلم, وتكف بالتالي عن تصدير المعلمين الذين يفشلون في عملهم بالمرحلة الاعدادية أو الثانوية إلى المرحلة التأسيسية عامة والابتدائية العليا بوجه خاص الأمر الذي يوحي بأن المرحلة الابتدائية هي مأوى من فشلوا من المعلمين في المراحل الدراسية الأخرى. اين مواد النشاط؟ اما باسمة فايز معلمة المرحلة الابتدائية فتقول, صحيح ان نسبة من الطلاب ينتقلون من المرحلة الابتدائية الى المرحلة الاعلى دون وجه حق, حيث يعانون من ضعف في مهارات التعلم الاساسية, وقد يكون هذا احد عوامل تشكيل الظاهرة, وفي اعتقادي ان هناك عوامل اخرى كثيرة تتدخل في صياغة مشكلة ارتفاع نسبة الرسوب في الصف الاول الثانوي, ومن هذه فقدان الطالب في المرحلة الثانوية لكثير من النشاطات التي يستهويها كالنشاط الفني والرياضي والكشفي, ويكون احساسه بهذا الفقدان على اشده في الصف الاول الثانوي, لأنه يمثل بداية المرحلة الانتقالية بين ممارسة بعض او جميع هذه النشاطات وبين عدم ممارسته لها, خاصة وان حصة التربية الرياضية اليتيمة, غالبا ما يتم تجييرها لحساب مادة من المواد الدراسية الاخرى. وتتابع فتقول: ولا يخفي على احد فعالية الدور الذي تلعبه مواد النشاط في الترويح عن النفس وتنشيط قوى الطالب وشحذها للدراسة والمذاكرة خاصة في يوم دراسي مزدحم بالحصص الرسمية والاضافية, وفي صف كثرت مواده الدراسية المقررة, واصبح فيه الطالب بحاجة ماسة الى نشاط ترويحي يخفف عنه الضغوط النفسية التي ترافق عملية الانتقال من مرحلة الى اخرى تضاعفت فيها الاعباء الدراسية الملقاة على عاتقه. ويتجدد اتهام المرحلة التأسيسية باعتبارها سببا رئيسيا في ارتفاع نسبة الرسوب في الاول الثانوي على لسان عبيد سيف المطروشي, مدير مدرسة الراشدية الثانوية بعجمان حيث يقول ان نسبة النجاح في هذا الصف متدنية جدا وقد وصلت نسبة رسوب الطلاب في بعض المواد وخاصة العلمية الى 68% , 60 % و 65% ومن هنا يأتي الحكم على تدني النسبة العامة للنجاح في مقابل ارتفاع نسبة الرسوب. ويضيف المطروشي قائلا: الاساس في المرحلة التأسيسية تم بشكل خاطىء وهذا مالم تنظر اليه وزارة التربية والتعليم والشباب بعين الاعتبار او النظرة الصحيحة, فالملاحظ اننا قد بدأنا تعديل مسار التعليم من المرحلة الثانوية, وهذه بداية خطأ, حيث من الافضل ان تنطلق البداية من المرحلة التأسيسية. ويشير المطروشي الى ان قضية مدرس الفصل لم تدرس بعناية, حيث من المفترض انه الاساس الذي تبنى على جهوده وكفاءته العملية التربوية ويتحدد مسارها المستقبلي, فالدول المتقدمة تعتبره بروفيسورا بمعنى انه يتمتع بخبرات معينة ومتميزة في فن التعامل والتدريس والقدرة على تشكيل العجينة اللينة بشكل سليم. مدرس الفصل عندما يقوم بتدريس (4 مواد) ونصابه من الحصص (24) حصة, ويتعامل مع اكثر من 30 طالبا, في فصول تفتقر الى عناصر اثراء العملية التعليمية والمحلصة العامة ضعف في بناء الاساس دون تقويم عادل يعبر بصدق عن امكانيات الطلاب التعليمية. ويتابع المطروشي حديثه موضحا ان معلمة الفصل تتحمل هي الاخرى نفس المهام وفي ظل نفس الظروف التي يعيشها معلم الفصل, وهنا لابد من التساؤل, ترى هل لديها القدرة على التوصيل الجيد والتعامل في ظل هذا العبء الكبير الملقى على عاتقها خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار ظروفها الخاصة, انا اقول ــ بكل صراحة ــ لا, لان الاعباء المهنية مضافا اليها الظروف الخاصة لا تعطيها فرص تقديم الافضل. ويجزم المطروشي على ان عملية تقويم اداء الطالب التحصيلي في هذه المرحلة ليست دقيقة, ولا يشير الى المستوى التعليمي الحقيقي للطالب وبذلك يتم نجاح وترفيع عدد كبير ممن لا يستحقون النجاح وبالتالي الترفيع, وهكذا يتم ترحيل المشكلة الى المرحلة الدراسية التالية. وفي نهاية حديثه طرح المطروشي مجموعة من التساؤلات التي تحمل بين كلماتها وحروفها اجابات هي ليست في صالح استراتيجيات العملية التعليمية القائمة. ترى كم مادة دراسية يدرسها الطالب في هذا الصف؟ هل هذه المواد التي هي خليط من المواد العلمية والادبية تنفعه مستقبلا؟ هل تمت تهيئة الطالب في الصف السابق ادراسية هذه المواد؟ فعلى سبيل المثال هل هيأته دراسته لمادة العلوم في الصف الثالث الاعدادي لدراسة الاحياء والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا في الاول الثانوي؟ وهل ندرك ان المعلم ليس لديه الوقت الكافي لخلق الابداع لدى الطلاب او رعايته؟ وهل لديه متسع من الوقت للعناية بالطلاب الذين يعانون من ضعف في بعض المواد الدراسية؟ ثم هل تقوم الاسرة بدور الشريك الفعلي والفاعل في العملية التعليمية وهي الغائبة تقريبا عن الميدان؟ علما بأن علاقتها بالمدرسة كما (اراها) لا تتجاوز في كثير من الاحيان السؤال عما اذا كان الطلاب قد استلموا شهاداتهم ام لا, وفي الوقت نفسه فإن مستوى نجاح الطالب لا يعنيهم كثيرا ولا يشد انتباههم. حملت احاديث بعض من التقيناهم اشارات واضحة الى مناهج المواد الدراسية المقررة لطلبة الصف الاول الثانوي, خاصة المواد العلمية, واعتبارها واحدا من اسباب ارتفاع ظاهرة الرسوب في هذا الصف, لاعتبارهم ان مقررات المادة المقررة للصف الثالث الاعدادي لا تعد الطالب لدراسة المواد العلمية المقررة في الصف اللاحق, لذلك كان لابد من الاستماع لما تقوله ادارة مركز تطوير المناهج بالوزارة في هذا الشأن. عوامل عديدة تقول لطيفة عبيد نائب مدير مركز تطوير المناهج ان مجموعة من العوامل تلعب دورا في تشكيل هذه الظاهرة, ولكنني لا ارى ان مناهج المواد الدراسية المقررة واحدة من هذه العوامل, فقد يكون لانتقال الطالب من دراسة مادة العلوم في الصف الثالث الاعدادي وهي مادة محدودة الى دراسة اربع مواد علمية بدلا من واحدة, احد هذه العوامل حيث تتوزع جهوده التي كانت منصبه على دراسة واحدة لتصبح موزعة على اربع مواد, قبل ان يتمكن من تطوير جهوده, وحشد جهود اضافية اخرى تفي بمتطلبات تحقيق التكيف الدراسي الامثل مع مرحلة دراسية جددة يمثل الصف الاول الثانوي اولى حلقاتها. وتضيف نائبة مدير مركز تطوير المناهج قائلة, واذا كانت هناك ثغرات في المنهج الدراسي المقرر, فالامل معقود على المدرس لسد مثل هذه الثغرات من خلال بعض الاجراءات التعويضية التي يراها مناسبة, ومن خلال تفعيل اساليبه في تنشيط المواقف التعليمية التعلمية, والامر هنا يتطلب بالضرورة بيئة تعليمية نشطة ومعلم يحسن التخطيط لاداء مهامه, وهناك مقولة ذهبية تقول (اعطني منهجا سيئا ومعلما متميزا اعطيك مخرجا متميزا). وتقول لطيفة عبيد, ولتحقيق البيئة التعليمية المطلوبة, لابد من وقف زحف المد الاداري على ارضية الجانب الفني في العملية التعليمية, حيث يشير واقع الحال الى طغيان الجانب الاداري على الفني, وفي ظل هذا الواقع تغدو السلطة الادارية اقوى من السلطة الفنية, ولهذا انعكاساته السلبية عل بيئتنا التعليمية حيث تقل وتضعف فرص الاداء الفني في مؤسساتنا التعليمية, والمحصلة ضعف في قدرة مدرسينا على اداء دورها وبالتالي تلاشي او اتضاؤل الجانب الفني في دور الادارة المدرسية, ومن ثم تردي في مستوى اداء المعلم لمهامه, خاصة وان المد الاداري يمتد الى عمل الموجه حيث اصبح جانب كبير من عمله محكوما باجراءات ادارية, فالادارة هي التي تحدد له عدد المعلمين الذين يتولى الاشراف عليهم ومتابعتهم, وعدد الزيارات المقررة لكل معلم, وكل هذه الجوانب تنعكس في النهاية على اداء الطالب باعتباره محور العملية التربوية برمتها. توالى لطيفة عبيد حديثها قائلة: قد يكون بناء الورقة الامتحانية للمواد العلمية واختيار فقراتها سببا في ارتفاع نسبة الرسوب في هذا الصف, حث لا تأتي هذه الفقرات موزعة توزيعا عادلا على موضوعات ووحدات المادة المقررة, ونراها في الوقت نفسه مزدحمة بالعديد من الفقرات التي لا يتناسب الوقت المحدد للاجابة عنها مع الزمن اللازم للاجابة على فقراتها, مما يعني ان بناء الورقة الامتحانية قد تم بعشوائية دون مراعاة لمعايير ومواصفات الورقة الامتحانية الجيدة, اضافة الى هذا غالبا ما تكون الاسئلة قائمة على الحفظ ولا تزن الاهداف. ويشير عبدالقادر عيسى موجه علوم بمركز تطوير المناهج الى ان دولة الامارات العربية المتحدة ليست استثناء في هذه الظاهرة التي نجدها في كل الدول العربية, ويواجه طلاب الاول الثانوي في الاردن نفس المشكلة. وارى ان التحصيل الدراسي يمثل احد مؤشرات مخرجات العملية التعليمية ــ التعلمية وهو نتاج تفاعل بين عناصر العملية التربوية من معلم وطالب ومنهج وبيئة تعليمية تعلمية بما تتضمنه من وسائط متعددة, وعليه لا يمكن ان نفسر نتائج التحصيل بعلاقة احادية مع احد مدخلات العملية التربوية (المنهج). واذا ما تحدثنا وبشكل مباشر عن مستوى التحصيل الدراسي في المواد العلمية في الصف الاول الثانوي, فـإن لهذا الصف خصوصية, لان انتقال الطالب من علوم عامة في الصف الثالث الاعدادي الى اربع مواد علمية تخصصية (فيزياء, كيمياء, احياء, جيولوجيا) يعد نقلة واسعة في المفاهيم العملية كما وكيفا, واذاما اخذنا بعين الاعتبار مجموع المواد الدراسية وتنوعها في الصف الاول الثانوي, ادركنا ثقل العبء الدراسي على طلبة هذا الصف, الذي يمثل مرحلة منفصلة بين التعليم العام والتخصصي (التشعيب). وينظر بعض الطلاب إلى هذا الصف بمواده المختلفة كمحطة انتظار للتشعيب اللاحق مما يؤدي إلى اكتفاء بعض الطلبة بمجرد النجاح في مواد العلوم إذا كانوا يرغبون الالتحاق بالفراغ الأدبي, أو الاكتفاء بالنجاح في المواد الأدبية إذا كانوا يرغبون الالتحاق بالفراغ العلمي. وفيما يتعلق بمن يرون ان مناهج العلوم المقررة في الصف السابق لا تهيء الطالب إلى دراسة المواد العلمية في الصف اللاحق, يقول عبدالقادر عيسى: قد تكون هناك نقلة كبيرة في المفاهيم العلمية ما بين كتاب العلوم للصف الثالث الاعدادي, ومواد العلوم المقررة للصف الأول الثانوي, الا ان ما أحب الاشارة إليه والتأكيد عليه هو ان نسبة كبيرة جدا من المفاهيم العلمية الجديدة الواردة في الكتب المقررة للصف الأول الثانوي لا تعتمد بصورة مباشرة على ما ورد في الصف الثالث الاعدادي, ولا تحتاج في الوقت نفسه إلى مفاهيم قبلية, فالمقررات الدراسية تبدأ مع طالب الأول الثانوي بمفاهيم أساسية جديدة تمثل بحد ذاتها أبجديات المادة الدراسية ويتم عليها البناء, مما يعني ان مسار تدفق المفاهيم العلمية يأخذ في الأول الثانوي منحى جديدا كماً ونوعا عن باقي الصفوف. وقد أدركت وزارة التربية والتعليم هذا الأمر, فقامت بمجموعة من المجهودات والمشاريع التطويرية حيث تم البدء باعداد وثيقة منهج علوم وطنية تتضمن خرائط تدفق المفاهيم بشكل متسلسل ومندرج علميا ومنطقيا وتربويا, وعهد بهذه المهمة إلى فريق متخصص من أساتذة الجامعات والمختصين في مركز تطوير المناهج للقيام بهذه المهمة من الصف الأول وحتى الثاني عشر, وبما ينسجم مع مشاريع التطوير, وبخاصة مشروع تطوير التعليم الثانوي الذي تمضي الوزارة قدما في تنفيذه. وثمة أمر غاية في الأهمية, فالمنهج مهما كان تصميمه وبناؤه رائعا الا انه وحده لا يكفي ويعتبر وحده جسما لا حياة فيه, فهو بحاجة إلى معلم كفؤ ينفذه بصورة ابداعية. ومن هنا تثار بعض التساؤلات: هل يوفر المعلم بيئة تعليمية نشطة للطلبة خلال تنفيذه للمنهج؟ هل يستخدم المعلم طرائق وأساليب تدريس قائمة على الاستقصاء والتعلم الذاتي؟ هل يعي المعلم حقيقة ان المفاهيم العلمية لا يتم حفظها أو تعليمها, وإنما يتم تعلمها من خلال عملية عقلية نشطة يقوم بها المتعلم نفسه؟ وهو ما يمكن تفسيره بالمقولة التربوية التي ذكرتها لطيفة عبيد: (أعطني منهجا سيئا, ومعلما ممتازا, أعطيك طالبا متميزا).