برامج التفكير الابتكاري (الكورت) والتي تم تنفيذ الجزء الاول منها مع بداية العام الدراسي الحالي في عدد من مدارس الدولة كمرحلة تجريبية.. هي بحق.. طفرة في مناهج وطرق التدريب.. فهي تسعى في مجملها وعبر مستوياتها الستة الى اكساب التلاميذ مهارات متنوعة ليس فقط لتعليمهم طرق التفكير غير التقليدي.. بل تهدف لجعل الابداع جزءا طبيعيا من عملية تفكيرهم. ومن خلال تطبيق (كورت 1) بالفصل الدراسي الاول وتجريبه.. لاول مرة في 17 مدرسة بمنطقة رأس الخيمة التعليمية ومدرستين بمنطقة ام القيوين التعليمية ولتأكيد النتائج الايجابية الملموسة عمليا من التلاميذ بداخل الفصول.. فقد قامت ادارة برامج ذوي القدرات الخاصة بوزارة التربية والتعليم والشباب بعمل دراسة ميدانية لتقويم التجربة. فما المقصود ببرامج الكورت؟ وماذا حققت في غضون اربعة اشهر منذ بداية تجريبه؟ الاجابة عن الاسئلة ونتائج الدراسة الميدانية تتناولها من واقع الميدان والقائمين على تنفيذ البرنامج. تطويع البرنامج تقول د. عائشة الجلاهمة مدير ادارة برامج ذوي القدرات الخاصة: برنامج الكورت يعتبر من افضل البرامج التي استخدمت لتنمية مهارات التفكير لدى التلاميذ حيث يعتمد هذا البرنامج التدريب على التفكير كمهارة اساسية وهذا النظام مطبق في اكثر من ثلاثين دولة على مستوى العالم منها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واليابان وقد طبقنا في مدارس الدولة ما يتناسب من البرنامج مع طبيعة طلابنا واضفنا اليه مواقف جديدة تتلاءم مع بيئتنا العربية المسلمة. ويعتمد نجاح البرنامج على مدى الاهتمام بتعليم التفكير كمهارة اساسية كذلك طبيعة الدروس العملية فيه والتي طوعناها لتناسب مجتمعنا الاسلامي وقد صممت بشكل عام ليمكن استخدامها في كل المواقف والحالات ومع مختلف الفئات العمرية من 6 سنوات فما فوق ومع القدرات التعليمية المقدرة من 75 فأعلى.. وهذا ليس غريبا لان دروس الكورت تهتم بعمليات التفكير الاساسية الموجودة في اي مرحلة عمرية. وانطلاقا من حرص وزارة التربية والتعليم والشباب على تطوير عمليات وادوات التفكير للتلاميذ.. فقد تم تجريب هذا البرنامج في بعض مدارس الدولة ومن خلال غرف المصادر الموجودة بها. وعن معنى كلمة (كورت) تقول د. عائشة الجلاهمة: كلمة شزد اختصارا لـ ْش وكْفممز مىىْهُ وتعني (مؤسسة البحث المعرفي) الموجودة في كامبرديدج بانجلترا والتي انشأها (ادوارد ديبونو) وهو باحث ومؤلف في التعليم المباشر للتفكير.. لذلك فقد استوحى اسم البرنامج من اسم مؤسسته. أنا.. مفكر وتضيف د. فاطمة احمد خلف العتيبة رئيس قسم رعاية الموهوبين والمعوقين بالوزارة ان برنامج الكورت يؤكد ان التفكير مهارة يمكن تنميتها بالانتباه والتعلم والتدريب ويجعل كل طالب ينظر الى نفسه على انه (مفكر) وليس كما كان يقال سابقا بأن الفرد ذا الذكاء المرتفع يكون بالضرورة مفكرا فعالا, فهناك بعض الافراد ذوي الذكاء المرتفع ويبدو انهم مفكرون غير فاعلين.. في حين ان غيرهم ممن هم اقل ذكاء يبدون اكثر فاعلية. ومن خلال التجربة في النصف الدراسي الاول فقد تم تدريب المعلمين والمعلمات على توظيف ادوات التفكير في المناهج الدراسية واستيعاب مهارات التفكير الابتكاري مما ادى الى تنمية مهارات التفكير الابتكاري ايضا لدى الطلاب وتعليمهم مجموعة من ادوات التفكير التي تتيح لهم فرصة الخروج بوعي تام عن انماط التفكير التقليدية وحتى يمكنهم رؤية الاشياء بشكل اوضح وأوسع. وتضيف د. فاطمة العتيبة ان برنامج الكورت مصمم بطريقة متوازية فهذا يعني ان كل جزء فيه يمكن استخدامه والاستفادة منه على حدة, وليس مرتبطا بما قبله من اجزاء ولكن بشرط الانتهاء من الجزء الاول بالبرنامج والذي يعتبر الجزء الاساسي منه ويجب تدريسه اولا.. حتى لو لم يتم تدريس الاجزاء الاخرى على الترتيب.. وذلك على عكس البرامج الاخرى ذات التصميم الهرمي الذي يتطلب فيها تعليم الهيكل كله وبالترتيب وإلا فقدت اجزاؤه فائدتها وفعالياتها. كوادر مواطنة مدربة يقول الاستاذ عبدالله مصبح مدير منطقة رأس الخيمة التعليمية ان برنامج الكورت تم تجريبه في العام الدراسي الماضي 99/2000 بالتعاون مع بعض موجهي المرحلة التأسيسية وعلى نطاق ضيق في بعض المدارس بالمنطقة مثل مدرسة اذن الابتدائية للبنات والظيت الابتدائية للبنين بواقع فصل واحد فقط في كل مدرسة واعطيت لهم بعض دروس من البرنامج وكانت نتائجها مشرفة ومشجعة لذلك فقد تم توسيع نطاق التجريب في 17 مدرسة تأسيسية وابتدائية عليا وصف اول اعدادي فيما يعادل 91 فصلا, واستفاد منه نحو 2250 تلميذا وتلميذة في 17 فصلا بثاني ابتدائي و31 فصلا بثالث و27 فصلا برابع و8 فصول بخامس و6 فصول بسادس ابتدائي وفصلين فقط بالصف الاول الاعدادي. ويضيف مدير المنطقة انه قد تم تنظيم دورات تدريبية لـ 26 من المعلمين والمعلمات في كيفية توظيف برنامج (كورت 1) خلال الحصة الدراسية واقيم لهم ورشة عمل وبرنامج لتبادل الزيارات منذ اول العام الدراسي واسفرت كلها عن نتائج جيدة انعكست على التلاميذ كما ساهمت في اعداد وتأهيل الكوادر الفنية المواطنة في برامج التفكير الابتكاري والقادرة على تأسيس مراكز للتفكير الابتكاري والمخطط لتنفيذها في العام المقبل بالمنطقة التعليمية. ويقول سالم سيف الجابر رئيس قسم التعليم الخاص والنوعي بالوكالة بمنطقة رأس الخيمة التعليمية: ان الاستراتيجية التي وضعتها الوزارة لتنفيذ البرنامج تتمثل في تدريس البرنامج المكون من ستة اجزاء على مدى ثلاث سنوات دراسية بواقع جزأين من برنامج الكورت كل عام دراسي ابتداء من العام الدراسي الحالي 2000/2001م قد تم تدريس الجزء الاول وهو (كورت 1) في الفصل الدراسي الاول وهو الجزء الذي اعدت الدراسة لتقييم مدى نجاحه في الميدان ويعتمد على توسعة مجال الادراك. والجزء الثاني (كورت 2) ويعتمد على تنظيم الافكار وتطوير استراتيجيات حل المشكلات وقد بدأ تدريسه حاليا بالمدارس. وفي العام الدراسي المقبل 2001/2002م سنبدأ في تنفيذ (كورت 3) والخاص بالتفاعل لتطوير عملية المناقشة وذلك في الفصل الدراسي الاول أما الفصل الدراسي الثاني سيدرس (كورت 4) وهو عن الابداع. اما الجزء الخاص بـ (كورت 5) والمتعلق بالمعلومات والعواطف سيطبق عام 2002/2003 والجزء الاخير كورت (6) والذي يهتم بعملية التفكير في مجموعها بدءا من اختيار الهدف وحتى اقتراح خطة وتنفيذ الحل وسيتم تطبيقه في العام الدراسي 2003/2004م بإذن الله. وعن الدراسة الميدانية والنتائج التربوية التي تحققت بالميدان بعد تطبيق برنامج التفكير (كورت 1) يقول مصطفى ابراهيم ابو دشيش موجه برامج ذوي القدرات الخاصة: مشكلة الدراسة تتمثل في التساؤل التالي: ما هو واقع تجريب برنامج التفكير (كورت 1) ببعض المدارس الابتدائية والاعدادية بمنطقتي رأس الخيمة وأم القيوين التعليميتين؟ كما ان اهميتها في ان التفكير من اهم الاسس الكفيلة بتحقيق نهضة وتقدم الشعوب وتمزج بين الجانبين النظري والميداني. وتهدف الى تقويم التجربة وتدعيم البناء النظري للبرنامج ثم تقديم المقترحات للمسئولين حتى يمكن تطوير العمل به ومواجه ما قد يظهر من مشكلات في عملية التطبيق, كما انه يواكب الاتجاهات العالمية المعاصرة والتي تعنى بالتفكير الابتكاري. وكانت العينة التي طبقت عليها الدراسة جميع اعضاء الهيئة التدريسية التي تتعامل مع الفصول المطبق بها التجربة بتعليميتي رأس الخيمة وأم القيوين. سواء اكانوا معلمي فصول أم مواد أم انشطة بجميع تخصصاتها. نتائج التجربة.. رائعة ويضيف الموجه مصطفى ابو دشيش انه بعد تحليل الاستجابات وجد ان برنامج الكورت للتفكير له اثر في تنمية الطلاقة اللغوية والتعبير اللغوي لدى الطلاب وهذا ما افاد به 92% من المعلمين, كما ان لدروس التفكير اثرا ايجابيا على الطلاب الذين يعانون ضعفا في بعض المواد الدراسية بنسبة 66%, ولبرنامج الكورت اثر واضح في توسيع مجال الادراك لدى الطلاب واكده 94% من المعلمين. كما وجد ان التغذية الراجعة التي يحصل عليها التلميذ من زملائه في حصص التفكير لها اثر ايجابي على كيفية مناقشته داخل الصف (كان يفكر بعمق قبل الاجابة), 81% وطريقة التعلم الرمزي التي يعتمد عليها تدريس التفكير لها اثر واضح في نمو العلاقات الاجتماعية بين الطلاب, واكد على ذلك 91% من المعلمين. في حين عارض ذلك 9% فقط وقد يرجع ذلك الى انهم غير مقتنعين بالتعلم الزمري او لتمسكهم بالطرق التقليدية في التدريس. تعيين مقرر لكل مجموعة اثناء الدروس له اثر في تنمية شخصيته داخل الصف 93%. دروس التفكير لها آثر ايجابي في تعديل بعض الاتجاهات لدى التلاميذ نتيجة تطبيقه على البيئة, وقد افاد 88% لذلك حيث يتم غرس بعض القيم في نفوس التلاميذ كالنظافة والنظام واحترام المعلم والتعاون والعادات الاسلامية الطيبة. دروس التفكير لها آثر ايجابي على المتفوقين وهذا ما أكده نسبة 96% من المعلمين وقد يرجع ذلك الى ان البرنامج يشجعهم على مزيد من التفوق والتميز حيث ان ادوات البرامج والمواقف العديدة التي يناقشها الطلاب من خلاله تشبع ميولهم التعليمية وتلبي رغبتهم في الحوار والمناقشة. وبسؤال المستهدفين من الدراسة عما اذا كان هناك اثر في اهمال الطالب لواجباته في المواد الدراسية الاخرى نتيجة الواجب المنزلي للبرنامج؟ فقد اشار 79% منهم الى ان الواجب المدرسي للبرنامج ليس له اي اثر سلبي على الواجبات الاخرى وقد يرجع ذلك الى بساطة الواجب المنزلي لادوات التفكير والذي لا يتعدى مناقشة موقف تفكيري واحد اسبوعيا ولا يحتاج الا دقائق معدودة لاثارة التفكير حوله. وهنا تجدر الاشارة بان فوائد البرنامج قد تمتد الى البيت ويشارك فيها الاخوة وافراد الاسرة وقد تلقينا استفسارات عديدة من أولياء الأمور حول البرنامج تنم عن اهتمامهم ورغبتهم في الاطلاع عليه. كما افاد 98% من المعلمين ان البرنامج يتيح العديد من الفرص أمام الطلاب للتعبير عن ارائهم المختلفة دون تردد أو خوف لان الجميع يشارك فيها من خلال الاجابات الجماعية المكتوبة ومن خلال المناقشات الفردية الشفهية التي يقوم بها المعلم عقب المشاركات الجماعية للتأكد من عدم اغفال أي فكرة جديدة قد تظهر قبل نهاية الدرس. واكد 97% منهم ان البرنامج يساعد على تقبل المعلمين لاراء الطلاب واحترامها.. ويرجع ذلك الى تعليمات مؤلف البرنامج الذي يؤكد ان معلم التفكير لا يجب عليه بأي حال من الاحوال ان يصادر الاراء والافكار مهما كانت بعيدة او غريبة او طريفة او مدهشة او نادرة بل يحترمها ويقدرها فقد يكمن فيها الابداع. * وطرح سؤال: هل يتحدث الطلاب امامك باعجاب عن حصص التفكير وينتظرونها كل اسبوع؟ فاشار 78% بان معظم الطلاب يتحدثون باعجاب عن حصص التفكير وينتظرونها كل اسبوع, وقد يرجع ذلك الى ان البرنامج قد اثار حب واعجاب الطلاب لأنه يناقش مواقف تناسب ميولهم وتلبي رغباتهم. * هل تحب ان تشارك معلمي ومعلمات غرف المصادر وتحضر دورة التفكير المقبلة؟ افاد 72% برغبتهم في الحصول على دورة في تنمية مهارات التفكير وربما يرجع ذلك لقناعتهم بالبرنامج واثاره التربوية, اما النسبة الباقية والتي تمثل 28% اشاروا بعدم الرغبة وقد يرجع ذلك لقناعتهم بكفاية الدور الذي يقوم به معلم التفكير بالمدرسة او انهم سوف يكلفون باعباء اضافية اخرى قد تؤثر على عملهم التقليدي بالفصول او لعدم درايتهم بالبرنامج وأهدافه. * هل يتعارض برنامج الكورت للتفكير مع اهداف العملية التعليمية والتربوية؟ اكد 81% من المعلمين على عدم تعارضه مع اهداف العملية التربوية والتعليمية وذلك لما شاهدوه ولمسوه من اثار ايجابية على الطلاب والطالبات نتيجة تطبيق البرنامج. * هل تحب ان تتسع دائرة التطبيق لتشمل جميع طلاب المدرسة؟ افاد 87% منهم بضرورة اتساع تطبيق البرنامج ليشمل جميع الطلاب بالمدرسة. التوصيات ويضيف الموجه مصطفى ابراهيم ابو دشيش: لقد اسفرت استجابات العينة للسؤال المفتوح الخاص بالمقترحات والتوصيات التي لها علاقة بتجريب البرنامج كالتالي: ـ توسيع نطاق تطبيق البرنامج ليشمل كافة المدارس بالدولة نظرا لأهميته ومسايرة الاتجاهات المعاصرة في تطوير التعليم وتمشيا مع رؤية 2020 للوزارة. ـ توسيع دائرة تطبيق البرنامج لتشمل جميع المدارس الابتدائية (تأسيسية وعليا فقط). ـ انشاء وحدات للتفكير الابتكاري بكل مدرسة ابتدائية على ان تكون مزودة ببعض التقنيات المساعدة (اجهزة عرض شفافيات داتاشو) والتي تمكن من تطبيق البرنامج, وغيره بشكل افضل بدلا من السبورة وغيرها من الوسائل التقليدية الاخرى. ــ الاستفادة من المعلمين (المعلمات الذين حصلوا على دورة في برنامج تنمية مهارات التفكير ليسهموا في تدريب المعلمين والمعلمات في مدارسهم وباقي المدارس المحيطة بهم حتى تعم التجربة وتشمل جميع المدارس. ـ عمل انشطة اثرائية للطلاب المتفوقين والموهوبين بجانب برنامج التفكير (كورت) واستغلال المكتبات والصحف والمجلات في حث الطلاب على مزيد من الاطلاع والتوسع في القراءة بكل مادة. ـ توظيف ادوات التفكير في باقي المواد الدراسية الاخرى وخاصة في التعليم الثانوي والاعدادي من خلال المعلم المدرب والمؤهل للعمل. ــ تخصيص حصة واحدة اسبوعيا على خريطة الجدول المدرس لبرنامج التفكير بشكل عام ويمكن استقطاع حصة العلوم الزائدة هذا العام في المرحلة التأسيسية لتطبيق البرنامج بشكل منتظم خاصة وان تدبير حصة التفكير يتم بشكل ودي عن طريق ادارات المدارس ولكن بشكل غير منتظم مما يعيق استكمال البرنامج في الوقت المحدد. ـ يجب ان يحصل التلاميذ وبشكل اجباري على دورات متخصصة في برامج التفكير مثل (الكورت) او غيره من البرامج لان هناك من يتمسك بالطرق التقليدية ولا يفضلون التغير والتطوير خاصة في المرحلة التأسيسية. ـ توعية أولياء الأمور بمزايا هذه النوعية من البرامج مما ينعكس ايجابا على الاسرة والاستفادة من هذا البرنامج داخل البيت خاصة وانه يتناول موضوعات تهم المجتمع ويمكن تحقيق ذلك من خلال الدورات التدريبية والنشرات واللقاءات بين المعلمين المدربين وأولياء الامور. وكما يقال فان مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.. فنحن نقول: لقد بدأت مسيرة التعليم حقا في التطور وفق مفاهيم ورؤى واعية محققة لغد مشرق في وطن غال فخور بأبنائه ان شاء الله. تحقيق: نجلاء سعد الدين