على مدى الأيام الماضية كانت مهنة الصيد مثار الحديث في كل أوساط المجتمع خاصة عندما تفجرت مشكلة نقص الاسماك في أسواق ابوظبي وما تبعه من تداعيات ألقت بظلالها على حياة الأسرة المواطنة التي تعتبر الأسماك وجبة رئيسية في غذائها. ومع كل ما طرح من آراء حول المشكلة وأسبابها وطرق علاجها الا ان التعامل قد غلب عليه الطابع العاطفي بشكل طغى على جوانب اخرى تستحق الاثارة وتحتاج للنقاش بوضوح وباستفاضة. (البيان) من جانبها وجدت أن الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لطرح الحل العلمي كوسيلة ناجعة للقضاء على هموم ومشكلات أهل الصيد ومعهم بلا شك كل فئات المجتمع التي تعتمد على حصيلة الصيد في توفير العناصر الغذائية لأفرادها. ومن الضروري ان نشير الى أن دعوة (البيان) لتحديث مهنة الصيد كضرورة مجتمعية وبالتالي توطينها بشكل علمي وعصري قد لقيت استجابة لدى من طرحت عليهم والذين اكدوا ـ وهم صفوة متعلمة وفاعلة في المجتمع ـ ان قطاع الصيد بحاجة ماسة ـ أصبحت الآن ملحة ـ للتحديث والتوطين معا عبر الوسائل العلمية المتاحة في الوقت الراهن وبامكانيات أكبر. وفي وقفة قصيرة امام واقع مهنة الصيد في الدولة فان العمالة القائمة حاليا تتوزع على فئة المواطنين وفئة اخرى من الآسيويين, والملفت للانتباه أن الفئة المواطنة التي تمارس الصيد كاحتراف وكمصدر وحيد للدخل هذه الفئة تضم عددا لا يستهان به من كبار السن الذين توارثوا المهنة من الآباء والأجداد وفي نفس الوقت لم يستطع ــ وربما لن يكون باستطاعة افراد هذه الفئة ــ توريث هذه المهنة لجيل الأبناء لاعتبارات كثيرة منها انتشار التعليم وتعدد مجالات العمل داخل الدولة في ظل عمليات التنمية المستمرة طوال العقود الثلاثة الماضية. وفي نفس الوقت فان غياب تخصصات دراسية تتصل بالمهن البحرية عموما يعوق عملية دخول ابناء الجيل الجديد الى المهنة بشكل احترافي حتى ولو رغبوا في ذلك. من هنا كانت لـ (البيان) هذه المجموعة من اللقاءات لاستطلاع الاراء حول ضرورات التحديث في مهنة الصيد ليس كمجرد مهنة بل كقطاع اقتصادي هام وحيوي ويمس حياة أفراد المجتمع كافة. وقد أسفرت هذه اللقاءات عن ظهور اتجاه عام لانشاء مؤسسة أو هيئة عامة تتولى شئون المهنة وتشارك في عملية التنمية الشاملة في الدولة منطلقة من توطين الصيد باعتباره عنصرا في تنمية الموارد البشرية في كل القطاعات. التحديث مدخل للعلاج في البداية يبدى الشيخ سعيد بن سعيد الشرقي رئيس مكتب السياحة بحكومة الفجيرة تأييده لفكرة تحديث مهنة الصيد كمدخل هام لعلاج ما بها من سلبيات وما يصادفها من مشكلات او عقبات, ثم يقول: ان مهنة الصيد هي من اهم المهن الموروثة من الاجداد لكننا لا يمكن اعتبارها مجالا تراثيا يجب الحفاظ علىه كما هو دون تطوير او تعديل, لان الواقع يشير الى ان الصيد اصبح قطاعا اقتصاديا حيويا, وما ينتج عنه يلامس حياة الناس ويصب في صالحهم كسلعة غذائية ضرورية للمجتمع المحلي والخليجي. ويضيف: ومن هنا يكون من الصعب التعامل مع واقع المهنة كما هو التعامل مثلا مع جمعيات الفنون الشعبية التي تحرص الدولة على دعمها للابقاء عليها كما هي كموروث شعبي يجب الحفاظ عليه من الاندثار او الذوبان, بل ان المنطقي هو التعامل مع الصيادين وجمعياتهم كقطاع اقتصادي منتج يقوم بتوفير احتياجات افراد المجتمع, ومن الضروري توفير كل عناصر الاداء الجيد امام العاملين به حاليا وايضا توفير الفرص للاجيال الجديدة للانضمام اليه حرصا على بقائه واستمراره. وعلينا ــ والكلام للشيخ سعيد الشرقي - ان ننظر الى هذا القطاع نظرة مغايرة تتناسب مع حجم ما يوفره لمجتمع الامارات من أمن غذائي حاليا ومستقبليا, ولن يكون ذلك إلا من خلال السعي وبجدية لتطوير اساليب العمل ووسائله واعداد عناصر مواطنة مؤهلة لضمان استمراريته ومن الافضل ان يكون ذلك في اطار مؤسسي تسعى من خلاله الدولة الى دعم العاملين به وتخفيف الاعباء عنهم وحمايتهم, وتنمية خبراتهم وزيادة نسبة المواطنين فيه وصولا الى قصرها تماما على ابناء الوطن بعد ان يتم اعدادهم في معاهد متخصصة لتولي زمام هذا القطاع الحيوي. ويؤيد الشيخ سعيد الشرقي فكرة انشاء اسطول للصيد البحري التجاري, ويقول: ان الوقت قد حان ليكون للامارات اسطولها الخاص لاستغلال مصايد الاسماك لخدمة ذلك سوف يبعث من جديد عمليات وبرامج تنموية متعددة تفتح بالتالي آلافاً من فرص العمل امام المواطنين مما يحقق استيعاب الخريجين ونجاحا لخطط التوطين وبصورة اسرع من التوقعات الحالية. استثمار البحار المفتوحة وباستطلاع رأي القبطان موسى مراد مدير عام ميناء الفجيرة فإنه يشير الى اهمية فكرة انشاء مؤسسة او هيئة عامة للصيد البحري, ويقول: ان ذلك يشكل ضرورة خاصة واننا قد دخلنا الآن القرن الحادي والعشرين بكل آفاقه الواسعة وتطلعاته المستقبلية, ويجب ان نبادر الى ذلك الآن ودون تأخير خصوصا واننا في الامارات نمتلك سواحل ممتدة لمسافات كبيرة, كما ان لدينا بحارا مفتوحة بحاجة الى استثمارها بشكل امثل فالفجيرة مثلا هي النموذج الواضح للقدرة على استغلال موقعها على البحار المفتوحة: خليج عمان والمحيط الهندي, واذا علمنا ان المياه الاقليمية تمتد لمسافة 12 ميلا بحريا لادركنا حجم الفائدة التي ستعود على الدولة من انشاء مؤسسة للصيد تملك الاساطيل التجارية والمنشآت الانتاجية التي تعتمد على حصيلة الصيد كالتعليب وغيرها, الى جانب فتح مجالات للتصدير الى الاسواق الخارجية في دول افريقيا وآسيا. ويضيف: ان عملية التسويق التي تعد حاليا مشكلة تنفجر بين الحين والآخر لاسباب متعددة لن تكون كذلك في حالة انشاء مثل هذه المؤسسة, بل سيتم تسويق الانتاج من منافذ معتمدة ومعروفة تابعة للمؤسسة, ولنا في الامارات تجربة ناجحة تتعلق بعمليات تسويق المنتجات الزراعية كالخضروات والتمور, كما اننا نجحنا في تحويل بعض منتجاتنا الزراعية الى منتجات مصنعة كما هي الحال في مدينة العين التي تحتضن مصنعا لانتاج صلصة الطماطم من انتاجنا المحلي في المزارع الوطنية. تجربة خليجية ناجحة وفي رأيه يقول مطر صالح الكعبي مدير بلدية دبا الفجيرة: لا جدال في ان كل المهن والاعمال في وطننا قد تطورت خلال المسيرة الاتحادية وبصورة غير عادية, إلا مهنة الصيد فقد كانت اقل تطورا اذ تمثل تطويرها في جهود وزارة الزراعة والثروة السمكية بامداد الصيادين بالمكائن وايضا بنوعيات حديثة من الشباك اما ما عدا ذلك فقد بقيت المهنة على حالها يمارسها في الغالب جيل من كبار السن كمحترفين, والى جانبهم بعض الشباب كهواة, وفي اوقات الفراغ او تحت بند زيادة الدخل ليس إلا. ويضيف: لكن المهنة وقد بقيت هكذا لم تشهد تحديثا بالمعنى الواضح للكلمة, واصبحت تعيش الكثير من المشكلات وتواجه العقبات بل ودخلتها بسبب ذلك عناصر آسيوية استفادت من المهنة حتى ولو كان ذلك على حساب المجتمع, ولهذا فان اية دعوة لتحديث المهنة يعد مطلبا حيويا لضمان استمرارها في اداء دورها في تأمين الغذاء لافراد المجتمع. ويواصل الكعبي حديثه قائلا: ان المهنة بوضعها الحالي تعيدنا الى الماضي عندما كانت المدارس معدومة, والتعليم قاصرا على جهود المطاوعة, واذا نظرنا اليوم الى واقع التعليم في الامارات لاذهلتنا المقارنة بين ما كان وما هو كائن حاليا ويعود السبب في ذلك الى خطط وبرامج التحديث التي طالت القطاع التربوي طوال سنوات المسيرة الاتحادية ولو ان قطاع الصيد حظي بخطط وبرامج مماثلة لاصبح واحدا من اهم قطاعاتنا الاقتصادية. ومؤيدا لفكرة الاسطول التجاري للصيد البحري يقول الكعبي: ولم لا؟! ان الجارة الشقيقة سلطنة عمان قد سبقتنا في ذلك والتجربة هناك ناجحة والمشكلات او العقبات قليلة, فعلى الاقل وجود مثل هذا الاسطول سيجعل عملية الصيد اكثر تنظيما وانضباطا, كما ان عمليات تشغيل الاسطول تحتاج لعناصر مواطنة يتم اعدادها في مدارس ومعاهد متخصصة, وفي النهاية يضمن المجتمع استمرار هذا القطاع في اداء دوره الحيوي في امنه الغذائي علاوة على ما يؤدي اليه من تنويع لمصادر الدخل الوطني عبر انشاء صناعات تستفيد من حصيلة الصيد التجارية او من خلال عمليات تصدير الفائض الى الاسواق الخارجية. اعداد الكوادر المواطنة اما خميس النون مدير بالهيئة الاتحادية للكهرباء والماء فيقول: ان ضرورات التحديث في اي قطاع وطني تفرض نفسها وبشكل جاد لان العصر الذي نعيشه هو عصر حداثة تتجدد فيه الوسائل والاساليب بشكل متسارع يجب ان نكون دائما على استعداد للتعامل معه باقتدار. ويضيف: وبالنسبة لقطاع الصيد فهو يحتاج اكثر من غيره للتحديث والتطوير اللذين يجب ان يكونا على اسس علمية راسخة, وهذا يأتي من خلال اقرار خطة لانشاء مدارس فنية متخصصة في الصناعات البحرية التي تخدم قطاع الصيد, واقامة مراكز للتدريب على المهنة وارسال بعثات دراسية الى خارج الوطن للحصول على شهادات اكاديمية عالية في كافة التخصصات المتصلة بهذا القطاع ادارة وتشغيلا وانتاجا. ويؤكد النون على اهمية البدء في اعداد الكوادر المواطنة للعمل بهذا القطاع وتسليحها بالخبرة اللازمة جنبا الى جنب مع اية خطوة سيتم اتخاذها بشأن انشاء مؤسسة او هيئة للصيد او تكوين الاسطول التجاري لان ذلك يشكل سندا لضمان حيوية هذا القطاع وحسن الاداء فيه. مشروعات للتصنيع ويشير محمد ناصر خماس المدير التنفيذي لمجموعة الاهلى التجارية بالفجيرة الى ان قيام حركة تحديث لقطاع الصيد في الدولة سوف يكون عاملا مشجعا للقطاع الخاص الاقتصادي للدخول في مشاريع متعددة تخدم الوطن اقتصاديا واجتماعيا. ويضيف: هناك الكثير من الصناعات التي يمكن لها ان تنهض في ظل وجود اسطول صيد تجاري كصناعة تعليب الاسماك, او تصنيع المنتجات البحرية مثل اسماك التونة التي تنتشر في مياهنا الاقليمية. ويقول خماس: ان اي مشروع ستتم اقامته سوف يكون رافدا لتعزيز الاوضاع الاقتصادية في الدولة كما انه سوف يسهم بلاشك في تقليل الاعتماد على عمليات الاستيراد طالما توفر البديل المحلي المضمون, علاوة على استقطاب المشروعات الصناعية الكبيرة لابناء الوطن فيكون ذلك خدمة لبرامج التوطين والاعتماد على الذات واكتساب الخبرات العملية واستمرار النهضة في البلاد. تشجيع الشباب لدخول المهنة ويطرح الدكتور سالم عبدو خليل المستشار الفني لحكومة الفجيرة رأيه فيقول: ان ضمان انتقال مهنة الصيد من الاجداد والابناء الى الجيل الجديد من الابناء ضرورة تتطلب ان تتبنى كافة الجهات المسئولة السياسات والخطط والبرامج التي تحقق ذلك مثل تشجيع الجيل الجديد على الانخراط في مهنة الصيد بانشاء معاهد متخصصة داخل الدولة او ابتعاث الشباب للدراسة في الخارج, والحاق الراغبين في العمل بقطاع الصيد بدورات تدريبية. ويضيف: كما ان عملية تشجيع الشباب تتطلب تسهيل احترافهم للصيد ويتم ذلك من خلال انشاء صناديق مالية متخصصة لتوفير هذه التسهيلات التي يمكن ان تتم ايضا عبر المصرف الصناعي في حالة الرغبة في شراء المعدات اللازمة للاحتراف, كما ان هذه التسهيلات يجب ان تمتد لتشمل المشروعات الخاصة بالصناعات الغذائية التي تعتمد على الاسماك في انتاجها بهدف تغطية احتياجات السوق المحلية وعمليات التصدير للخارج. ويضيف د. خليل: ان انشاء مخازن تبريد واساطيل نقل بري مبردة وشركات تسويق متخصصة سوف يوفر خدمات حديثة ومتكاملة للربط بين مناطق الصيد ومنافذ التسويق والتصدير مما يعد عاملا مشجعا على الانخراط في القطاع او الدخول الى عمليات الاستثمار فيه. ويرى المستشار الفني لحكومة الفجيرة ان استغلال السواحل في الدولة خصوصا الشرقية منها يعد مدخلا مهما لاستغلال الثروة السمكية نظرا لوقوع الساحل الشرقي على بحار مفتوحة مما يتطلب وجود حركة للصيد التجاري الحديث الذي يعتمد على اساطيل بحرية وطنية حتى لاتترك هذه البحار والمحيطات امام الاساطيل الاجنبية التي تستفيد كثيرا من التسهيلات التي تقدمها موانىء المنطقة.