تثبت الوثائق التاريخية القديمة ان غالبية الشعب الالبانى قد اعتنقت الدين الاسلامى خلال الفترة ما بين القرن الخامس عشر والسابع عشر وان اتصال الالبان بالمسلمين بدأ منذ حقبة تاريخية مبكرة تصل الى فترة ما قبل قدوم العثمانيين الى شبه جزيرة البلقان.. فالزائر الى اقليم كوسوفو تشده العديد من المظاهر الاسلامية التى تنم عن شعب لا يرضى للاسلام بديلا وتاريخ عريق ضرب الاسلام جذوره فى عمق الارض وانبت حصادا يجنيه الشعب الالبانى فى يومنا هذا عبر كفاحه التاريخى المرير والشجاع ضد اعداء الاسلام. ان للاسلام منافذ متعددة نتطلع من خلالها فى شبه جزيرة البلقان الى تاريخه العريق وكفاحه الطويل فى قلب اوروبا وخصيصا فى اقليم كوسوفو او كما يسمونه (ثلاجة اوروبا) ومن بين هذه المنافذ لفت انتباهنا تلك الثروة الادبية التى تقتنيها مكتبات كوسوفو والشعب الالبانى نفسه وهى عبارة عن مخطوطات تاريخية يعود عهدها الى ما قبل القرن الخامس عشر وفترة الحكم الاسلامى العثمانى فى هذه المنطقة. ومن بين 1500 مخطوطة قديمة فى مكتبة مدرسة علاء الدين الاسلامية و608 مخطوطات فى المكتبة الوطنية العامة فى العاصمة بريشتينا والمكتوبة بثلاث لغات هى العربية والعثمانية القديمة والفارسية لفت انتباهنا عدد منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب (الحديث فى السبع المحابس) للعلامة ابراهيم بن علي محسن والصادر بتاريخ 1194 للميلاد وكتاب (صدر الشريعة) لأحمد بن سفر عام 990 للهجرة وكذلك كتاب (ملتقى الابحر) عام 1165م والذى لم يتضح مؤلفه بسبب تعرضه للتلف على غرار عدد كبير من هذه المخطوطات القيمة التى من خلالها نطل على تاريخ حقيقى وواضح يعتلى فيه الاسلام واعلامه فى تلك الحقبة مكانة مرموقة فى قلب اوروبا. وبسبب ما تعرضت له كوسوفو من جراء حرب الابادة والتطهير العرقى من قبل الصرب فان العديد من هذه المقتنيات الادبية والتاريخ الاسلامى العريق قد ذهبت ادراج الرياح فمنها ما حرق ومنها ما سرق ومنها ما تعرض للاهمال والتلف فتناثر هنا وهناك وكمية اخرى وقعت بين ايادى الاميين من عامة الشعب فتصرفوا بها ووضعوها فى الخلاء لتلعب بها عوامل التعرية كما تشاء وتمحى اعمال جيل صنع الاسلام والتاريخ والحضارة فى زمن يمكن ان نقول انه لا يتكرر.. واما ما بقى فكان للنخبة الاسلامية والمفكرين الالبان نصيب منه فحفظوه فى المكتبات ولكنه الان وبسبب شح الامكانات المادية بدأ يشيب ويضمحل وينتهى عمره الافتراضى فمن المحتمل ان يدفن ويمحى تاريخ رجال صنعوا الاسلام فى هذه المنطقة كما دفن الاف الالبان المسلمين قسرا بأيدى الصرب. ومن اهم اسباب تجميع هذه المخطوطات هو النظام الصربى او اليوغسلافى الذى لم يكن من مصلحته المحافظة على هذا الكنز وذلك للحد من انتشار الاسلام فى المنطقة من جهة ووقف خطوات التثقيف وصقل الاسلام لدى الشعب الكوسوفى من جهة اخرى ناهيك عن الممارسات والضغوطات التى كانت تمارسها الحكومة الصربية السابقة ضد المشيخة الاسلامية سواء فى كوسوفو او مقدونيا او الجبل الاسود وغيرها الامر الذى سارع فى بدء الخطوة الاولى لتجميع المخطوطات وذلك عبر عدد من الباحثين والمفكرين الالبان فتأسس فرع للمخطوطات الاسلامية فى المكتبة الجامعية وذلك بناء على قرار رسمى لدى البرلمان الكوسوفى السابق عام 1984. العربية لغة العلم وتشير المخطوطات بحسب اللغات التى كتبت بها الى ان منطقة البلقان عموما والتى كانت تسمى قديما (الرومالى) قد تمدرس ابناؤها على اللغات الثلاث العربية والعثمانية القديمة والفارسية وان التقسيم الادارى فى عهد الدولة العثمانية يتجه على هذا المنوال فالعربية كانت للعلم والدين والعثمانية للادارة والفارسية للادب والشعر. ومن ابرز الشيوخ او كما يسمونهم ( الحواجة) المعروفين انذاك الشيخ سوزى وموسى وعلي الصوفى وولي محمود وغيرهم الذين قدم غالبيتهم من الاندلس بعد سقوطها فهاجروا الى مدينة بريزرين وهى مركز علمى رئيسى فى كوسوفو وكانت فيها خمس مراكز علمية توازى المستوى الجامعى حاليا اضافة الى عدد اخر قدم من الشرق من بغداد ودمشق واسطنبول والقاهرة وغيرها من منابر العلم والثقافة انذاك. ومن ضمن ما اشارت اليه تلك المخطوطات المراكز الاسلامية العلمية التى انتشرت فى تلك الحقبة وكان لها كبير الاثر فى غرس مفاهيم الدين الاسلامى الحنيف والتى كان يقف خلفها شيوخ وائمة تعددت مذاهبهم وتنوعت ثقافاتهم.. ومما اثر سلبا فى المحافظة على مكانة الاسلام فى كوسوفو هو بعض تلك المراكز فبدلا من ان يثرى علماؤها وائمتها فى العلم والدين اثروا فى الفرقة والاختلاف. 550 مسجدا بكوسوفو ان الاتحاد الاسلامى والمشيخة الاسلامية الكوسوفية على الرغم من مرورها بمراحل عصيبة ابان حكم الاتحاد اليوغسلافى الا انها استطاعت ان تستمر فى عملها ونشاطها الدينى وقد جنت ثمارها خلال الحقبة الماضية فنجد الان فى كوسوفو وحدها 550 مسجدا وشيدت كلية للدراسات الاسلامية عام 92 م والتى تعتبر اليوم اعلى مؤسسة تربوية اسلامية فى كوسوفو هذا الى جانب ثلاث مدارس شرعية عدد طلابها600 طالب ومن بينها مدرسة علاء الدين الاسلامية وكذلك وجود جامعة وحيدة تضم 13 كلية عدد الطلاب فيها 27 الفا وتضم اكثر من الف استاذ جامعى. ففى العهد العثمانى فى كوسوفو كان شيخ الاسلام يشرف على العمل الاسلامى فى الولايات التى كان يسكنها الالبان وذلك عن طريق المفتى المسئول فى كل منطقة من المناطق وعقب الحرب العالمية الثانية بدأ الاتحاد الاسلامى عمله فى اول يناير 1948 وكان فى تلك الفترة عبارة عن تنظيم اسلامى موحد يشمل جميع المسلمين الذين يعيشون داخل حدود جمهورية يوغسلافيا السابقة الا انه اعلن استقلاله سنة 1994 بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافى وحدد اهدافه فى تنمية الوعى الدينى وتنظيم الشعائر الدينية وبذل مساعيه للدفاع عن مبادىء واخلاقيات المجتمع المسلم وان يقوم بتنمية وتطوير الجوانب الثقافية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية لدى المسلمين. ان الحديث عن الاتحاد الاسلامى الكوسوفى يرغمنا على الحديث عن المشيخة الاسلامية والتى تعتبر الهيئة التنفيذية للمجلس وتقوم بالاشراف على جميع الشئون الاسلامية والادارة والتنظيم والنشاط والاوقاف والمساجد والتعليم الاسلامى الامر الذى يحتم علينا أيضا معرفة مدرسة علاء الدين الثانوية الوحيدة لتأهيل الطلبة الائمة وهو نفس الامر الذى دفع الى تأسيس كلية الدراسات الاسلامية فى العاصمة بريشتينا. التعليم الاسلامي وفى دليل خاص بمدرسة علاء الدين الثانوية تأكد ان نشاط التعليم الاسلامى فى كوسوفو بدأ قبل ستة قرون او بالاحرى مع بداية الفتوحات العثمانية وانتشار الدين الاسلامى فى هذا الجزء من شبه جزيرة البلقان وفى تلك الحقبة تم وضع اللبنات الاولى لمؤسسات التربية الاسلامية كركيزة مهمة من ركائز الحضارة الجديدة فقد تم حينها انشاء مدرسة بمدينة بريزرين فى منتصف القرن السادس عشر وكانت بمثابة اول معهد عال للتعليم الاسلامى ولعبت دورا كبيرا فى الحياة التربوية والتعليمية للالبان فى تلك المنطقة وفى بداية القرن السابع عشر كانت هناك مدرسة فى كل مدينة من مدن كوسوفو. وفى الوقت الحالى يتم تدريس 25 مادة مقررة لاربع سنوات فى مدرسة علاء الدين منها القرآن والحديث الشريف والتفسير والعقيدة والاخلاق واصول الفقه وغيرها من المواد الى جانب مواد علمية اخرى ومنذ بداية عملها تخرج منها الف و100 طالب تم تأهيلهم للقيام بعملهم كأئمة ووعاظ ومعلمين حسب احتياجات المشيخة الاسلامية والمرافق التابعة لها. ومن خلال لقاء مسئولى الاتحاد الاسلامى والمشيخة الاسلامية فى كوسوفو ومدير مدرسة علاء الدين الثانوية ومسئول قسم المخطوطات التاريخية بالمكتبة الوطنية ببريشتينا التمسنا حاجتهم الكبيرة فى خلق الروابط والاتصال الدائم بمنابر العلم والدين فى الشرق ورغبتهم الكبيرة فى التعاون مع اكبر الجامعات والمعاهد والمراكز الدينية فى مدن العلم كالقاهرة وبغداد ودمشق وكذلك الاراضى المقدسة فى المملكة العربية السعودية وغيرها من منابر العلم والدين فى عدد من الدول العربية والاسلامية وذلك لدعم وتطوير وتثبيت جذور الاسلام فى هذه المنطقة التى تفتقر الى الماديات لتطوير وانتشار الاسلام. وقد ناشدوا جميعهم الدول الاسلامية واهل الخير من المحسنين والجمعيات الاسلامية الوقوف الى جانبهم ودعمهم للوصول الى هدفهم السامى نصرة للاسلام والمسلمين فى كل مكان وقالوا اننا هنا فى كوسوفو احوج الى المساعدة وذلك لاعتبارات كثيرة اهمها على الاطلاق اننا نعيش فى قلب اوروبا خصوصا وانهم قد مروا بتجارب قاسية كان اخرها حرب الابادة والتطهير العرقى التى شنها الصرب عام 99. واشار المسئولون الالبان الى اهمية المحافظة على الموروث الدينى والثقافى والحضارى الاسلامى فى كوسوفو وذلك لتثبيت ونشر مبادىء وشعائر الدين الاسلامى الحنيف بين صفوف ابناء كوسوفو والمحافظة على تلك المخطوطات القيمة التى تعتبر بحد ذاتها كنزا ثقافيا وعلميا يستند اليه طالبو العلم فى دراساتهم العلمية وفهم تاريخهم الاسلامى ونضال ائمتهم عبر العصور لنصرة الاسلام والمسلمين فى منطقة البلقان. ولم يغفلوا فى هذا اللقاء عن ذكر دور دولة الامارات العربية المتحدة وقائدها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله فى تقديم يد العون والمساعدة سواء من خلال قوة الامارات المتواجدة فى مدينة فوشترى ضمن قوات حفظ السلام الدولية (كفور) للحفاظ على الامن والسلام فى قطاع مسئوليتها او تلك المساعدات الانسانية المتعددة الاطراف التى تقدمها خلية الاغاثة والاعمار التابعة للقوة وكذلك الجمعيات الخيرية والهلال الاحمر الاماراتى للشعب الكوسوفى المسلم. - وام