عندما قام العالم الجليل ابن بطوطة برحلاته الثلاث التي استغرقت تسعا وعشرين سنة من عمره لم تكن وسائل السفر متوافرة كما هي الآن, لكن مع ذلك استطاع ان يربط المشرق بالمغرب والشمال بالجنوب ويزور بلدان العالم ، المعروف في ايامه, فطاف في مصر وسوريا وجزيرة العرب وافريقيا الشرقية وآسيا الصغرى وروسيا الجنوبية والهند والصين والاندلس والسودان, كما يقول البستاني. قام برحلاته, وفي كل بلد كان يسجل ذكرياته سواء في ذاكرته او فيما يجد معه من وسائل الحفظ والتسجيل, المهم ان ابن جزي الذي كان ألصق الناس به استطاع ان يستملي الشيخ العظيم فأملى عليه خلاصة تلك الرحلات الطويلة, فمنها ما كانت علوما, ومنها ما كانت تجاربا, ومنها ما كانت أدبا, ومنها ما كانت عجائب وغرائب, ومنها ما كان تاريخا, ومنها ما كان سلوكا وتقاليد. دون ابن جزي رحلة ابن بطوطة في كتاب, وطبع فيما بعد عدة طبعات, فقرأه من قرأه, وحفظه في مكتبته للزينة من حفظه, لكنه في نظري ظل ويظل كتابه كتابا لا يجارى ولا يساوى بأي كتاب, لاننا مهما نؤلف اليوم فان الفضل للوسائل الحديثة وتقنيات العصر التي رفعت عنا عناء الاسفار, ومشقة الجمع والحفظ والتسجيل والطبع والنشر. ان السؤال الذي اود ان اطرحه اليوم هو هل نحن في حاجة الى سفر مثل سفر ابن بطوطة؟ ثم هل نحن في حاجة الى ان نصور وندون كل ما نشاهده في اسفارنا؟ يقول معظم الناس لا حاجة اليوم الى الاسفار مطلقا, لان ما يريده الناس موجود في بلادهم, ومشاهد ومقروء, وبعضهم يقول السفر يكون للعلاج او يكون للتجارة ولا شيء سواهما, وبعضهم يسافر لقضاء وقته ومتعته. لكنني اقول ان حاجتنا الى مثل رحلة ابن بطوطة مازالت قائمة, لان التقنية الحديثة التي قربت المسافات, وقربت المشاهد والاصوات لم تغننا عن السفر في اعماق تلك الشعوب في بلادهم, فالصور مهما تكن قريبة منك فانها ليست كالملامسة, لان رؤية الكاميرات غير رؤية الابصار, وسماعك عبر الهاتف غير سماعك للشخص وهو ماثل امامك. ثم ان الاجهزة كثيرا ما تخدع فالقبيح تريك اياه جميلا, والجميل تريك اياه قبيحا, بفعل قدرة الاجهزة على التشكيل والتمويه والتمثيل. ففي بلد مثل مملكة تايلاند المعروفة بسيام قديما تجد الكثير من محاسن الشعب التايلاندي, ومن ذلك انك تجدهم مسالمين اذا جئتهم, لايضايقون الزائر, ويرحبون به بأسلوبهم المتميز الذي هو عبارة عن جمع الكفين ووضعهما تحت الدقن مع انحناءة بالغة مما تجعلك تخجل منه. نعم تشعر بارتياح منهم رغم ان لغة التفاهم بينك وبينهم مفقودة لان القليل منهم من يعرف الانجليزية. اقول هذا عن تايلاند وانا اعلم ان نسبة 90% من سكان البلد بوذيون, و5% مسلمون, و5% بين الهنود والجنسيات الاخرى. ومن محاسنهم ايضا النظافة اذ ان بلدا مثله يقطنه 60 مليونا لو لم يكن الشعب نظيفا لعمت الاوساخ شوارع البلد, ولاسيما الاماكن المزدحمة, حيث الديزل قد سود واجهات المباني, كما هي الحال في بانكوك العاصمة, وبانكوك معناه city of angles اي مدينة الملائكة. وتجد هناك نظام سير السيارات مازال على النظام القديم الذي هو من اليسار لليمين وليس من اليمين لليسار كما في معظم بلاد العالم, لكن هذا لايعد عيبا ولا تخلفا مادام الناس يحترمون نظام المرور, ولا تجد حادثا مروريا طول اقامتك عندهم. وتجد ايضا آثار الفقر والفقراء على امتداد الشوارع, وفي الاسواق القديمة, والفقر هو الآخر ليس بعيب مادمت تجد اصحابه يعملون حتى لو يبيعون التراب وعاجزهم يجلس في زاوية بهدوء يلفت نظر المارة اليه من غير ان يمد يده او لسانه او يركض وراءهم يستجديهم, لذلك لن تجد فقيرا يطلب لكنه يجلس وفي يده مزمار, او كأس تفهم منه انه محتاج. نعم ولم اجد في الشوارع ما يخدش الحياء, لا من ناحية الملابس ولا من ناحية الكلام, على خلاف ما نسمع من بعض الناس يتحدثون عن بانكوك. وكأنها لا ايجابية لها, ثم يحددون لك مكانا معينا بعينه. اقول لمثل هذا هناك قاسم مشترك بين بلاد العالم في الخير والشر بنسب متفاوتة, فهل انت ضامن بان بلدك اي بلد كان يخلو بجميع جوانبه من الشر ولا يوجد فيه الا الخير؟ اذا قلت لا فلماذا عيوبك لاتراها, وعيوب الناس (تجري وراها)؟ ومن محاسن اهل البلد ايضا انهم لايضايقون العوائل التي تزورهم وهي تلبس لباسها المعتاد في حين ان مثل هذه الملابس تكون مثار سخرية وضحك وتعليقات في بلاد اخرى. واذا جئت للباعة لكي تشتري منهم شيئا اجابوك بصوت يسمعونه ولا تكاد تسمعه انت الا بصعوبة. مما يجعلك ترق لهم وتشتري حتى لو لم ترد شراءه, لما تجد عندهم من رقة وادب, ورغم انك تكاسرهم في الاسعار تجدهم امناء, لدرجة ان بعضهم اذا جئت تشتري منه شيئا قال لك من باب النصيحة ربما هذا لايناسب الموجود في بلدك, واعني به انه ينبهك بعكس البلاد الاخرى التي تجد ان همهم البيع ولو بالغش والخداع. اقول ربما هذه الصفات مكتسبة من وصايا بوذا العشر التي منها لاتكذب, ولا تسرق, ولا تغتصب. ثم انك تدخل بعض المراكز التجارية الكبيرة التي تكبر عن بعض المراكز التجارية في بلدك بأضعاف فلا تسمع همس احد اللهم الا خشخشة السلالم الكهربائية الكبيرة التي تئط بحمل الناس, صاعدة ونازلة. وهذا يدل على ان الشعب هادىء وشغول وفعله اكثر من قوله, ولا يذهب الى تلك الاماكن للفضول ذلك ان الصراخ والضجيج حيلة العاجز والفاشل الذي يريد ان يلفت انظار الناس اليه بقوة حنجرته وتصرفاته الشاذة. نعم ورأيت سلبية كبيرة هناك فوقفت أتأسف كثيرا, وتلك السلبية سلبية في نظري في حين انها ايجابية في نظرهم لذلك فانها موجودة في كل شارع ودكان وبيت, وبأحجام مختلفة وتنال منهم كل تقديس واحترام هذا وللحديث بقية, فسوف نكمل حديثنا عنها وعن تايلاند في الاسبوع المقبل ان شاء الله, ان كان في العمر بقية, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ