تحدثنا في الاسبوع الماضي عن سلبيات السفر وايجابياته, وكان حديثنا منصبا على تايلاند التي ينظر الناس اليها بمنظارهم وانا انظر اليها بمنظاري, وقلت بأنني رأيت فيها وفي شعبها ايجابيات كثيرة, ورأيت فيها سلبية كبيرة وهي ان تماثيل بوذا والفيل المقدس تملأ الشوارع والدكاكين وردهات الفنادق, وبوذا هو الزعيم الروحي لهم والذي يذهب فيه الناس مذهبين: مذهب اهل الشمال الذي يؤله بوذا, ومذهب اهل الجنوب الذي هو اقل غلوا, وفي النهاية كلا المذهبين يقدسه ويقرب له القرابين من طعام وشراب وورود وبخور, صباحا ومساء. وبالمناسبة فإن بوذا الذي هو من اصل نيبالي يجمع بين الشعب الهندي والتايلاندي والشعب الصيني الذي يعيش منهم عدد كبير في تايلاند. وانني رأيت في يوم 24/1/2001 وهو يوم رأس السنة الجديدة عند الصينيين, جانبا من احتفالاتهم برأس السنة الجديدة في المنطقة الخاصة بهم وفي الاماكن الاخرى مثل الفنادق والساحات. والصينيون في تايلند يمثلون ربع السكان اي 15 مليونا من اصل 60 مليونا, لذلك فإنهم اذا احتفلوا بمثل هذه المناسبة ظهرت مظاهر الاحتفال على الاسواق فترى المكاتب والمعارض مغلقة وهذه هي مشكلة الطوائف او الجاليات الكبيرة التي تعيش في بلد ما فتأخذ حجما معينا وشكلا متميزا, فتراهم يغلبون بطابعهم على طابع البلد الاصلي. ثم انني رأيت خرافة عندهم يؤمنون بها وهي ان الفيل المقدس عندهم اذا رأيته وفي نفسك امنية تعطيه مبلغا من المال وتدق الجرس الذي في رقبته ثم تتمنى ما تشتهيه مثل طول العمر او الصحة او الولد, فتتحقق تلك الامنية حسب زعمهم وعقيدتهم. والتنين يوزع فاكهة مثل يوسف افندي (المندرين) على بعض الناس في يوم عيد رأس السنة فمن نال منه هذه الفاكهة عد صاحب الحظ السعيد في ذلك العام الجديد. ورأينا في احد القصور الملكية التي تزار من قبل السياح آلهة الخير وآلهة الشر وآلهة المطر, وهي كلها تماثيل مصنوعة من الذهب, وكذلك القبب الخارجية مغطاة بالذهب المصنوع في ايطاليا منذ سنوات. هذه الآلهة على اشكال الحيوانات الخرافية, فتنخلع منها القلوب عند رؤيتها لكنها عزيزة على عبادها لذلك فإنهم يلتمسون منها الخير والشر ويقدمون لها التحيات. بالمناسبة ناقشت احدهم حول هذه الخرافات فقال لي انكم العرب المسلمين عندكم مثل هذه كثيرة تطوفون حول الكعبة وتقبلون الحجر الاسود, وتتبركون بالقبور وتقدسون اشخاصا تسمونهم الاولياء, وتسقون الاشجار وتعلقون الخيوط بالاضرحة وتتباركون ببعض الاماكن وتعتقدون ببعض الاشياء مثل المحو وغير ذلك. قلت له انني اعترضت على شىء وانت تعترض على اشياء, اما الكعبة والحجر الاسود فمطلوب منا ان نفعل ذلك لان الله تعالى امرنا به, وليس من حقنا ان نسأل لان الايمان بالمغيبات جزء من ايماننا بالله. واما القبور فإننا نزورها, لان علاقة الاحياء بالاموات لا تنقطع بالموت, بل هناك الدعوات والصدقات والعمل الصالح التي يقدمها الحي فينتفع بها الميت. اما تقديس الاموات ببناء القبب عليهم فذلك لا يفيد الميت ولا يفيدنا نحن الاحياء لذلك نهينا عنه والعظماء عندنا يخلدون بأعمالهم واقوالهم لا بهياكلهم وصورهم فنقتدي نحن بسيرتهم مهما تتقادم عليهم العهود, وهم عند الله يؤجرون على ما قدموا ومن هؤلاء الخلفاء الراشدون وبقية الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين. واما سقى الاشجار وربط الخيوط بها وكتابة اشياء لا معنى لها على الورق للتعليق او في الماء للشرب فهي من المنهيات التي نهى عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم لانها تنافي الايمان بالله. ولعلك تقول ولكنكم تفعلون ذلك الى يومنا هذا, اقول ان فعل الجهال ليس حجة لنا ولا تكون حجة علينا. قال ونحن نعتقد ايضا ان بوذا امرنا بهذه الاشياء وهو مقدس عندنا لانه وجد ليخلصنا من الالام والمآسي وهو ابن الله, عاش قبل ميلاد المسيح قلت له شتان بين من امرنا ومن امركم, فالذي امرنا هو الله خالق الكون, ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي من لدن ربه, اما الذي امركم فهو عبد من عباد الله لم يتلق وحيا من الله وبالتالي فإن خطأه اكثر من صوابه, لذلك فإن عليه اتباع محمد بن عبدالله الذي هو رسول الله حقا وهو خاتم الانبياء وهو النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى. قال ولكننا نعتقد هذا الاعتقاد منذ آلاف السنين قلت له: نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأي مختلف وليس لي إلا ان اقول: لكم دينكم ولي دين. اقول ومثل هذه المشاهد وهذه الحوارات يجب ان تكون لان الانسان من خلالها يصحح الكثير من مفاهيمه ومفاهيم الآخرين. اذن فإن الاسفار مازالت ضرورة لانك ترى الآخرين وتحتك بهم عن كثب فإما ان ترى اخطاءهم فتزاد يقينا بأنك في عافية منها, واما انك ترى اخطاءك فتزداد علما ومعرفة ولا تغتر بما عندك ولا ببلدك الذي هو جزء صغير من العالم, وعندئذ تصدر احكاما عادلة على الشعوب التي تمثل حضارات وحضارات, وتتيقن بأن الحضارة ليست ثراء فاحشا تملكه, ولا سيارة فارهة تركبها ولا قصرا مشيدا تسكنه, ولا جمال شكل تزدهي به امام من حرمهم الله منه. بل الحضارة سلوك انساني راق ومعاملة طيبة مع الناس وجمال خلق وهذه الصفات يمكن ان توجد في الفقير كما يمكن ان توجد في الغني. ثم تتيقن بأن الخرافات هي قاسم مشترك بين الشعوب كلها فلا تجزم بأن كل ما تفعله انت اليوم صحيح بحكم انك مسلم, وكل ما يفعله غيرك باطل بحكم انه غير مسلم. بل المعيار هو ان كل ما تفعله انت او ما يفعله غيرك اذا كان يطابق الوحي وتتقبله الفطرة السليمة عد مشروعا وكل ما كان يخالف الوحي والفطرة السليمة فهو غير مشروع. هذه هي بعض انطباعاتي عن الاسفار التي لا تخلو من المحاسن والمساوىء واعتقد ان اولادنا بحاجة الى ان يقفوا هذه المواقف قليلا ليفكروا بمثل هذا التفكير ثم يعودوا بمحاسن الاسفار, اليس كذلك؟ بقلم: د. عارف الشيخ