رغم تزايد الاهتمام بالصحة الجسدية بمدارس المنطقة العربية, الا ان الاهتمام بالصحة النفسية للطلاب لم يأخذ القدر الكافي من الاهتمام الا في السنوات العشر الأخيرة, وبدأت بلدان الدول العربية ممثلة في وزارات التربية والتعليم ، والصحة تولي قدرا أكبر وأكثر فاعلية للصحة النفسية للطلاب, ولم تكن دولة الامارات العربية بمنأى عن هذا الاتجاه حيث حاولت وزارة الصحة بالتعاون والتنسيق مع الجهات الدولية المعنية دعم برامج وخطط الصحة النفسية للاطفال والمراهقين لتتماشى جنبا الى جنبا مع الصحة الجسدية. وتأتي زيارة الدكتورة أمير سيف الدين خبيرة الصحة النفسية بمنظمة الصحة العالمية للدولة دعماً لهذا التوجه حيث تقوم بتدريب مجموعة من الاطباء والمتخصصين بالصحة المدرسية في كيفية التعامل مع المشاكل النفسية لدى الاطفال والمراهقين مع وضع الخطط والبرامج الحديثة لدعم وتعزيز الصحة النفسية بمدارس الدولة. والدكتورة أميرة سيف الدين استاذ الصحة النفسية بكلية الطب جامعة الاسكندرية, واستشاري منظمة الصحة العالمية للصحة النفسية للاطفال والمراهقين, ورئيس جمعية الصحة النفسية الوقائية للطفل, وسكرتير الجمعية العالمية للامراض النفسية للاطفال والمراهقين, وأمين عام جمعية شرق حوض البحر المتوسط للامراض النفسية للاطفال والمراهقين في المنطقة العربية. وخلال هذا الحوار.. نتعرف على المزيد من المشكلات النفسية التي تواجه التلاميذ والطلاب ودور الاسرة والمدرسة في كيفية حلها. بداية تؤكد الدكتورة اميرة سيف الدين ان هناك ثلاثة مستويات للتعامل مع المشاكل النفسية للاطفال والمراهقين تتمثل في الاتصال الجيد بين الطبيب والطفل او المراهق والتعرف على مراحل النمو النفسي لديهم, وبدون ذلك يصبح حل المشكلة النفسية من الصعوبة بمكان, وعلى سبيل المثال تعتبر مشكلة التلعثم في الكلام طبيعية جدا من سن سنة وحتى 5 سنوات, ولكنها تعتبر مشكلة بعد سن الخمس سنوات يجب علاجها. فمن الضروري ان يتفهم الطبيب أو المدرس او الاب والام طبيعة المشكلة ومحاولة ايجاد الحل المناسب للمواقف والمشاكل المختلفة التي تواجه الطفل والمراهق. وفيما يتعلق بالمستوى الثاني.. فيتمثل في كيفية التعرف على الاطفال الاكثر عرضة للامراض النفسية, وهي عادة تكون بين الاطفال الذين لديهم مشاكل صحية او مشاكل أسرية وجميعهم يحتاج الى رعاية نفسية خاصة لاعادتهم الى الحالة الطبيعية قبل استفحال المشكلة. اما المستوى الثالث فيتعلق بالمشاكل النفسية ذاتها, كالمشاكل الانفعالية ومنها الاضطرابات النفسية, وكيفية التعامل مع المشاكل البسيطة كالقلق والاكتئاب وقلق الانفصال ومحاولة علاجها والعودة بالطفل او المراهق الى المسار الصحيح. وفي الحقيقة فإن طريقة التعامل مع الاطفال في هذه المرحلة العمرية لم تكن واضحة لدى الكثيرين من الاطباء والمعلمين فضلا عن الاسرة المتمثلة في الاب والام. الاسرة.. والمراهق * وحول تساؤل عن كيفية معرفة الاسرة اذا ما كان الابن يعاني من مرض نفسي ام لا؟ تقول: بالنسبة للاطفال هناك عدة علامات تلاحظ عليه, حيث تلاحظ الأم ان نوم الطفل بدأ يعتريه القلق والاحلام المزعجة بجانب التأخر في الدراسة وحدوث اختلاف في شهيته بالزيادة أو النقصان بالاضافة الى السلوك العدواني الذي يتخذه الطفل تجاه المواقف المختلفة. ام المراهق فهناك علامات بجانب ما سبق بالنسبة للاطفال حيث نجد انه يتخذ سلوكيات جديدة كمارسة التدخين والشعور بأنه اصبح عنيفا في معاملاته بجانب اتخاذ اصدقاء جدد يختلفون عنه في الطباع. وبشكل عام تتراوح المشاكل في حدتها واشكالها ومن المهم جدا للطبيب او الاخصائي ان يتفهم طبيعة المشكلة ليضع لها العلاج الصحيح, لان علاج المشكلة بشكل غير مناسب من الممكن ان يزيد من حجم المشكلة. مشكلة النشاط الزائد وحول مشكلة النشاط الزائد لدى بعض الاطفال وكيفية حلها.. اجابت بقولها: النشاط الزائد وتشتت الانتباه والاندفاع ثلاثة امور اذا لازمت الطفل بعد سن السنوات الثلاث الاولى ولفترة لا تقل عن ستة اشهر فإنها تكون مؤشراً على ان هناك فعلا مشكلة نفسية لدى الطفل في حين اننا لا نستطيع تشخيص حالة طفل بأنه مريض بالنشاط الزائد إلا حين دخوله المجتمع المدرسي, لان المدرسة تتطلب الهدوء والالتزام وعدم الحركة وهي عكس الصفات الموجودة بالفعل عند الطفل المريض بهذا المرض, فاذا ثبت ذلك يجب التعامل مع هذا الطفل بالطريقة السليمة ولاسيما في المرحلة الاولى عندما يتحول الطفل الى البلوغ, وإلا سيتحول هذا الطفل الى الجنوح وهو من اخطر الامراض النفسية السلوكية التي تؤدي الى طريق الانفلات والاجرام. التبول اللاارادي وعن اسباب مشكلة التبول اللاارادي وهل من الممكن علاجها عن طريق العقاقير والادوية؟ - تقول انها مشكلة كبيرة وخصوصا في المنطقة العربية حيث يؤكد معظم الاطباء ان هناك نسبة كبيرة من التلاميذ تعاني من هذه المشكلة.. ويجب ان نعلم ان 90% من التبول اللاارادي هو ثانوي بمعنى ان الطفل من سن سنة ونصف السنة الى خمس سنوات اذا تمكن من التحكم في المثانة لفترة 6 أشهر فإنه يتخطى هذه المشكلة, ولكن اذا ظهرت المشكلة مرة اخرى بحيث اصبح يتبول ليلا 3 مرات في الاسبوع لفترة لا تقل عن شهر فنحن نسميه (تبول لا ارادي ليلي) يجب علاجه.. ولكن اي علاج!! الاندفاع لاعطاء الطفل ادوية وعقاقير شتى في غاية الخطورة لانها من الممكن ان تسكن المشكلة ولكن عند الامتناع عنها تعود المشكلة من جديد, فضلا عن ذلك فهناك اثارا جانبية ضارة لهذه الادوية, وبعض الاطباء يجري رسم قلب للطفل قبل اعطائه هذه الادوية وفضلا عن هذا وذلك فإن هذه الادوية تقلل من تركيز الطفل مما يسبب له مشكلة اخرى وهي التأخر الدراسي. واعتقد ان العلاج المناسب للمشكلة هو العلاج النفسي السلوكي حيث يستخدم اسلوب تحفيز الطفل على كيفية التحكم في المثانة وتدريبه على ذلك وتقليل السوائل المدرة للبول وايقاظه اثناء النوم بجانب مكافأته اذا ما حقق نجاحا ولو بسيطا. وحول وجود علاقة بين الامراض النفسية والعوامل الوراثية تقول: ان كل انسان يكون عرضة للامراض النفسية لان كل انسان لديه جزء وراثي وجزء محيط به, فالاسرة التي تعتدي على الطفل بدنيا وبصورة مستمرة فإن هذا الاعتداء يؤدي الى احداث حالة نفسية يتسبب فيها الجو المحيط بالانسان حتى ولو لم يكن لديه استعداد وراثي, وعلى ذلك فإن الجزء الوراثي موجود والجزء المحيط بالانسان لم يؤثر عليه في احداث ضغوط نفسية فلن يحدث المرض. المراهقة.. والتدخين وحول الاسباب التي تدفع المراهق لاتخاذ بعض السلوكيات السلبية كممارسة التدخين او تعاطي المخدرات تقول الدكتورة اميرة سيف الدين ان المراهقة لها مراحل مختلفة منها المراهقة المبكرة وتبدأ من سن البلوغ وحتى 14 سنة, والمراهقة المتوسطة وتبدأ من سن 14 او 15 سنة الى سن 17 أو 18 سنة والمراهقة المتأخرة وتبدأ من سن 18 الى 21 سنة, وتعتبر المرحلة المتوسطة من اخطر هذه المراحل, لان المراهق يشعر بأن الاسرة تتعامل معه على انه لايزال طفلا, فيتخذ عدة سلوكيات لاثبات ذاته ومنها ممارسة التدخين واسلوب الرفض لوالديه ولمدرسيه ولذلك من المهم جدا ان يتعرف المتعاملون مع المراهق على مراحل المراهقة واحتياجات كل مرحلة من مراحلها بطرق علمية سليمة الى جانب المحافظة على اكتساب احترام المراهق لهم لان هذا الاحترام هو الحاجز الاساسي والحائط الزجاجي الذي اذا تم تحطيمه يخرج المراهق من نطاق السيطرة ويزيد من تمرده وتماديه. فيجب ان نعلم جميعا ان المراهق يعاني من زيادة في الهرمونات, وهو في الوقت نفسه يحتاج الى من يساعده في امتصاص هذه الطاقة, وان لم تنظم وتمتص في الانشطة النافعة كممارسة الرياضة او الفن فإن هذه الطاقة تخلف مشاكل لا حصر لها ولاسيما في هذه المرحلة الحرجة وعن وجود فروق بين مشاكل المراهقين في الدول الغربية والدول العربية تقول ان مشاكل المراهقة في الغرب تتمثل في الاستقلالية الزائدة, لان المراهق في سن 17 سنة ينفصل عن الاسرة وعلى الرغم من تدربه في المدرسة على التغلب على كافة المشاكل النفسية التي من الممكن ان تواجهه إلا ان هناك مشاكل تنشأ نتيجة الاستقلالية الزائدة. اما في المجتمعات الشرقية فإنه في ظل التصاق المراهق بالاسرة فإن المشكلات تنشأ نتيجة الحماية الزائدة وهي بطبيعة الحال تختلف عن مشاكل المراهقة في المجتمعات الغربية. وعن اهم الارشادات المهمة للتعامل الامثل مع الطفل والمراهق تقول الدكتورة اميرة سيف ان الاب والام هما اهم الاشخاص الذين لابد ان يتفهما المتغيرات النفسية التي تطرأ على الطفل, مع فتح قناة اتصال وتواصل مباشر مع الطفل, واتاحة الفرصة له للتعبير عن نفسه وعن احاسيسه, ولابد من التعامل مع الطفل على أنه رجل ومن منطلق الصداقة وليس من منطلق سلطة تحاكم افعاله وتصرفاته بالاضافة الى عدم استخدام العنف تماما سواء العنف اللفظي أو البدني وبأي صورة من الصور حيث اثبتت كل الدراسات ان معظم الامراض النفسية عند الاطفال تنشأ نتيجة التعامل معهم بالعنف أو الضرب. كذلك يجب استعمال اسلوب التشجيع والتحفيز لتنمية صفات العطاء والنجاح لدى الطفل. وفي المدرسة لابد للمدرس ان يمتلك القدرة والوعي الكافيين لاعطاء الطفل الثقة بالنفس والتعبير عن ارائه وعدم مصادرتها. فالمدرسة والاسرة بجانب الجهات الاخرى لابد ان تتكاتف للتغلب على المشكلات النفسية لدى الطفل والمراهق.