عندما نسمع بابن عثيمين ربما يتبادر الى الذهن ابن عثيمين الشاعر صاحب العقد الثمين, لكن الحقيقة ان ثلاثة اسماء لامعة تتبادر الى الذهن وهي: 1 - صاحب العقد الثمين الشاعر النجدي واسمه محمد بن عبدالله بن عثيمين ولد في بلدة السلمية من اعمال مدينة الخرج, جنوب الرياض, ولد عام 1270 من الهجرة, وقال اول قصيدة عندما كان عمره خمسين سنة وعاش 93 عاما حيث توفي في حوطة بني تميم عام 1363 من الهجرة, وكان واسع الاطلاع والمعرفة ملما بالشريعة والأدب والتاريخ وغيرها. يقول في مطلع احدى قصائده: عج بي على الربع حيث الرند والبان وان نأى عنه احباب وجيران فللمنازل في شرع الهوى سنن يدري بها من له بالحب عرفان يقول بعض من تناول الديوان بالشرح عرفنا من هذين البيتين انه عالم بأخبار ماضيه, معتد بنفسه وبعلمه ومعرفته متمكن من الشعر والأدب. وبالفعل كان هو كذلك, لانه استطاع ان يكون شاعر الحكام ففي قطر صاحب حاكم قطر السابق الشيخ قاسم بن ثاني, وفي البحرين صاحب آل خليفة وفي المملكة سجل مع الملك عبدالعزيز انتصاراته. 2 - ويذكر من آل عثيمين الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين وهو من مواليد عنيزة القصيم ولد عام 1937 من الميلاد وله عضوية في عدد من الجمعيات, واشتغل امينا عاما لجائزة الملك فيصل, وله مؤلفات وآثار علمية. 3 - أما ابن عثيمين الذي وافته المنية يوم الاربعاء الماضي 11/1/2001 في جدة, اثر مرض عضال ودفن بمكة المكرمة فهو الشيخ محمد بن صالح العثيمين من مواليد عنيزة بالقصيم ايضا عام 1347 من الهجرة الموافق عام 1929 من الميلاد. درس على ايدي مشايخ اجلاء على الطريقة القديمة ثم التحق بجامعة الامام محمد بن سعود بالرياض, وتخرج فيها وصار فيما بعد عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة بجامعة الامام بالقصيم, وامام وخطيب الجامع الكبير في عنيزة. - احب الشيخ بن عثيمين رحمه الله العلم والعلماء فأحبه العلم والعلماء فمارس الدرس والخطابة والافتاء حتى صار عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية وكان ممن له حضور دائم في التدريس بالحرمين المكي والمدني وكذلك في مجال المحاضرات والمؤتمرات. استطاع ان يلفت اليه انظار الناس وان يجذب اليه قلوب الشباب في المملكة وخارجها, فكانوا يفدون اليه ويراسلونه ويستفتونه, ويعتبرونه مرجعا فقهيا دقيقا, ومفتيا مرنا الى حد ما. نعم كان الابرز والاجرأ في الفتيا في المملكة الشيخ محمد بن ابراهيم, وكان الشيخ عبدالعزيز بن باز, وكان الشيخ محمد بن صالح العثيمين وقد انتقل جميعهم رحمهم الله الى الدار الآخرة, فلا ادري الآن من سيكون؟؟ ولكني اعلم ان اولئك تركوا معاصرين لهم وتلامذة. كان بين هؤلاء الثلاثة شبه كبير في نظري حيث ان كلا منهم شديد التمسك بتقليديته, وبساطته, ولهم نمط معين في الحياة وورع شديد, لدرجة انهم كانوا يكرهون التصوير والظهور لاجهزة الاعلام, ومن زهادتهم انهم ما احبوا الخروج من المملكة فلم يذهبوا الى احد, ولكن الناس كانوا يذهبون اليهم. كان لهم رحمهم الله اجتهادات فقهية فمنها ما حكم الناس عليها بأنهم اصابوا فيها, ومنها ما حكموا عليها بأنهم اخطأوا فيها, وانني اقول: دعوا الخلق للخالق, لقد كفى انهم اجتهدوا وقدموا الآن على ربهم فإن اصابوا فلهم اجران, وان اخطأوا فلهم اجر واحد, ونحن ينبغي ان نحسن الظن بهم حتى نشاركهم في الاجر, لا ان يؤجروا من ورائنا ونأثم من ورائهم. عاش الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فترة نصف قرن تقريبا مع الدرس والخطابة والافتاء, والتأليف فمن آثاره العلمية التي تجاوزت 40 كتابا: - كتاب تسهيل الفرائض. - عقيدة أهل السنة والجماعة. - الخلاف بين العلماء, اسبابه وموقفنا منه. - الزواج في الشريعة الاسلامية. - عقيدة اهل السنة والجماعة. - القواعد المثلى في صفات الله واسمائه الحسنى. - الاصول في علم الاصول. - حقوق دعت اليها الفطرة وقررتها الشريعة. - المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين. - شرح الممتع في شرح زاد المتقنع. - القضاء والقدر. - حكم الاضاحي والعقيقة. - منظومة في اصول الفقه. - وغيرها من الكتب. كتابه المجموع الثمين يحمل مجموعة من فتاواه في اكثر من مجلد, جمعها ورتبها فهد بن ناصر السليمان. وقد افتتح الجامع ذلك الكتاب بكلمة للشيخ رحمه الله, مضمونها: (هذه مجموعة من فتاوى لقد جمعها فلان واطلعني عليها, وانني اذنت له بطبعها, واذنت لكل من يريد ان يكرر طبعها للاستفادة منها. اقول ويفهم من هذا انه رحمه الله لم يكن مادي الطبع, بل زاهدا هدفه نشر علمه وافادة الناس ما استطاع اسوة بسلفه من العلماء العاملين. اما طريقته في الافتاء فيبدو انه يعرض الادلة ثم يتناولها بالشرح والايضاح مع شيء من الايجاز, ويعطي لنفسه شيئا من حرية التفكير لكن مع الكثير من الحذر والاحتياط, فعلى سبيل المثال: سئل الشيخ رحمه الله عن الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم (السيد الله) تبارك وتعالى وقوله صلى الله عليه وسلم انا سيد ولد آدم وقوله صلى الله عليه وسلم (قوموا الى سيدكم) وقوله صلى الله عليه وسلم في الرقيق, وليقل سيدي فأجاب الشيخ بقوله: اختلف في ذلك على اقوال عدة. - القول الاول ان النهي على سبيل الأدب والاباحة على سبيل الجواز فالنهي ليس للتحريم حتى يعارض الجواز. - القول الثاني ان النهي حيث يخشى منه المفسدة وهي التدرج الى الغلو والاباحة اذا لم يكن هناك محذور. - القول الثالث ان النهي بالخطاب اي ان تخاطب الغير بقولك: سيدي او سيدنا لانه ربما يكون في نفسه عجب وعلو, اذا دعى بذلك ولان فيه شيئا آخر وهو خضوع هذا المستبد له, واذلال نفسه له بخلاف ما اذا جاء على غير هذا الوجه مثل قوموا الى سيدكم, وانا سيد ولد آدم. - لكن هذا يرد عليه اباحته صلى الله عليه وسلم للرقيق ان يقول لمالكه سيدي. ويجاب عن هذا بأن قول الرقيق لمالكه سيدي امر معلوم لا غضاضة فيه, ولهذا يحرم عليه ان يمتنع مما يجب عليه نحو سيده. والذي يظهر لي والله اعلم ان هذا جائز لكن بشروط ان يكون الموجه اليه السيادة اهلا لذلك, وان لا يخشى محذورا من اعجاب المخاطب وخنوع المتكلم. اما اذا لم يكن اهلا كما لو كان فاسقا او زنديقا فلا يقال له ذلك, حتى لو فرض انه على مرتبة او جاه, وقد جاء في الحديث: (لا تقولوا للمنافق سيد, فإنكم اذا قلتم ذلك اغضبتم الله) وكذلك لا يقال اذا خشي محذور من اعجاب المخاطب او خنوع المتكلم. اقول هذا نمط من فتاويه وقد سار بها الركبان فرضي من رضي وغضب بها من غضب, لكن الرجل كان مفتيا بلا منازع, وعالما من غير شك, وكاد ان يكون ثالث الثلاثة بعد الشيخ بن باز, واليوم عندما يصلنا نحن نعي مثله يجب ان نقول ما قاله الاعرابي الذي دخل على الخليفة فاستجداه فاعطاه الخليفة ولما اخذه بكى, قال له الخليفة: لماذا تبكي؟ قال بكيت على رجل مثلك كيف يأكل التراب ثم قال: لعمري ما الرزية فقد مال ولا فرس تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد شخص يموت بموته خلق كثير اقول صدق الشاعر وهكذا العالم بكسر اللام حيث ان موته موت عالم بفتح اللام, ذلك انه مشكاة الاشعاع للعامة, ومصدر المعرفة والثقافة للخاصة فهو اذن مدرسة يتخرج فيها الكبار والصغار ومنهل ينهل منه الخاص والعام. فالناس قد يعيشون من غير مال اذا قنعوا, ولكنهم لا يستطيعون ان يعيشوا من غير علم, لان العلم يوصلهم الى معرفة الله, فاذا جهلوا عبدوا الله على جهل, ويروى ان احدهم تنسك ثلاثين سنة على رأس جبل وذات يوم شاهده احد المارة فقال له من انت؟ قال: انا ناسك اتعبد هنا منذ سنين, ثم رأى على عينيه خرقة, فسأله: أبعينيك مرض؟ قال: لا, قال: ولماذا وضعت عليها هذه الخرقة؟ قال: لان عينين في آن واحد اسراف, فاكتفيت بواحدة, والاخرى احتياط, قال: وماذا تفعل عند الوضوء؟ قال: وهل هناك مشكلة؟ قال: كيف تتوضأ؟ قال امسح على الخرقة, قال:اتمسح على الخرقة من غير عذر؟ قال نعم وماذا يجري؟ قال له: اسفي عليك عبدت الله ثلاثين سنة على جهل تصلي منذ ثلاثين سنة من غير وضوء, ألا تدري ان من شرط صحة الصلاة صحة الوضوء؟ انزل وابحث عن عالم يعلمك امور دينك خير لك من تعبدك على جهل. اذن فعلى الجاهل ان يعزي نفسه ويقرأ على نفسه الفاتحة, لانه ميت وان كان حيا. وللعالم ان يحمد الله على النعمة التي من الله تعالى بها عليه, وهي نعمة العلم حتى لو كان فقيرا في المال, ولذلك يقول احد العلماء القنوعين: رضينا قسمة الجهال فينا لنا علم وللجهال مال اليس المال يفنى عن قريب وان العلم يبقى لا يزال رحم الله ابن عثيمين الذي عاش 72 سنة وهو يخدم العلم, ورحم الله كل عالم عمل بعلمه وتغاضى عن النقائص التي هي من صفات البشر, ولبس ثوب الورع حتى توفاه الله, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ