عملت في وزارة التربية والتعليم ومازلت اعمل منذ عام 1977, وتعاطفت مع اولياء امور الطلاب والطالبات انفسهم اكثر من انفهسم, ولم ازل اتعاطف معهم, ولكن لم يشبني شيء مثل تحقيق رغباتهم التي لا تنتهي, ومازلت اقف عندها لاقول: وماذا يريد الطلبة وأولياء امورهم من وزارة التربية وقد اشتعل رأس الوزارة شيبا؟ بالامس لقد احتفلت الدولة بذكراها التاسعة والعشرين اي مضى اكثر من ربع قرن من الزمن على قيام الاتحاد, لكننا مازلنا نستصغر ما حققناه والسبب اننا في واد والمجتمع في واد آخر والشاعر يقول: ايها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان؟ هي شامية اذا ما استقلت وسهيل اذا استقل يماني من المهم جدا ان يكون هناك تناغم وتجاوب وانسجام بين الموجه بكسر الجيم والموجه بفتح الجيم, وبين المربي بكسر الباء والمربي بفتح الباء, كالتجاوب الموجود بين دفتي الباب, وإلا كيف ينطبقان على بعض؟ ان التنافر والغرابة صفتان تشمئز منهما الاسماع, ولذلك فإن علماء البلاغة يستقبحونهما في استخداماتهم ويعدونهما من عيوب الكلام. اقول هذا عند اهل الكلام فكيف بأهل الافعال الذين يريدون ان يقدموا للبشرية في كل ثانية جديدا, ويريدون ان يشكلوا من هؤلاء البراعم علماء ونابغين ومبتكرين ومبدعين؟ يا ترى من المسئول عن التنافر وعدم الانسجام؟ المباني المدرسية ام المناهج الدراسية, ام الانظمة التعليمية؟ لا استطيع ان اتهم هذه الاشياء كلها ولكن اتهم نفسي ومن على شاكلتي بالقصور, اذا لم نقم بصياغتها واعدادها بالشكل المطلوب. واذا قلنا البشر هم المسئولون فليس البشر الموجودون في اروقة وزارة التربية وحدهم مسئولين عن القصور او عن هذه السلبيات الموجودة في الميدان التربوي, لان العملية التعلمية التعليمية شركة مشتركة بين القيادات المختلفة في المؤسسة التعليمية, ابتداء من الاعلى في الوزارة وانتهاء بالادنى في المدرسة, وبينهما البيت الذي يعتبر همزة وصل بينهما. هذا البيت قد احترنا في امره, لانني اراه يعاملنا معاملة الشاعر الذي يقول: واذا تكون كريهة ادعى لها واذا يحاس الحيس يدعى جندب في الواقع انني لا اريد ان ادافع عن وزارة التربية ولا هي في حاجة الى دفاعي, ولكن احب الحق والحقيقة ولا احب ان احلف يمين الغموس فلقد كفاني وزرا ان ارتكب كل يوم لغو اليمين. قدمت هذه المقدمة لاصل بكم الى امر اتقطع منه ألما وأسفا وهو ان الوزارة تطالبنا في كل عام ان نفرز ايام العام الدراسي الاصلية والفعلية, ونعصر فصلي العام لنستخلص منهما اياما اطول للعام الدراسي. نفعل هذا بتوجيهات من معالي الوزير وهو يفعل ذلك استجابة لطلب اولياء امور الطلاب الذين يشتكون دائما وابدا من طول الاجازات والايام الضائعة في الصيف والشتاء وان اولادهم يتسكعون في الشوارع. لا اريد ان اقول ان تعطيل الخميس كان نقمة علينا لان الذي كان وراء تعطيله اراد ان يكون نعمة, لكننا بسبب استغلالنا السيىء حولنا النعمة الى نقمة, وذلك لعمري شأننا في كل وجه من وجوه حياتنا لاننا كما قال الشاعر: يتمنى المرء في الصيف الشتا واذا جاء الشتا انكره لا بذا يرضى ولا يرضى بذا قتل الانسان ما اكفره ان تعطيل الخميس ادى بالطلبة وأولياء الامور الى ان يستغلوا الاسبوع بطوله احيانا لصالح اللهو واللعب والسفر, فمثلا اذا صادف السبت والاحد عطلة من العطل غاب صاحبنا الاثنين والثلاثاء والاربعاء بحجة الاجازة العارضة, اما الخميس والجمعة فهو بريء منهما براءة الذئب من دم يوسف. ومن ناحية اخرى تقسيم العام الدراسي الى فصلين دراسيين ادى بالطلاب وأولياء الامور الى ان يضيعوا اياما قبل الامتحان واياما بعد الامتحان بحجة المذاكرة, واقسم بالله العلي العظيم بأن الطلبة نائمون في اسرتهم وأولياء الامور (يربتون على ظهورهم) وكأنهم يباركون هذا الانقطاع. هذا الانقطاع ليست ادارات المدارس وحدها السبب فيه, ولكن اولياء الامور كما قلت لانهم يريدون ذلك عندما يكون (الدنيا ربيع والجو بديع) كما اسمع من بعضهم, حتى لا تفسد عليهم متعتهم لو ارادوا الخروج الى البر او للسفر. ولكن في الصيف عندما يكون الجو قاتلا يطالبون الوزارة باستغلال الايام وكأنهم يريدون ان يفسدوا على المدرسين اجازاتهم. هذه الانقطاعات المتعددة لم تشهدها الوزارة سابقا, اي قبل عهد نظام الفصلين, وقبل تعطيل الخميس, لماذا؟ لان حجة الاستعداد للامتحان كانت مرة في العام ولا تتكرر, والاجازة الاسبوعية كانت يوما واحدا وهو الجمعة. لكن الآن تعددت المنافذ والمخارج والحجج حتى فقدنا السيطرة على الدوام, وترهلت الادارات المدرسية وكأنها تريد ان تقول: انا الغريق فما خوفي من البلل. في هذا العام وبالتحديد قبل اجازة عيد الفطر السعيد انقطع الطلاب عن المدرسة بحجة المذاكرة, وأوعز اليهم بأن الدوام سوف يكون في اليوم الاول من ايام الامتحان, اي لم يداوموا بعد اجازة العيد مباشرة, وعندما جئت اعد ايام الهدر وجدتها اربعة عشر يوما مع اجازة العيد, وهي غير ايام الامتحانات وغير اجازة الربيع. نعم شاهدت هذا الاستهتار بالوقت والدرس من طلبة الثانوية والاعدادية والابتدائية العليا في حين انني رأيت طفلي البالغ من العمر ست سنوات وهو بالصف الاول الابتدائي يركض صباح اول يوم بعد الاجازة ليذهب الى المدرسة وعندما سألته قال: نعم علينا الدوام. ولكن سرعان ما انتقلت العدوى من المدارس الثانوية والاعدادية الى المرحلة التأسيسية فعاد الصغير ليلتحق بأخوته للخلود للنوم. اقول واننا خضنا تجربة اكبر من هذه مع اولياء الامور, وهي ان امتحانات الفصل الاول اخرناها الى ما بعد العيد حيث كانوا يقولون بأن الطلاب ترهقهم الامتحانات في رمضان, ومع ذلك فإننا لم نسلم منهم وصاروا يعترضون الآن بأن الامتحانات جاءت عقب العيد مباشرة وكأنهم يريدون اجازة غير الاجازات التي اخذوها ليستعدوا للامتحان, وهذا يؤكد لنا انهم لا يريدون الدراسة ولا يريدون الامتحانات بتاتا, وإلا فإن الاشهر كلها ايام الله التي ينبغي ان نستثمرها لصالحنا, ولا فرق بين شعبان ورمضان, ثم اننا نتعامل مع الاشهر الميلادية عندما نحدد فترة الفصل الدراسي الاول او الثاني, وبالتالي لا يصح ان نبتر جزءا من العام لان الايام محسوبة علينا, ورمضان شهر عبادة, والدرس والامتحان عبادة, واجازة العيد كانت اسبوعا لسبب ما فلا يعني ان نقضيها نوما او لهوا, فالعيد الشرعي يوم وما سوى ذلك بدعة ابتدعناها نحن. اذن فإن هذا الاستسلام للواقع الاليم بهذا الشكل غير مستساغ عندي, ولا اجد له مبررا ايضا ما دام المجتمع يطالبني بتطويل العام الدراسي. لذلك فإنني اقول لاهالي الطلاب كونوا جادين معنا واحترموا ايام العام الدراسي في بداية العام, وفي منتصف العام وفي نهاية العام, وارضوا بما قسم الله لكم من الاجازات المشروعة, وإلا فإنكم تسألون عن الخميس الذي ضيعتموه عندما توسعتم في الاجازة الاسبوعية, وتسألون عن الهدر الذي يسبق امتحان نهاية الفصل عندما طالبتم بتطبيق نظام الفصلين, وان لم ترضوا بما جنت ايديكم فعندئذ يهنأ لي ان اقول: أيا موت زر ان الحياة ذميمة ويا نفس جدي ان دهرك هازل وهذا غاية ما املكه من قول او فعل أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ