لانعرف على وجه الدقة متى وصل أول راديو الى دبى والامارات, ولكننا نعرف أنه وصل فى وقت مبكر ربما أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينات من القرن الماضى. ونعرف أيضا أن وصوله أحيط باهتمام كبير, وكان وجود الراديو فى مقهى ميزة كبيرة تضمن له النجاح وتحوله الى منتدى سياسى وثقافى, لكن الناس يذهبون لسماع الاحاديث الدينية والاخبار والبرامج الادبية والاغانى, انها الطبيعة البشرية, رغبة الاكتشاف وفضول المعرفة والتوق لتوسيع دائرة الاتصال مع الآخرين. وأذكر أن افتتاح محطة تلفزيون دبى الابيض والاسود فى العام 1969 كان حدثا عظيما فى ذلك الوقت, كان ارسال المحطة يغطى دبى والمناطق القريبة المجاورة فقط, وكان فى أبوظبى محطة مماثلة لم نكن نشاهدها الا فى فصل الصيف حيث يتسع مدى الارسال بفعل الرطوبة. وبعد قيام دولة الاتحاد كان وصول ارسال محطات التلفزيون الوطنية الى كل أرجاء الدولة يتطلب محطات تقوية كثيرة, أما الارسال التلفزيونى فكان يخضع لترتيبات واتفاقيات اقليمية ودولية تنظم الترددات, وكان الحصول على التردد غير ميسور دائما, فالامر لم يخل من منافسات بين الدول المتجاورة, وهذا وضع طبيعى, فالدول كانت تمارس السيادة على أجوائها وأثيرها كما تمارس السيادة على أراضيها ومياهها الاقليمية, ولم يكن وارد أبدا اقامة محطة اذاعة وتلفزيون بدون تصريح رسمى وترتيبات فنية معقدة. لقد تغير هذا كله وأصبح تاريخا, ومن حسن حظ جيلنا أنه شاهد على هذا التغير, ولا أظن أن جيلا حظى بفرصة معايشة حقبة زمنية تحدث فيها متغيرات جوهرية كهذه التى نشاهدها بأعيننا ونلمسها بأيدينا. لقد غيرت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قواعد صناعة الاعلام الى الأبد, تماما كما غيرت قواعد الاقتصاد والتجارة. اليوم أصبحت للاعلام بنية تحتية عالمية قوامها شبكة مترابطة ومتداخلة من الاقمار الصناعية وأجهزة الكمبيوتر والانترنت والانتاج التلفزيونى والاذاعى والصحفى والسينمائى. وحين يكون الارسال من أرتفاع 20 أو 25 الف ميل وتغطى الانترنت وجه الارض يتوقف الحديث عن المجال الجوى الوطنى ويولد حتما مجالا اعلاميا دوليا واحدا للمعلومات والاخبار والثقافة والترفيه. ومع دخول البنية التحتية الالكترونية فى الحقبة الرقمية فأننا على مواعيد قريبة مع تغيرات جوهرية أخرى سيكون من شأنها تعزيز فكرة القرية الكونية وتعميق حرية تحرك الافكار والمعلومات والسلع والخدمات والاموال. ولعلكم قرأتم قبل أيام عن الاندماج الاعلامى الضخم بين أمريكا أون لاين وتايم وورنر, انه اندماج فرضه اعتماد متبادل بين التكنولوجيا الرقمية والانتاج السينمائى والتلفزيونى والطباعى. والان هل نواكب هذه المتغيرات ليتسنى لنا الحضور فى هذه القرية الكونية, أم ننزوى على الهامش وننتظر معرفة نتائجها. تعرفون أن قرارنا هو أن نواكب, وهذا مبدأ تعلمناه من المغفور له الشيخ راشد ومن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة متعه الله بالصحة والعافية. ان هذه المدينة الاعلامية التى نحتفل معا بافتتاحها هى خطوة أخرى على طريق أخترناه بوعى كامل نهوضا بمسئولياتنا فى رعاية وتأمين مصالح وطننا وشعبنا. ضيوفنا الاعزاء.. لقد أرسينا فى هذا المكان أسس أنطلاق مدينة مثالية تقدم خدمات متكاملة لصناعة الاعلام. وسيجد أبناؤنا ورجال أعمالنا وشركاتنا ومبدعونا فى هذه المدينة ومعهم الشركات والشبكات العربية والدولية فرصا حقيقية لاطلاق مشاريع جديدة وتطوير مشاريع قائمة, فالبنية التحتية المتطورة هنا تفتح أوسع المجالات لمواكبة بنية الاعلام الالكترونية العالمية وتسهل المشاركة فى الاقتصاد الرقمى الجديد حيث يتعاظم دور الاعلام وتنمو صناعة الترفيه وتجارته بمعدلات أعلى من معدلات اية صناعة وتجارة أخرى. ان احتفالنا اليوم ليس مقصورا على انجاز المرحلة الاولى من المدينة الاعلامية, اننا نحتقل أيضا بالمبدعين والمنتجين والشركات وكل الذين التقطوا أهمية هذا المشروع فنالوا ريادة ممارسة أعمالهم فيه. لقد فاق اقبال المهتمين بالمدينة توقعاتنا, وقد أمتلات مرحلتها الاولى بالشركات والمبدعين والممارسين الذين رأوا فيها بيئة مثالية تجمع كافة الاطراف المشاركة فى صناعة الاعلام فى مكان واحد تتوفر فيه أجواء الحرية ومتطلبات النجاح والازدهار. وكنت قد تحدثت عن موضوع الحرية بتوسع عندما أطلقت مشروع مدينة الاعلام فى أكتوبر الماضى, وأعود للموضوع ثانية وباختصار خصوصا وأن البعض أبدى مخاوفه من ممارسات خاطئة. وأؤكد هنا ماقلته سابقا وهو أن الحرية أمانة, ورهانى أن الذين سيعملون فى هذه المدينة هم أهل لتحملها وهم يدركون البيئة الاجتماعية والثقافية التى يخاطبونها ويعرفون أن فهم هذه البيئة هو شرط من شروط نجاحهم. أننا نريد لهذه المدينة أن تكون ساحة للمبدعين الاحرار, نريدها أن تساهم فى صناعة رسالة اعلامية واعية على الواقع ومنفتحة على المستقبل, ونريد لها أن تكون عاملا مساعدا فى عودة الاعلام المهاجر إلى أرضه العربية, نريد لهذه المدينة أن تكون جسرا من جسور تواصل العرب مع انفسهم ومع مستقبلهم, جسرا من جسور تواصل العرب مع العالم. أننى أتطلع الى انتاج اعلامى متميز ينطلق من رؤية حضارية منفتحة تثق بنفسها وبتاريخها وتراثها, وأتطلع الى انتاج يرفع من شأن العقل والعمل والابتكار والتجديد والرياده ويشارك فى نشر ثقافة المعلومات لتكون المدينة بحق نافذة رحبة على المستقبل. ضيوفنا الاعزاء.. هذه المدينة ستكون جزءا فاعلا من البنية التحتية الرقمية للعالم, وستوفر لمجتمعها الاعلامى فرصة مواكبة كل جديد فى صناعة الاعلام وفى الوقت المناسب, وبذلك يملك رواد المدينة أدوات تمكنهم من أداء رسالتهم وانجاز أعمالهم على أرفع المستويات العالمية, وهذا وحده الذى يمكنهم من المنافسة فى فضاء مفتوح ومن المشاركة فى ثمرات الاقتصاد الجديد. أهلا بكم فى مدينتكم.