اذا كان الرجل القوي هو ذاك الذي يتمالك نفسه عند الغضب فماذا يكون ذلك الذي افقدته مصائب الدنيا جميع افراد اسرته لتتركه وحيدا يصارع الحياة بجسم هزيل وقوى منهارة؟ هذا الرجل الاخير الذي نقصده هو المواطن محمد راشد عبدالله القيشي الذي بلغ الثمانين من العمر وبالرغم من ذلك فهو يسعى جاهدا لجعل الحياة تمضى كما هي. في قرية الوادي الغربي التي ترقد بهدوء الى جوار الجبال يعيش محمد القيشي في بيت شعبي صغير خال من كل شيء عدا الشقوق التي تزدان بها جدرانه وسقوفه. ويقدم اهل الفريج كل مساعده ممكنة للعجوز الذي لا يقوى على فعل شيء سوى الحركة ببطء داخل المسكن. وقد رسمت المآسي الموجعة التي مر بها علامات واضحة على وجهه وان حاول نسيانها. ويقول اقرباؤه ان مجرد رؤية الرجل تثير في النفس الحزن المرير وتملأ العيون بالدموع. وحكاية محمد القيشي مع الاحزان المؤلمة بدأت قبل خمس سنوات عندما تلقى نبأ تعرض ابنه سيود (35 سنة) لحادث دهس على شارع الرمس حيث اسفر الحادث عن وفاته بعد وقت قصير من نقله الى المستشفى. ولم يكن الحادث بالامر السهل على القيشي الذي افرط في الحزن على ابنه الذي كان يتهيأ للزواج. وقبل ان تجف دموعه ويلملم القيشي اطراف احزانه فاجأه القدر بنكبة اخرى اشد ايلاما من سابقتها وهي العثور على ابنه سعيد الذي كان من هواة جمع عسل النحل متوفيا بمنطقة جبلية بعد عملية بحث واسعة قام بها اهل المنطقة في اعقاب اختفاء سعيد ويعتقد الناس هنا ان الوفاة كانت ناجمة عن لدغة ثعبان من النوع السام. وبعد تلك الحادثتين الموجعتين ظل محمد القيشي قابضا على الصبر كما لو انه قابض على الجمر, فالمصائب التي انزلها الله عليه لم تزده إلا ايمانا بل بقي هو الى جوار زوجته المكلومة بوفاة ولديها يخفف من وطأة احزانها ويمسح دموعها ويذكرها بأن كل من على هذه الدنيا فان. وتشاء ارادة الله ألا يغادر محمد القيشي دائرة الاحزان الى ما لا نهاية ففي صباح يوم مشئوم وبينما زوجته تقوم على اعداد وجبة الافطار انفجر البوتجاز وهي واقفة الى جواره الامر الذي ادى لاصابتها بأضرار جسدية مبرحة ادت الى وفاتها لاحقا. وبالرغم مما يظهره القيشي من محاولات مستميتة للتغلب على احزانه المؤلمة فقد وجد نفسه يعيش بمنزله وحيدا تصارعه الهموم وتثقله الاحزان وكثيرا ما وجد نفسه مضطرا لذرف دمعه واحدة على ثلاثة اعزاء. والسؤال المهم الذي يفرض نفسه وسط كل هذه الاحزان المبكية هو لماذا لا تقوم الشئون الاجتماعية بدراسة حالة المواطن محمد القيشي علها تستطيع ان توفر له من يقدم له يد المساعدة ويخرجه من جبل احزانه قبل ان يلحق بأعزائه.