رغم الجهود الكبيرة التي تبذل في سبيل توطين الوظائف والخبرات ورغم السياسات المتواصلة التي توضع لتحقيق ذلك إلا اننا نجد ان الامارات ما زالت تمثل حالة قصوى من الاعتماد على الخبرات الاجنبية كما نجد ان الكثير من المواطنين يتسربون من وظائفهم للعمل في وظائف اخرى. (البيان): ومن خلال هذا التحقيق تحاول تسليط الضوء على الاسباب والحلول لهذه القضية. التسرب وتراكم الخبرة عبدالعزيز محمد رئيس قسم التعليم الثانوي في وزارة التربية والتعليم قال ان لتسرب الموظفين من اعمالهم الى اعمال اخرى يؤثر على تراكم الخبرة وفاعلية العطاء والجودة اضافة الى الكثير من التأثيرات السلبية الامر الذي يتطلب الوقوف وقفة جادة لمعالجة هذه المسألة. وحول الاسباب التي تدفع الموظفين لترك وظائفهم اشار عبدالعزيز الى ان الترقية في الاغلب تأتي دون زيادة في الراتب منوها انها ترقية مسمى فقط والفارق يكون بين الرؤساء بسيط. وأضاف ان المؤسسات الانتاجية الربحية تكون فيها الحوافز اكثر مما يجعل الموظف يبذل المزيد من الجهد في العطاء والجودة كما ان الرواتب مختلفة بفارق كبير, موضحا ان تفرد الادارة بالسيطرة الكاملة قد يؤدي ايضا الى تسرب الموظفين واقترح عبدالعزيز لحل هذه المشكلة اعطاء التقارير السرية اهمية قصوى بالنسبة لتقييم الموظفين مشيرا الى ان الترقيات الجماعية اثبتت عدم جدواها في تحفيز الموظفين لتقديم الافضل. أحمد ابراهيم احمد رئيس قسم شئون الموظفين في وزارة الصحة اوضح ان انتقال المواطن من جهة الى اخرى امر طبيعي فإينما وجد الانسان الافضل بالنسبة له ينتقل اليه مشيرا الى ان ذلك مؤشر ايضا على ان هناك مكانا افضل من آخرسواء في التعامل الاداري مع الموظفين او في الرواتب والحوافز او في اعطاد الترقيات لمن يستحقها, وأكد احمد ابراهيم انه يجب البحث في اسباب التسرب لدى كل مؤسسة تعاني من هذه المشكلة منوها انه يجب ألا يسمح للموظف بترك عمله دون البحث في اسباب ذلك. مواطن آخر فضل عدم ذكر اسمه اشار الى ان الامتيازات تشجع الموظف على الانتقال من مكان الى آخر فالكثير من المؤسسات الاتحادية تفتقر للامتيازات الاضافية كما ان العلاوات التشجيعية لا تعطى لمن يستحق اضافة الى ان معاملة الموظف تكون سيئة خاصة في الادارات المسيطرة بشكل مطلق فهناك خلل في الادارة. وأوضح ان هناك مساواة في الكثير من المؤسسات بين من يعمل ومن لا يعمل مما يؤدي الى نفرة من يعمل عند مساواته مع الآخرين كما نوه الى ان الكثير من الرؤساء لا يؤمنون بقضية التدريب الامر الذي قد يرى معه الموظف انه يمكن ان يتطور في مكان آخر بشكل اكبر. مقابلة (ترك العمل) الدكتور عمر الشيخ خبير التنمية الادارية اوضح ان الموظف يلجأ الى ترك عمله لاسباب متعددة ابرزها انه قد يجد راتبا ووضعا افضل او رغبة في التغيير او اذا اراد ان يعمل لوحده كما ان آخرين يتركون العمل رغبة في التقاعد المبكر. واكد الدكتور الشيخ على اهمية اجراء ما اسماه (مقابلة ترك العمل) بما يشبه تلك التي تجري عند التعيين, موضحا ان اهميتها تكمن في التعرف على اسباب ترك الموظف لعمله والهدف من السؤال علاجي اضافة الى ضرورة وجود عنصر المصارحة من قبل الموظف كما اكد ان الادارة تستفيد من هذا السؤال في تطوير المنظمة والحفاظ على الافراد العاملين فيها. واشار الى نظريتي التوقع والمقارنة بهذا الخصوص حيث ان الموظف يتوقع ويتأثر بتوقعاته في مجال العمل وعلى اساس هذه التوقعات يقرر ترك العمل او البقاء فيه اضافة الى انه يقارن نفسه مع الآخرين في مؤسسات اخرى ويشمل ذلك عناصر كثيرة يتأثر ويؤثر بها الموظف ابرزها نظام المكافآت والحوافز والترقيات والامن والاستقرار الوظيفي اضافة الى علاقاته بالعمل وتوفر عنصر التدريب والتقدير الشخصي. وحول الحلول للحفاظ على الافراد العاملين في المؤسسة قال الدكتور عمر الشيخ اننا يجب ان نلجأ الى تطوير مؤسساتنا ونظم المكافآت والحوافز والترقيات فيها والاستقرار الوظيفي وتحسين ظروف العمل والتدريب المستمر الذي يجعل الموظف يبقى في مكانه ويتطور. اما الخبير الاداري الدكتور محمد المازمي فتحدث حول الواقع المحلي بهذا الخصوص مشيرا الى ان الحركة في الوزارات بطيئة كونها غير مستقرة فهي مرتبطة بوزارة المالية على نقيض الدوائر المحلية التي تكون فيها الميزانية مستقلة وتعديل الرواتب والترقيات يكون فيها اسرع. اعادة النظر بالسلم الوظيفي وأوضح ان المؤسسات والهيئات الجديدة اصبحت عامل جذب للموظفين ممثلا لذلك بهيئة زايد للاسكان. حيث يتقاضى الموظفون في هذه المؤسسات رواتب اعلى بكثير رغم انهم لا يقومون بعمل مختلف ولا يمتلكون المؤهلات المختلفة مؤكدا ان مشكلة السلم الوظيفي موجودة منذ زمن بعيد في الوزارات وتراكمت الوظائف عند الدرجتين 2/2, 1/2 حيث يقف السلم الوظيفي عند مدير ادارة على درجة 1/1 واغلب الوظائف تراكمت عند مساعد مدير او رئيس قسم ولا يوجد مجالا لمزيد من الوظائف عند هذه الدرجات. وأشار الى ضرورة اعادة دراسة سلم الرواتب لتحقيق العدالة بين المؤسسات وفتح السلم الوظيفي والدرجات وألا يكون هناك مربوط لضمان عدم تسرب الموظفين. الدكتور قاسم نبيل خبير الادارة من جانبه اوضح ان المؤسسات الحكومية تشمل نوعين من القطاعات المرافق التقليدية ومرافق القطاع العام موضحا ان القطاع الثاني يتمتع بشخصية اعتبارية ويدار بأساليب وتشريعات مختلفة عن المرافق التقليدية مما يتيح المرونة وحرية الحركة لذلك يفضل اغلب المواطنين النوع الاول. واكد ان الامتيازات المادية ونظام الترقي والتنمية الوظيفية تجعل الموظف ينجر الى تلك المؤسسات ولذلك فإن مشكلة الترقي والاقدمية في المؤسسات التقليدية تحتاج الى نوع من الاهتمام. وبين ان الموظف لكي يبدع ويعطي يجب ان يجابه بنوع من التحديات وهذه غير متعارف عليها في المنظمات الحكومية التقليدية التي يميل الاداء فيها الى الروتين وعدم التجديد منوها ان موضوع الحافز المادي يواجه بشيء من الصعوبة في المرافق التقليدية بعكس منظمات القطاع العام التي حاولت ان تشجع الابداع عن طريق اشراك العاملين في صياغة السياسات والقرارات كما اكد على ضرورة المراجعة والتطوير الدائم لسياسات هذه المؤسسات وفتح نظام الترقيات واعادة النظر في الامتيازات المادية والمعنوية واغناء الوظيفة وتطوير اداء الوظيفة نفسها ومهارات القيام بها لضمان عدم تسرب الموظف. الخبرات الأجنبية الدكتور محمد المازمي الخبير الاداري أكد انه لا يوجد دولة في العالم تستطيع ان تستغني عن الخبرات الاجنبية كليا مشيرا الى ان امريكا نفسها تستعين بخبرات الاجانب من خارج أمريكا. وأوضح الدكتور المازمي ان اغلب الذين تستعين بهم دولة الامارات من الخبرات العربية مؤكدا اهمية وجود خبرات من جميع الجنسيات لما يخلقه ذلك من فائدة عن طريق الاحتكاك بهذه الخبرات والافادة منها. وشدد على أهمية وجود ما يفيد لدى هذه الخبرات التي يتم احضارها للدولة فنحن نحضر خبراء لنستفيد منهم وليس لندربهم وبسبب وجود النوعين من هذه الخبرات يجب ان يتم تقنين هذه العملية مؤكدا ان التعامل مع العولمة لا يحتاج نظرة ضيقة في هذه القضية. من جانب اشار الخبير الاداري الدكتور عمر الشيخ الى ان دولة الامارات منذ نهضتها تمثل دولة جذب للعمالة ولم تكن العناصر المتعلمة موجودة مع بداية هذه النهضة ولكن بعد هذه الفترة غير القليلة بدأ العنصر المواطن بالبروز ولو اعطي المجال لاستطاع ان يبدع مؤكدا ان الخبرات المحلية ليست بحاجة سوى لاعطائها الفرصة والثقة بقدرتها. واكد ان الدولة تحتاج الى خبرات كثيرة عبر مسيرة تقدمها في مجالات مختلفة ابرزها الخدمة المدنية والتنظيم الاداري والحسابات والتخطيط والمشروعات والانشطة الميدانية اضافة الى ان الدولة اتجهت الى تقنية المعلومات وادخال التكنولوجيا الحديثة مشيرا ان التطور المستمر يحتاج الى خبرات بشكل مستمر. ونوه الى ان تمازج الخبرة المواطنة مع الخبرة الاجنبية يخلق فائدة أكبر خاصة ان الخبرات الاجنبية تأتي من بيئات مختلفة. كما اكد ان الدول جميعها لا تستطيع التخلي عن الخبرات الاجنبية مشددا على حاجة الامارات للخبرات الميدانية العملية وليس الخبرة النظرية. ومن جانب آخر اوضحت دراسات عديدة اجريت في هذا المجال ان مشكلة توظيف المواطنين في دولة الامارات العربية المتحدة تعتبر مشكلة فريدة. فالمواطنون يعانون من مشاكل التوظيف رغم انهم يمثلون اقلية في اجمالي العمالة ببلادهم. ففي عام 1975 كان اجمالي العمالة المواطنة يبلغ 44631 فردا يمثلون 15.2% من اجمالي العمالة التي تبلغ 293788 في الفترة 1975 ـ 1995 بلغ متوسط المعدل السنوي لزيادة القوى العاملة الوطنية 5.2% ورغم هذه الزيادة الكبيرة الا ان نسبة اسهامهم في اجمالي العمالة قد انخفض الى 9.1% حيث كان معدل تدفق العمالة الوافدة في ذلك الوقت كبيرا 8.2% ولذلك ارتفعت اعدادهم الى 1214603 عاملا مقابل 105562 من العمالة المواطنة. وتمثل دولة الامارات الحالة القصوى في العالم للاعتماد على اجانب في ادارة القطاع الخاص وما يثير القلق هو ان سيطرة غير المواطنين تزايدت اكثر في الفترة بين اخر تعدادين للسكان 1985 ــ 1995 ففي عام 1985 بلغت نسبة المواطنين 2.8% من مجموع العاملين في القطاع الخاص مقارنة بـ 1.3% في 1995 وشكلوا 1.1 % من العاملين بأجر في هذا القطاع مقارنة بـ 0.5% في 1995 وبالرغم من ان عددهم كأصحاب عمل قد زاد بنسبة 34.3% الا ان عدد غير المواطنين من اصحاب العمل قد زاد في نفس الفترة بنسبة 87% وبذلك اصبحوا يمثلون 79.7% من مجموع اصحاب العمل. وفي قطاع العاملين لحسابهم كان المواطنون اقل بنسبة 48.6 % في عام 1995 مقارنة بعام 1985, بينما كان غير المواطنين اكثر بنسبة 53% بصفة عامة وفي جميع هذه الفئات كان عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص اقل في عام 1995 مقارنة بعام 1985 بنسبة 2.1% بينما زادت اعداد غير المواطنين باكثر من الضعف حيث ارتفعت بنسبة 122%. واشارت الدراسات المختلفة في سبيل وضع حلول لهذه المسألة الى ضرورة تقييم الطلب المستقبلي من المهارات الوطنية وضرورة وضع استراتيجية شاملة لتوطين الوظائف العامة تشتمل خطة زمنية لذلك اضافة الى ضرورة اعادة تنظيم القطاع العام بما يتيح تطوير ادائه وضرورة التدريب لزيادة فرص العمل في القطاع الخاص. كما بينت ان استخدام التقنيات الحديثة سيؤدي الى زيادة الانتاج والانتاجية والكفاءة كما أنه في المدى الطويل سيؤدي الى تقليل الطلب على العمالة.
السيطرة الادارية المطلقة أبرز أسباب الظاهرة ، تسرب المواطنين من الوظائف بغرض اعادة النظر بسلم الرواتب والترقيات
