لا تستغرب ايها القارىء اذا ربطت الحج بالتربية والتعليم. ففي الحج الكثير من امور التربية والتعليم لو وقفنا عندها وامعنا النظر فيها, وهي ليست خاصة بالكبار دون الصغار, ولا الصغار دون الكبار. بل وليست خاصة بالعرب وحدهم او المسلمين وحدهم, ولكن يخص كل من يحب الخير ويحب ان يفعل الخير ويستجيب لأوامر الله, لذلك قال تعالى: (واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق, ليشهدوا منافع لهم... الآية). وفي آية اخرى يقول الله تعالى:(ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم.. الى آخر الآية) التي تدل على جواز الجمع بين العبادة والتجارة رغم ان الاولى اخروية والثانية دنيوية بحتة. الحج ركن من اركان الاسلام التي لا يتم اسلام المرء إلا بها لكن نجده يذكره القرآن والسنة خامس خمسة بين اركان الاسلام, وكأن في ذلك اشارة الى ان التيسير على الناس في امر لابد منه, اذ انه يختلف عن سائر الاركان التي يمكن ان يؤديها المرء في بيته وفي بلده. اما الحج فلا بد من شد الرحال ومفارقة الاهل والعيال, والتزود من المال الحلال, وضمان الامن والسلامة من الاهوال. والى هذه الخصيصة اشارت الآية الكريمة حيث قال الله تعالى:(ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا). في الوقت نفسه نجد ان حج المرأة مقيد بشرط آخر وهو وجود محرم يرافقها, وإلا تسقط عنها فريضة الحج. ثم ان القرآن الكريم يقول: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج.. الى آخر الآية). وهذه الآية لفتت انتباه الامة الى جانب اخلاقي مهم اذ ان الحج المبنى على وجود مشاق يحتاج الى تحمل تلك المشاق واستقبالها بصدر رحب, فلا مجال اذن لانتقام ورد الانفعال بالانفعال بل بالصمت وضبط النفس. ثم ان الحج يشتمل على امور يفعلها المرء, ومواقف يقفها من غير ان يفهم معناها, وربما طبيعته اللحوح او فضوليته تدفعه الى ان يتساءل لماذا يفعل كذا؟ او لماذا يقول كذا؟ او لماذا يقف موقف كذا؟ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم علم اصحابه بأن لا يسألوا عن معاني امور الحج, لانه فعلها من غير ان يسأل ربه لماذا؟ ولذا قال لاصحابه (خذوا عني مناسككم). ولعل صحابيا جليلا كعمر بن الخطاب وهو عملاق الفهم والعلم والجرأة ادرك مثل هذا, لذلك لم يكن له إلا الاستسلام عندما وقف امام الحجر الاسود وقال (والله يا حجر اني اعلم انك حجر لاتضر ولا تنفع, ولولا اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك). وبالمناسبة فإن عمل الصحابي حجة في الشرع علينا ان نتقيد به, ولاسيما اذا كان صحابيا راشدا مثل عمر. وفي الحج ايضا يشاهد المرء بعضها من المعجزات الألهية التي لا تقبل الشك فيزداد ايمانا مع ايمانه مثل نبع زمزم الذي رغم انه مضت عليه قرون واحقاب, ونزحت منه كميات تفوق الذكر والتصور فإنه مازال يدفع الماء بنفس القوة, لم يتغير طعمه ولا لونه ولا كمه. وهناك معجزة اخرى وهي ما ذكرها القرآن الكريم وكانت دعوة من نبي الله ابراهيم عليه السلام انطلقت من حنجرته الى باب السماء لتستقر في اعلاها ويقبلها الله وهي (رب اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة, فأجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم). بالفعل نجد هذه المعجزة شاخصة في مكة وشعابها حيث انها جبال وجبال, وتكاد تكون قلوب اهلها قدت منها لولا ماء زمزم الذي ينزل عليها سلسلا من سلسل. ونجد كل اطعمة الدنيا واشربتها من الحلال متوافر في مكة, وبسعر لا يشبهه اي سعر, وفي اشهر فترات ازدحام الحجيج لا تنقطع تلك الخيرات بل ولا ينقص منها. وهناك ايضا الكعبة المشرفة التي لا ينقطع التطواف حولها لا في الليل ولا في النهار رغم ان الحرم من حولها, والعمارات من حواليها قامت اليوم شاهقة إلا انك عندما تدخل الحرم تجد الكعبة تقف في جلال وجمال وعظمة وأبهة, وكأنها هي الاعلى بل هي الاعلى فعلا في المكانة من غير شك ولا ريبة. عظمتها لم تفرض على من في الحرم من القانتين والعابدين من البشر بل على الطيور كذلك, فلا ترى حمامة تمر من فوق الكعبة, ولا حمامة تجلس على الكعبة رغم ان الحمام موجود في الحرم, وعلى الابنية والساحات المحيطة بالحرم. تراها اذا طارت في السماء ووصلت الى محاذاة الكعبة انحرفت عنها اللهم إلا بعضها وقد فسر العلماء تلك الحالات بأن الحمامة تكون مريضة, فتجلس على الكعبة او تمر من فوقها بنية التشافي والتداوي كما يقوم المسلم بمثل تلك الافعال احيانا. وفي الحج نرى اروع نموذج للتوحيد, توحيد الاقوال وتوحيد الافعال وتوحيد الناس, وتوحيد الاوقات, وتوحيد الانفعالات حيث لا خيار لنا بل الخضوع التام للمبدأ العام الذي وضعه القرآن وهو: فلا رفث ولا جدال في الحج. وهناك ايضا لمسات الوفاء التي تظهر جليا في السعي الذي خلده الاسلام تكريما لهاجر واسماعيل, كذلك رمي الجمرات ومقام ابراهيم خلدهما تكريما لابراهيم واسماعيل. وهناك الوقوف بعرفات والحج عرفه, خلد الاسام هذا الموقف لانه يشبه موقف يوم القيامة او ربما تخليدا لساعة التقاه آدم بحواء في هذا المكان بعد ان هبطا من السماء ان صحت الرواية. وفي الحج ايضا معنى امتداد حنين الفرع لاصله, ولذلك فإن المسألة لا تنتهي عند الحج, بل هناك العمرة التي هي الزيارة والعمرة وقتها ممتد, وبابها مفتوح لنا طول العام وطول العمر. فمتى حج حجة الفرض وعاوده الشوق والحنين كان له ان يعتمر, بل وجاز له ان يكرر حجه مرات, مع العلم بأن الاولى كانت فريضة, وما يليها سنة ونافلة وتطوع. اذن فإن الحج يلقننا دروسا في الايثار, والعمل النافع, والتسامح, ومراعاة الفروق الفردية, والاعراض عن اللغو, والايمان بالغيب, والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم, واحترام المقدسات لا من باب التقديس بل من باب التعبد المأمور, به, ويعلمنا الحج ايضا دروسا في التوحيد والوفاء لمن قال خيرا او عمل خيرا, ويعلمنا الحب وان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. هذه المعاني الجليلة, والمواقف السامية, والمشاهد العظيمة تؤكد للبشرية بشكل عام, وللامة الاسلامية بشكل خاص اننا نحن البشر ما خلقنا عبثا, ولا العبثية توجهنا بل الله الواحد الاحد الذي له الفضل والمنة يعلمنا ويربينا على هداه, لذلك فإن الحج مدرسة والصوم مدرسة والصلاة مدرسة والزكاة مدرسة. ولكي تدخل انت هذه المدارس عليك ان تقدم شهادة الميلاد اولا وجنسيتك. اما شهادة الميلاد فحياتك, واما جنسيتك فإنك تشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله. وبعد ذلك عليك ان تمر بمراحل الدراسة التي منها الصلاة, لقد فرضها الله عليك عند البلوغ, ثم الصيام فرضها عليك ايضا عند البلوغ, ثم الزكاة فرضها عليك عند ملك النصاب, وكذلك الحج فرصة الله عليك عند الاستطاعة. اما المواد الدراسية فهي كما تراها متنوعة, ففي الصلاة صلوات في الليل وصلوات بالنهار, ومنها فرائض ومنها سنن, ومنها مؤكدات, ومنها رغائب وفي الصيام كذلك منه الفريضة, ومنه السنة, ومنه التطوع. وفي الزكاة نجد المفروضة, ونجد الصدقة, ونجد التبرع ونجد الاحسان. وفي الحج نجد شعائر ونجد مشاعر, ونجد مشاهد ومواقف. كل هذه تعاليم من عند الله لنتعلمها ونتربى عليها بالتدرج, ألا ترى ان الصلاة والصيام تشبهان التعليم الالزامي والتعليم الاساسي, والزكاة والحج تشبهان التعليم الثانوي والتعليم العالي اللذين لم يشرعا إلا لمن يقدر على المواصلة؟ اقول هذه امثلة وتشبيهات يسردها عاجز مثلي, وإلا فإن كل ما خطر في هذا المجال ببالك فالله فوق او خلاف ذلك, اذ ليس كمثله شيء وله في خلقه شئون. اعتقد انني قربت المعنى الى القارىء فيستطيع الآن ان يصل الى المعنى الاكبر والاعم, وهو ان العمر ساعة فعليه ان يملأه طاعة اليس كذلك؟ د. عارف الشيخ