استضافت ندوة الثقافة والعلوم بدبي في مقرها الاربعاء الماضي الدكتورة منى مكرم عبيد استاذة العلوم السياسية وعلم الاجتماع في الجامعة الامريكية بالقاهرة في محاضرة حول (التعددية الحزبية والسياسية في الوطن العربي), وذلك في اطار موسمها الثقافي الرابع عشر قدم للمحاضرة الدكتور محمد عبدالله الركن وحضر جمع من الشخصيات الاجتماعية والاكاديمية والاعلامية. وتأتي خصوصية هذه الامسية لطرحها قضية هامة ومؤثرة في حياة الانظمة والشعوب المتمثلة بالتعددية السياسية والحزبية والفكرية والتي ترتبط بمواقع الحريات في الوطن العربي وحقوق الانسان والتحول الديمقراطي وهذا الموضوع يزداد الحاحا يوما بعد يوم ويدفعنا جميعا للتأمل ورصد التعددية وواقع الحريات والهامش الديمقراطي بالوطن العربي كما يأتي هذا الالحاح من الرأي السائد والذي يؤكد ان الامة العربية طاردة وليست جاذبة للتعددية والحريات والديمقراطية انطلاقا من الواقع السياسي العربي المبني على الاحادية الفكرية والزعيم الواحد والحزب الواحد في حين ان التعددية هي الاستثناء في الوطن العربي لذلك انطلقت الآراء التي تنادي بالتعددية الحزبية والسياسية وارتفعت الاصوات التي تعزو معظم اخفاقاتنا خلال الخمسين سنة الماضية الى غياب التعددية وسيطرة الحزب الواحد والرأي الواحد. ولا تأتي هذه التعددية إلا من خلال التيار الليبرالي والسؤال الذي يطرح علينا الآن هل البيئة العربية جاذبة ام مازالت طاردة لليبرالية والديمقراطية, حول هذا الموضوع تحدثت الدكتورة منى مكرم عبيد استاذة العلوم السياسية وعلم الاجتماع بالجامعة الامريكية بالقاهرة وصاحبة العديد من المؤلفات الفكرية والسياسية وعضو مؤسس للعديد من المؤسسات والهيئات الاجتماعية والفكرية مثل جمعية حقوق الانسان بمصر ومنتدى الفكر العربي بالاردن بالاضافة الى اهتمامها بالعمل الفكري والسياسي والاجتماعي. واشارت الى ان التأمل والتفكير في العنوان المقترح للندوة يدعونا الى طرح السؤال التالي: هل يعرف الوطن العربي حالة تعددية سياسية في الوقت الراهن حتى يستطيع الباحث استخدام ذلك المفهوم بوصفه انعكاسا لحقيقة الواقع ام ان واقع الممارسة السياسية ان لم يكن كلها يشير الى وجود توليفات من المؤشرات الدالة على حالة من الانفتاح السياسي والديمقراطي جنبا الى جنب مع حالة من الجمود والقمع ورفض المشاركة الجماهيرية وعدم الاعتراف بتداول السلطة. ويبدو ان احدى المسلمات التي اصبحت شائعة في الدراسات المقارنة حول النظم السياسية العربية اثبتت استعصاء هذه النظم على التطور الديمقراطي مقارنة بغيرها من دول العالم الاخرى. بل لقد توترت تلك المقولة بالذات في الدراسات التي تناولت حالة النظم السياسية في العالم عند نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين وهي الظاهرة التي استدعت كاتبا من المنطقة في اواخر عام 93 للقول إن رياح الديمقراطية تهب من العالم في السنوات العشر الاخيرة من الفلبين الى امريكا اللاتينية ومن الاتحاد السوفييتي الى جنوب افريقيا ومن آسيا الوسطى الى أوروبا الشرقية دون ان تحرك هذه الرياح اي ورقة بالمنطقة سواء بالعالم العربي او ايران بحيث تظهر منطقة الشرق الاوسط كأنها خارج العالم. انها حقيقة اصبحت تحاصرنا وتطل علينا من كل اتجاه إلا ان وطننا العربي مازال عاجزا عن انتاج وتبني نظام ديمقراطي حقيقي بالمعايير التي اتفق عليها العالم مع بداية القرن الواحد والعشرين لذلك يجب ان ننظر للواقع السياسي والاجتماعي في بلادنا ونتجه مباشرة الى السؤال التالي: لماذا يستمر فشل بلادنا في تحقيق الديمقراطية وما هي اولويات بنائها وهل تنطوي التطورات الكبرى حولنا دوليا واقليميا على دوافع لنمو الاتجاه الديمقراطي؟ هذه التفسيرات التقليدية لهذا الاخفاق اعتبرت ان الديمقراطية نشأت في اطار الفكر الاوروبي وترعرعت في مجتمع اوروبي فضلا عن ان ممارستها المعاصرة تبلورت في المجتمع الصناعي الحديث بالاضافة الى ما شهده هذا المجتمع من افكار ومذاهب عن الحرية لذلك اصبحت الديمقراطية الوحيدة التي تتفق مع الفكر الليبرالي هي الديمقراطية الدستورية التي تضع حدودا على كل سلطة حماية لمجال خاص لحرية الافراد غير ان هذه الحقائق لم تعن ابدا اختصار النموذج الديمقراطي على اوروبا الغربية والولايات المتحدة ولكن جوهر الفكر الديمقراطي وكما قال الاستاذ حامد ربيع رغم ان المتابعة التاريخية سوف تفصح كيف ان الممارسة الديمقراطية تستمد مصادرها المباشرة من التقاليد الغربية إلا ان الحقيقة لا تعني ان المجتمعات الاخرى لا تعرف الظاهرة بل ان متابعة التاريخ السياسي للمجتمعات اليابانية والصينية والهندية دون الحديث عن التقاليد العربية تفصح بوضوح ان طبيعة التطور واحدة ومنطلقاتها دائما ثابتة ولكن الاوضاع المعاصرة التي تعيشها الاسرة الدولية انما تغني مصادرها الفكرية المرتبطة بالممارسة الديمقراطية من الواقع الغربي. وهناك رؤية اخرى تؤكد انه اذا كان المفهوم الديمقراطي كحقيقة انسانية عالمية يعني احترام الكرامة الفردية بمختلف ابعادها فإن الادوات الفكرية التي تسمح بتحقيق ذلك التطور تنبع من كل حضارة وتتحدد بطبيعة التقليد الذي يرتبط بكل تراث انساني. اذا كان المفهوم الاسلامي للديمقراطية يعني مبدأ الشورى ويعبر عن ذاته من خلال مفهوم الاجماع على سبيل المثال فإن التراث الغربي يضعنا ازاء مفاهيم اخرى مختلفة رغم انها تنبع من نفس التصور العام للديمقراطية والقائم على مبدأ السيادة للشعب والاغلبية للهيئات النيابية. الاتجاه العالمي نحو الديمقراطية لاشك اننا الآن امام اعداد متزايدة نسبيا من دول العالم دخلت واندرجت تحت تصنيف الديمقراطية الانتخابية او المقيدة, وحيال توجه متزايد يوما بعد يوم للديمقراطية الذي لا يرتبط بصيغة اجتماعية او تاريخية او سياسية دون غيره من الشعوب والمجتمعات. وهنا نطرح على انفسنا السؤال الثاني هل يمكن الحديث عن مستقبل عام لهذه التعددية يشمل كل اقطار الوطن العربي ام يجب تناول كل حالة على حدة؟ الواقع يشير الى ان هناك الكثير من السمات المشتركة بين النماذج العربية وفي الوقت نفسه الكثير من الاختلافات ومن بين اوجه الخلاف بين النماذج الحزبية العربية ان هناك مجموعة من الدول العربية لم تدخل بعد في ميدان التعددية الحزبية مثل دول الخليج وليبيا ومجموعة الدول التي تعمل وفقا لنظام التعددية الحزبية شكلا لا مضمونا مثل مصر وتونس والجزائر وباقي الدول العربية عدا الدول سالفة الذكر في المجموعة الاولى والمغرب ولبنان حيث يعتبر المغرب ولبنان من الدول التي تمارس التجربة الديمقراطية شكلا ومضمونا الى حد كبير يفوق الدول العربية الاخرى, ومن هنا فإننا نلاحظ ان هناك تجارب للتعدد الحزبي ولكنها تجارب منقوصة حيث ان هناك قيودا اجرائية موضوعية تحول دون تأسيس احزاب ذات توجهات معينة في الوقت نفسه فإن التطور العام للنظم السياسية العربية يندرج في اطار النظام الاقليمي العربي الذي يبرر الحديث عن العالم العربي كوحدة واحدة فالدول العربية حديثة النشأة. ويكشف نمو التطور الحزبي بها عن خصائص مشتركة فقد تشربت الحياة العربية مفاهيم التمثيل السياسي والحياة النيابية نتيجة للاصلاحات الاقتصادية والعسكرية التي اطلقها محمد علي الكبير في مصر اي ان نقطة البداية كانت واحدة تقريبا. الاحزاب قبل وبعد الاستقلال واشارت د. منى عبيد الى ان معظم الدول العربية التي حققت استقلالها الكامل او شبه الكامل بين عامي 1919 و 1950 تبنت مبدأ التعدد الحزبي كأداة للحياة السياسية ووفقا للنظام الليبرالي, ورغم ان هذه الليبرالية كانت ناقصة إلا انها كانت بداية لتجربة حكم ديمقراطي ومن بين معوقات الديمقراطية ان النظم السياسية العربية ورثت اوضاعا من الحقبة الاستعمارية مازالت تؤثر بشكل كبير على هذه النظم وحتى اللحظة الراهنة فقد ساهمت هذه الاوضاع في عرقلة فرصة التقدم الديمقراطي حيث شكلت صورة مشوهة للمجتمعات العربية على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فالاحزاب في ثلاثينيات وأربعينيات ذلك القرن لم تكن على شاكلة احزاب اوائل القرن حيث قادة الثانية حركة النضال ضد الاستعمار وكان هدفها الحصول على الاستقلال وليس تطبيق مبدأ الديمقراطية وبعد الاستقلال اصبح هدفها هو بناء المجتمع والدولة التي انهكها الاستعمار خلال الاختلال. ومع تبني النظم السياسية في هذه الدول نظام الحزب الواحد والذي رأت فيه الوسيلة المثلى لدمج المجتمع انتهت تجارب التعددية الحزبية التي شهدتها البلاد العربية قبل واثناء وقوعها تحت الاحتلال وفي السياق نفسه فإن زرع الاستعمار الاوروبي ومساندة امريكا لاسرائيل كان هو الآخر عامل شديد التأثير على النمو الحزبي والتعددي حيث ان هزيمة 48 ادت الى خلق جيل من النخبة السياسية والعسكرية والتي دعت الى احداث تغيير جذري في بنية المجتمعات العربية شبه الدستورية لمواجهة الصراع مع اسرائيل وهو ما كان معناه موت مبكر لليبرالية العربية التي كانت اخذة في التشكيل وعلى ذلك النحو ظلت التعددية الحزبية غائبة عن القاموس العربي في خلال الخمسينيات وحتى نهاية الستينيات ولكن هزيمة يونيو 67 اعادت الجدل حول فكرة الليبرالية من جديد والواقع يشير الى ان هناك عوامل كثيرة دفعت في سبيل الجدل حول اعادة الديمقراطية العربية وبالطبع فإن الدول العربية التي عملت بنظام الحزب الواحد في الخمسينيات والستينيات عادت منذ منتصف السبعينيات الى العمل بنظام التعدد الحزبي كوريث للعمل بنظام الحزب الواحد واصبح من الممكن منذ منتصف التسعينيات الحديث عن تجربة التحول الديمقراطي في العالم العربي مجددا ولكن يطرح سؤال الآن ما هو شكل وحصيلة التجربة في ثوبها الجديد؟ الواقع يقول انه باستثناء التجربة اللبنانية والمملكة المغربية فإن جميع الدول العربية تواجه تحديات عدة وذلك على الرغم من ان بعض الدول العربية قد عرفت خلال عقد التسعينيات مبدأ التنافس على قمة السلطة ذاتها ومن بين هذه الدول تونس والجزائر وموريتانيا وجيبوتي. كما ظلت هناك مجموعة من الدول التي لم تتجه بعد الى طريق التعددية السياسية وعلى صعيد مواز فإن هناك مجموعة الدول المسماة بدول التعددية المقيدة التي تشمل الدول سابقة الذكر وباقي الدول العربية عدا لبنان والمغرب مازالت تعتمد الديمقراطية شكلا لا مضمونا فهناك احزاب سياسية ولكن ليس هناك تداول للسلطة وهناك انتخابات ولكنها غالبا ما تكون محسومة سالفا لمصلحة الحزب الحاكم وهناك دساتير ولكن هناك ترسانة من قوانين الطوارىء التي تعوق عمل هذه الدساتير وهناك برلمانات ولكنها في الغالب الاعم برلمانات الحزب الواحد ويزيد من المشكلة ان معظم الدول العربية قد شهدت انقطاعا في مسيرة تطورها التاريخي وهذا الانقطاع غير من معالم هذه المسيرة وارتد بها الى نقطة الضوء حيث تم القضاء على التجارب الحزبية الوليدة التي كان بعضها قد تطور بشكل ملحوظ وتم تصميم الحزب الواحد الذي كان معناه احتكار العمل السياسي من فصيل بعينه وهو ما ادى الى نفي الاتجاهات السياسية الاخرى وليظهر ذلك بشكل واضح في التجربة المصرية, ولم تكن هناك اذا فرصة لنمو تيارات سياسية مختلفة داخل الحزب الواحد لذلك اشتبك الحزب الواحد مع الشعب (الدولة) فصار الاثنان واحدا وبعد ان عادت بعض النظم العربية الى تبني الصيغة الحزبية استمر هذا الاشتباك لان ذلك الحزب ظل هو الحزب القديم الجديد فلم تحك الخريطة الحزبية طالعا جديدا ولم يكن هناك واقع جديد إلا على مستوى الشكل فعملية التحول الديمقراطي التي جاءت تالية لدول الحزب الواحد والتي كان من المفترض ان تكون ثورة مضادة ضد المفاهيم الاحتكارية التي درستها هذه الدولة كانت محدودة فلم يحدث هناك اي تغير في الجوهر فظل الحزب القديم هو نفسه الذي يعتلي السلطة اما باقي الاحزاب فكانت مجرد ديكور لاخراج مذهب التعددية السياسية والتي عكست صورة الماضي اكثر مما جسدت الواقع الحاضر فقد عادت الاحزاب التي ظهرت في العصر الجديد لتعمل بعقلية الماضي لانها وجدت نفسها مرة اخرى امام الحزب الجديد القديم الذي مازال ممسكا وحده بالسلطة وهو ما ادى الى حالات الاستقطاب بين الحزب الحاكم من ناحية واحزاب المعارضة من جهة اخرى على النحو الذي كان من المفترض ان تسير معه تجربة التعدد الحزبي الى المفهوم الصحيح. غياب المجتمع المدني هكذا وجدت تجربة التعدد الحزبي في العالم العربي نفسها امام موروث ضخم من عقد دولة الحزب الواحد الذي حال دون تطوير العمل الديمقراطي وفي هذا الاطار ينبغي ان نشير الى انه مثلما قضت هذه الدول على التعددية الحزبية بشكلها المنظم فإنها اجهضت وجود فرص مجتمع مدني حيث ان سياساتها القائمة على مبدأ التعبوية نفت دور الجهات الوسيطة بينها وبين الشعب ولم تقف دولة الحزب الواحد عند قيامها بترسيح احتكار العمل السياسي لمصلحة فصيلة معينة وانما التوقيت الذي ظهرت فيه حيث ظهرت في اطار مجتمع حديث الاستقلال يواجه ازمات التنمية السياسية المعروفة وكما اعطته ابعادا اخرى اكثر عمقا في الوقت الذي فشلت فيه في حل ازمة التغلغل فإنها عمقت هذه المشكلة بسبب سياستها القائمة على اختراق المجتمع واصبحت ازمة الاختراق موازية لأزمة عجز الدول عن التغلغل فإنها جعلت من هذه الازمة ازمات مركبة وخاصة مع عدم وجود مجتمع مدني غير قادر على التحول الديمقراطي في خضم هذه التحولات الديمقراطية العالمية وجدت السلطة المفوضية نفسها في العالم العربي مضطرة للانفتاح السياسي لمواجهة ازمات محدودة بدأ يعاني منها النظام في هذه الدول وذلك على غرار الحالتين الجزائرية والاردنية. إلا ان التحول الذي بدأته الدول العربية في العقدين الاخيرين قد جاء ناقصا ومحدودا فكيف يمكن ان تنمو التعددية الحزبية في ظل هذه الاوضاع, ان الواقع يقول ان هناك عناصر مشتركة وخصوصيات معينة لكل نظام ولكن مستقبل هذه النظم محكوم بكثير من العوامل التي يتحدد على اساسها شكل التعدد الحزبي ومنها ميراث الحقبة الاستعمارية. فالعالم العربي في اغلبه دول حديثة الاستقلال ثم ان هذه الفترة قد اجهضت تجربة النمو السياسي والاجتماعي والاقتصادي بمعنى اننا ازاء مجتمعات حديثة لم تتبلور فيها الطبقات بشكل كاف على نحو ينشىء التميزات الطبيعية فيها ومن هنا فإن الاحزاب السياسية القائمة لا تستند الى قواعد جماهيرية متميزة مما يؤدي الى عدم قدرتها على بلورة برامج محددة ومختلفة عن بعضها البعض فالكل يتوجه الى نفس القاعدة كما ان طبيعة الثقافة السياسية السائدة في معظمها لا تشجع على المشاركة ثم انها ثقافة تميل الى طابع الاحتكار. كما ان هناك قوى مغضوب عليها ولا يسمح لها بالمشاركة السياسية رغم ما لديها من قواعد جماهيرية ولا يسمح لها بالوجود الشرعي على الساحة السياسية. ولكن يمكن القول بشكل عام ان المشهد المستقبلي للتعددية الحزبية في العالم العربي يحمل معوقات كبيرة من بينها مشكلة دمج الاسلاميين في المعادلة السياسية كما في حالة الجزائر وهناك مشكلة تقليدية, آليات عمل النظام السياسي كما في حالة مجموعة دول الخليج كذلك ميراث دولة الخمسينيات والستينيات مثل سوريا والعراق بالاضافة الى المشكلة الطائفية في لبنان والسودان اذا اضفنا مشكلة الجنوب السوداني ومن هنا تصبح الانتماءات العشائرية والمقدرة المالية والقدرة على تقديم الخدمات للمواطنين هي معيار الانتخابات وبذلك تتوارى للخلف كل مبادىء المساواة وحقوق الانتخاب. غياب التنشئة السياسية وتشير د. منى الى ان الاحزاب في الدول الحزبية الاكثر ديمقراطية تمارس تنشئة سياسية لابنائها والقاعدة العريضة من الجمهور ولكن الاحزاب في العالم العربي تمارس تنشئة سياسية لافرادها فقط وربما عدد محدود تجد نفسها في حاجة اليه وبذلك لاتستطيع الاحزاب العربية ان تمارس تجمع لوظائفها إلا اذا اتسع نطاق المشاركة الجماهيرية لها واذا كانت الاحزاب السياسية العربية قد اعطت هذه الوظيفة حقها فإن الوضع بالتأكيد كان سيشهد تغيرا كبيرا على غير ما نحن فيه الآن من حيث الأداء والفاعلية ولا يستثنى من ذلك إلا الاحزاب المغربية لان تجربتها لم تنقطع بعد الاستقلال وكذلك اللبنانية. لذلك لم يكن من الغريب ظهور موجة من الدراسات تؤكد دور وأهمية النخب في قيادتها للمؤسسات السياسية لاصلاح النظام الديمقراطي, وبالتالي فإن القضية اذا كانت اختياراً حراً من نخب مستنيرة ومسئولة فإن السؤال الاول حول واقع الديمقراطية وطموحنا للمستقبل هو هل كانت النخبة العربية جادة في طرحها الديمقراطية وهل عملت بالفعل على بنائها وهل كانت مستعدة لحمل رسالتها والوفاء بتكاليفها؟ فالحديث عن النخب يثير قضايا كثيرة ولكن يمكن الاتفاق على ان المقصود بالنخبة هي الاقلية المتميزة في المجتمع والتي تلعب دورا رئيسيا في ادارة شئوننا كما يمكن الاتفاق على ان هناك اكثر من نخبة في المجتمع فهناك النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها, ولكننا نود في هذا الاطار ان نسجل بعض الملاحظات حول موقفها من قضية الديمقراطية فإننا يجب ان نؤكد ان النخب ذاتها كانت اولى ضحايا الديمقراطية, ففي مصر مثلا وفي اطار سعي ثورة يوليو في الخمسينيات لهدم النظام القديم فإنها قضت على النخبة السياسية والاقتصادية سياسيا بالغاء الاحزاب السياسية واحكام سيطرة الدولة على كافة المؤسسات واقتصاديا بالتأميم من القطاع الخاص الى مصلحة القطاع العام ويبدو ان هذا الاستئصال لم يكن جذريا وشاملا فقط وانما استمر ايضا لفترة طويلة خاصة على الصعيد السياسي حيث لا تزال النخبة السياسية تعاني من فقر في الكوادر والقيادات ولان النخبة البديلة التي احتكرت السياسة لسنوات طويلة كانت بالاساس نخبة غير واقعية لذا فانها لم ترى الديمقراطية الحقيقية الا في اطار مصالحها المختلفة, وان النخب العربية طوال القرن المنصرم كان اغلبها مشتتا ازاء توجهات ايديولوجية لم تكن الديمقراطية ضمن اولوياتها والا فان هذه التوجهات اثبتت فشلها فقد رفض الماركسيون الديمقراطية الليبرالية باعتبارها تكريسا لسلطة البرجوازية وقمع للطبقات الكادحة, واعتبر الناصريون انها تخفي سيطرة الاقطاع ورأس المال على الحكم وقضوا على تعدد الاحزاب باعتبارها اداة تفتيت قوى الشعب, كما جاء الرفض الاسلامي مستندا الى ان صيغ واشكال الديمقراطية لا تتناسب وتراثنا الثقافي والاسلامي. ولقد حاول هؤلاء جميعا عندما وصلوا الى الحكم ومواقع السلطة انشاء مؤسساتهم فانشأ الماركسيون احزابهم الثورية الطليعية وانشأ الناصريون اتحاداتهم الاشتراكية التي تضم قوى الشعب العاملة وانشأ الاسلاميون مجالس الشورى ولكن اي من تلك المحاولات لن تقدم بديلا ديمقراطيا مقنعا. الرياح الخارجية تحمل الازدواجية واقع الامر في العالم العربي يدعونا الى بعض الرجاء او الامل من خلال سعي وتوجهات النخب العربية الى تحقيق الديمقراطية وخاصة ان هناك ضغوطا تأتي من البيئة الدولية والتي تزايدت بقوة في الفترة الأخيرة, وابرزها تلك الضغوط المباشرة من امريكا واوروبا لربط سياساتها الخارجية بمدى تحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الانسان وعلى الرغم مما تتسم به هذه السياسات من انتهازية وازدواجية في المشاعر تضعف من فعاليتها فضلا عما تثيره من حساسيات المساس بالسيادة الوطنية الى انها تظل عنصرا لا يمكن تجاهله ولكن يمكن ان نقول ان تلك الظروف يمكن ان تختفي كلية مع بعض البلاد العربية والتي تتفوق مصالح الدول الاجنبية فيها على اهمية الدفاع عن حقوق الانسان والديمقراطية ومع ذلك فانه من المتوقع ان تشهد الاعوام المقبلة مزيدا من الضغط الامريكي في هذا الاتجاه. تأثير مواجهة الصهيونية على الديمقراطية لقد ذهب النظام العربي الى الانشغال بمواجهة الخطر الخارجي والاستعمار الصهيوني مما اتخذته بعض النخب الحاكمة مبررا لتأجيل قضية الديمقراطية او عدم طرحها اصلا ففي دول المواجهة مع اسرائيل كانت المعركة مع العدو مبررا للاجراءات الاستئنافية وحالات الطوارئ والحجر على حريات التعبير وازدهرت اجهزة امن الدولة وظهرت شعارات لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وحرية ارضنا فوق كل الحريات وفي واقع الامر فان مواجهة الاستعمار وفرت للدول العربية كلها مصدرا شرعيا يغنيها عن البحث عن شرعية دستورية وقانونية داخل بلادها لذلك حرصت كل النظم على تكريس شرعيتها من خلال ادائها ضد اسرائيل حتى وان كانت مجرد شعارات حماسية ومشاركة في المؤتمرات غير ان المشاركة السياسية كانت هي الاهم باعتبارها الادارة الديمقراطية الوحيدة لصحة وحشد الامة ضد الاستعمار وطاقاتها الكاملة ضد الاعداء. ان دل ذلك على شيء فانما يدل على ان النظم الحاكمة طوال القرن الماضي لم تعمل من اجل بناء الديمقراطية ولم يكن لها مصلحة في بنائها لذلك فان الطموح الى ما يتجاوز ذلك الواقع يرتبط بوجود نخب سياسية مثقفة ومؤمنة بالديمقراطية وقادرة على السير في طريقها وذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه التأثيرات الخارجية التي تثير مشاعر الشعوب وتطلعاتها الى العيش في ظل الحرية الحقيقية مع العلم ان هذه التأثيرات تزايدت بشكل كبير في العقدين الآخرين بسبب تأثير العولمة السياسية والثقافية فلم يكن العالم في أية لحظة من تاريخه مثلما هو الآن فأضحى بامكان المجتمعات والشعوب الاطلاع على ما يدور في كل دول العالم ومتابعة ما يجري فيها من انتخابات حرة نزيهة لرؤساء الدول وتنحي رؤوسا اخرين عن الحكم ومن حسن الحظ ان هذه الاخبار لم تعد قاصرة على الاعلام المكتوب بل ان الاعلام المرئي والمسموع اصبح اكثر اهتماما بها مما وفر الفرصة ليشاهدها طبقة كبيرة من المجتمعات العربية وخاصة الاميين كما احدثت الانترنت طفرة قوية للاتصال بالعالم الخارجي في كل شئون الحياة ومن بينها السياسة. وتشير د. منى الى ان تأثير عدوى النماذج الديمقراطية تكون اقرب للحد من المجتمعات ذات الثقافة الواحدة او المتقاربة لذلك فان ما يحدث في ايران وتركيا اقرب في تأثيره على المجتمعات العربية على عكس ما يحدث في اوروبا الشرقية مثلا. وتؤكد ان القدرة على مواجهة التحدي الحضاري والتصدي للعدو الصهيوني يعتبر من اخطر التحديات على صعيد المنافسة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجيا فضلا عن الحفاظ على قوتها العسكرية سيحمل معه ضغوطا اكبر لتطوير النظم السياسية العربية. وفي اطار النظرية التفاؤلية تقول د. منى ان المجتمعات العربية تشهد في اغلبها تغيرات اجتماعية واقتصادية مهمة على الصعيد الداخلي تدفع بشكل عام نحو الديمقراطية. مشكلة خلافة القيادات ولكن يمكن القول ان مشكلة خلافة القيادات في الوطن العربي وخاصة التي طال بقاؤها في السلطة يمكن ان تطفو وتظهر معها العديد من المشكلات فبالرغم من قصور السمات الديمقراطية في النظم العربية جميعا الا ان الطابع المستقر نسبيا لانتقال السلطة في المملكات كشف بالمقابل خطورة وعواقب عدم وجود آليات ديمقراطية يمكن ان تستجيب لضرورة التغير في النظم الجمهورية غير ان الثابت الآن ان جيلا جديدا من القيادة العربية الشابة اخذ يحتل على رأس السلطة في بلاده. اما على الصعيد الداخلي فان الواقع يشير الى ان هناك امرين يؤثران بشكل قوي في التعددية الحزبية والمستقبل الديمقراطي. اولهما التضخم السكاني الذي سيشهده المجتمع العربي ففي عام 2030 تشير الاحصائيات الى ان عدد السكان في مصر سيصل 93 مليونا وفي السعودية 42 مليونا وفي المغرب مثلها ولكن الاهم من ذلك ان غالبية السكان في العالم العربي اقل من 25 عام اي من فئة الشباب اي ان ذاكرتهم وتكوينهم الفكري تشكل في التسعينيات بذلك فانهم يشكلون الطاقة المحتملة للتعبير وفقا للظروف السياسية والاقتصادية فضلا عن تعرضهم للرياح القادمة من الخارج وبذلك فان الديمقراطية سوف تكون الوعاء الاكثر امنا للنظم من اجل تنظيم حركة افعال ردود تلك الجماهير الشابة. وفي ذلك السياق فان الاهتمام بالجانب التعليمي الذي يمثل لب العملية الاصلاحية كاملة فمازال التعليم في العالم العربي يعاني من قصور شديد في غرس التنشئة السياسية لدى التلاميذ والطلاب وفي ردها على احد الاسئلة قالت د. منى ان التعليم يظل الجانب الحيوي المهم الذي يؤرق جميع المثقفين ولكن في ظل التغيرات الحالية فان النظم ستجد لزاما عليها السعي لتطوير النظام التلعيمي بما يتوافق مع متطلبات الديمقراطية. واشارت الى اهمية تبني تيار الوسط مبادئ الديمقراطية وخاصة بعدما فشلت كل التيارات الاخرى فالليبرالية قصيرة الامد التي سبقت المد القومي فشلت في مواجهة العلاقة مع القوى الخارجية واتهمت برهن بلدانها للخارج والقومية الثورية فشلت في تحقيق الحد الادنى من الاهداف التي رسمتها لنفسها كالوحدة والحرية والتحرير والماركسية لم تفلح في بناء المجتمع الاشتراكي العادل والعلمانية المتطرفة فشلت هي الاخرى في تقديم نموذج جاذب لا يصطدم مع غالبية المجتمع والاسلامية الحركية فشلت هي الاخرى في تجاوز اي من المشكلات التي لم تستطع حلها بقية التيارات بل انها جاءت برزمة جديدة من المشكلات ولكن ليس معنى الحديث عن تبلور تيار وسط ديمقراطي نفى التوجهات الديمقراطية عند التيارات الاخرى وخاصة ان الخطاب العربي اصبح يتبنى الديمقراطية سواء كان دعائيا أو حقيقيا. واختتمت د. منى محاضرتها بالتفاؤل من تبني بعض النظم العربية للديمقراطية كأحد مشروعاتها السياسية والفكرية وان المعتدلين من تيار الوسط يمثلون امتدادا ضروريا وفاعلا في هذه الاوساط وان انتشار هؤلاء الوسطيين يزيد من اللحمة الديمقراطية التي تخترق التسهيلات الفكرية والسياسية العربية وخاصة ان هذا التيار لا يفرض برنامجا سياسيا وفكريا جديدا بل انه يعمل على دمقرطة الحركة السياسية والحزبية كما انه لا ينخرط في شكل حزب قائم بذاته لانه عندما يحدث هذا الانخراط ستفقد الفكرة الديمقراطية بريقها ويخلق افكار تصادمية مع الاحزاب الاخرى وبذلك فان هذا التيار قد اعتمد الديمقراطية كخيار استراتيجي وهذا ما يجب ان ندعمه حتى لا تجد النظم العربية نفسها ملزمة بضرورة تبني الديمقراطية الحقيقية من أجل النهوض بشعوبها. وأعربت د. منى عن ايمانها وتأييدها لهذا التيار وخاصة ان ايديولوجيات تطبيق الحلول جاءت فوقية قصرية تعادي بعضها البعض واشتركت جميعها في سمة الاستبداد وفقدان الجوهر الديمقراطي الذي يتيح تفقدها وتعديلها وتصويب مسارها وهذا الجوهر الاستبدادي الذي تعيشه النظم العربية هو الدافع الاساسي الذي يحرك ممن تنطبق عليهم صفة الوسيطين. وانتقدت الربط بين الديمقراطية والسلام مع اسرائيل مؤكدة ان هذا الربط قائم على الهشاشة وعدم العلم بالدرجة الاولى كما انه يضر بالعملية الديمقراطية نفسها بل ان الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية هي الطرق لحشد طاقات الشعب ضد الاستعمار الصهيوني ولكن الانظمة العربية وجدت في هذا الربط المبرر لغياب او تأخر العملية الديمقراطية ولكنها الآن اصبحت مضطرة للقيام بالاصلاحات السياسية لمواجهة التغيرات الداخلية والخارجية. كتب رمضان العباسي:
د. منى مكرم عبيد في محاضرة بندوة الثقافة والعلوم بدبي.. الاحادية الفكرية في عالمنا العربي باتت عرفاً.. والتعددية استثناء, النظم السياسية العربية استعصت على التطور الديمقراطي
