اكدت دراسة علمية بشرطة دبي على وجود عدة اتجاهات تفسر جنوح الاحداث مطالبة بمراعاة هذه الابعاد من خلال محاولة دراسة المشكلة وفهمها وتحليل التفاعل الذي يحدث بين هذه الابعاد. واشارت الدراسة الى ان هذه الابعاد تشمل الجغرافي والبيولوجي والنفسي, والاقتصادي والثقافي والاجتماعي. وعرضت الدراسة لكيفية تأثير هذه الابعاد على الاحداث مؤكدة ان النظر للمشكلة من منظور واحد قد تسبب نوعا من سوء الفهم يكرس العلاج الخاطىء للمشكلة. وفي بداية الدراسة اشارت الى العامل الجغرافي مؤكدة ان المدرسة الجغرافية تهتم بالبيئة الجغرافية والطبيعية باعتبارها المؤثر في سلوك افراد المجتمع ويرى انصارها ان المناخ البارد او الحار, واختلاف التضاريس واختلاف فصول السنة وكثافة السكان وتوزيعهم في مناطق الشمال او الجنوب, كل تلك المؤثرات لها دخل كبير في دفع الناس الى الجنوح والجريمة. واستعانوا لاثبات ذلك بالاحصائيات التي تشير الى عدد ونوع الجرائم وتوزيعها مكانيا وتبعا للمناخ, وقد دللوا على ارائهم بزيادة الجرائم المرتكبة ضد النفس كالقتل والشجار حتى تصل اقصاها في فصل الصيف ولاحظوا ازدياد حوادث الاعتداء الجنسي خلال فصل الربيع, بينما تزداد الجرائم المرتكبة ضد الملكية كالسرقة والسطو حتى تصل اقصاها خلال فصل الشتاء. البعد البيولوجي: ويرى اصحاب النظريات البيولوجية في تفسير السلوك الانحرافي والجنوح ان العامل البيولوجي يعد عنصرا حاسما في تشكيل الشخصية وتحديد السلوك, وقد ساد هذا الاتجاه بين اتباع المدرسة الايطالية التي اسسها سيزار لومبروزو. ويرى لومبروزو ان هناك اشخاصا يولدون مجرمين بمعنى ان لديهم سمات وخصائص فسيولوجية موروثة تجعل منهم جناة. ولقد حدد لومبروزو مجموعة من السمات التي تميز الشخص الجانح بالميلاد على حد اعتقاده وتتمثل هذه السمات فيما يلي: 1 - اختلاف الرأس حجما وشكلا عن النمط الشائع في بيئة المجرم. 2 - خلل في نصف الوجه والفك والعينين والتواء الانف او نحو ذلك. 3 - امتلاء الشفتين والوجنتين وضخامتهما وبروزهما. 4 - خلل في شكل الذقن. 5 - طول زائد للذراعين. إلا ان هذا التفسير البيولوجي للسلوك الجانح تعرض لكثير من الانتقادات حيث اثبتت الدراسات انه لا توجد فروق حقيقية في شكل الجسم بين الجانحين وغير الجانحين ولم يتأكد من وجود خصائص تشريحية خاصة بالمجرمين وحدهم. وتكمن اهمية هذا الاتجاه في حدود معرفة العوامل الوراثية العضوية في تهيئة الفرد لارتكاب السلوك الجانح, إلا اننا يجب ان ندرك ان شخصية الفرد وسلوكه ما هي إلا نتاج تفاعل الوراثة مع البيئة التي يعيش فيها. البعد النفسي يرى اصحاب النظريات النفسية السلوك الانحرافي او الجنوح ان الاضطرابات النفسية هي السبب في ظهور هذا السلوك. وهناك نظريتان في هذا الشأن هما نظرية التحليل النفسي والنظرية السلوكية: أ - نظرية التحليل النفسي: صاحب هذه النظرية هو الطبيب النمساوي سيجموند فرويد وترى هذه النظرية ان السلوك الجانح هو نتيجة اضطرابات في الشخصية والتي تعود الى عدة اسباب منها: 1 - الكيت المستمر في مرحلة الطفولة. 2 - الاحباط الشديد في مرحلة الكبر. 3 - القلق الشديد. 4 - اختلاف الجهاز النفسي للشخصية. فعلى سبيل المثال ترى هذه النظرة ان الجانح يلجأ الى العدوان دفاعا عن قلقه وعدم اطمئنانه, فالاحباط يثير الشعور بالعدوان ولكن الجانح يعرف ان التعبير عن هذا العدوان سيقابل بعدوان مضاد له وهو هنا يرى ان خير وسيلة لضبط الخوف والقلق من العدوان المتوقع هي في البدء بهذا العدوان الذي يأخذ صورا واشكالا عديدة. ايضا السلوك الجانح من وجهة نظر نظرية التحليل النفسي هو سلوك لا شعوري هدفه التعويض او الابدال والتخلص من الصراع الذي يعانيه الفرد من جراء الصراع بين المكونات النفسية الثلاثة للشخصية من ناحية ومطالب المجتمع وقواعده السلوكية من ناحية اخرى. ب - النظرية السلوكية: تعود جذور النظرية الى العالم الفسيولوجي الروسي ايفان بافلولف ومن العلماء الذين ساهموا في بناء هذه النظرة ايضا ثورندايك وجون واطسون وسكنر والبرت باندورا. وترى النظرية السلوكية ان معظم سلوكيات الانسان متعلمة وهي بمثابة استجابات لمثيرات محددة في البيئة فالانسان يولد محايدا فلا هو خير ولا هو شرير وانما يولد صفحة بيضاء ومن خلال علاقته بالبيئة يتعلم انماط الاستجابات المختلفة سواء اكانت هذه الاستجابات سلوكيات صحيحة ام خاطئة وبالتالي فإن هذه النظرية تنظر الى السلوك الجانح على انه سلوك متعلم وهو عبارة عن عادات سلوكية سالبة اكتسبها الفرد للحصول على التعزيز او الرغبات وتعلمها الفرد من البيئة فإما ان يكون قد تعلمها بواسطة ملاحظة نماذج سالبة في حياته, او يكون قد سلك بطريقة سالبة وحصل على التعزيز, او يكون قد سلك كرد فعل انفعالي وحصل على تفريغ بعض شحنات نفسية سالبة. البعد الاقتصادي: ترى المدرسة الاقتصادية ان السلوك الجانح يرجع الى اسباب اقتصادية مثل: الفقر, والبطالة وارتفاع اسعار السلع والخدمات وانخفاض القدرة الشرائية. ودللوا على ذلك بارتفاع معدل الجريمة في اوقات الازمات الاقتصادية وبوجود علاقة طردية بين معدلات البطالة ومعدلات الجريمة. ومن ابرز انصار هذه المدرسة العالم كارل ماركس صاحب النظرية الاشتراكية, الذي اكد على ضرورة اصلاح النظام الاقتصادي اذا اردنا علاج المشكلات الاجتماعية في المجتمع والتي منها بلا شك مشكلة الجريمة. ولمزيد من التوضيح فإن انخفاض مستوى المعيشة والفقر سيؤديان الى الحرمان الذي بدوره سيؤدي الى صعوبة الحصول على الامكانات اللازمة لحياة كريمة, وهذا يفسح المجال للبحث عن طرق ملتوية للحصول على الرزق او الاشتغال باعمال تافهة مؤقتة, مما يعرض من يخضعون لهذه الظروف الى الجنوح ايضا لا شك ان الظروف الاقتصادية السيئة ستؤدي الى مشكلات اجتماعية وشخصية اذ يؤثر سوء التغذية والمسكن السيء على سلامة الفرد من الناحية الفيزيقية والنفسية وقدرته على التكيف الاجتماعي. البعد الثقافي كثير من الدراسات التي اجريت على الاحداث المشردين والجانحين وجدت ان غالبية هؤلاء الاحداث اميون او شبه اميين وكذلك والديهم. فالامية عامل مهيىء للجنوح وضعف المستوى التعليمي يترتب عليه ضعف المستوى الثقافي, وهذا يعني انخفاض المستوى الفكري وافتقار الاسرة الى اسس التوجيه لسلوك الاحداث وتقويم شخصياتهم. هذا ولكل مجتمع (ثقافة ام) واي مجتمع يتكون من العديد من الجماعات التي بدورها لها ثقافات فرعية تتفق في بعض جوانبها وتختلف في بعضها الاخر مع الثقافة الأم القائمة في المجتمع وقد تأخذ هذه الثقافة الفرعية من الثقافات الام بعض ملامحها, وقد تتميز وتتمايز عنها, وما بين التميز والتمايز قد تبدو متسقة معها احيانا, ومتعارضة معها احيانا اخرى. وذكر البرت كوهن تفسيرا للجنوح في ضوء هذا الصراع الثقافي من خلال ما تتضمنه الثقافة الفرعية من معايير متصارعة مع الثقافة الأم في المجتمع, وهذا يعني تزايد فرصة الجنوح. ايضا اشار تالكوت بارسونز الى ان نعت او وصم الشخص اي تصنيفه سلبيا نتيجة جنوحه يؤدي الى تفاقم حالته. واخيرا ان الصراع الذي يحدث احيانا بين الثقافات الفرعية والثقافة الأم في المجتمع ليس عاملا واحدا من عوامل الجنوح, وهناك عوامل اخرى بلا شك تلعب دورا في ظهور السلوك الجانح مثل: الطبقة الاجتماعية, أوقات الفراغ, فرص تحقيق الاهداف غير الموزعة بشكل عادل, ضعف مؤسسات الضبط الاجتماعي. البعد الاجتماعي البعد الاجتماعي في تفسير السلوك الجانح يؤكد على اهمية تأثير الوسط الاجتماعي او البيئة على الفرد. فعلى سبيل المثال وجد ان الاعضاء المنتمين الى الجماعات المظلومة او المهضوم حقوقها او التي لا تحصل على المميزات مثل بقية الجماعات الاخرى في المجتمع, نجدهم احيانا يسلكون السلوك الجانح كاستجابة للحرمان الاجتماعي والاقتصادي الذي يعانون منه. ايضا عندما يعاني المجتمع من التفكك الاجتماعي او سوء التنظيم الاجتماعي فإن الافراد يجدون امامهم فرصا للتهرب من ضغط المعايير الاجتماعية, ولو استمر التفكك الاجتماعي لفترة فإن الجريمة والجنوح ستأخذ شكلا منظما وخاصة في المناطق الحضرية الفقيرة التي تجذب وتنتج وتحمي الخارجين عن المعايير الاجتماعية بل ان الجريمة تصبح مهنة لدى بعض الناس. وجهة نظر اخرى تشير الى ان مشكلة السلوك الجانح هي نتاج ضعف مؤسسات الضبط الاجتماعي, الرسمي وغير الرسمي مثل: الاسرة, والمدرسة, والمؤسسة الدينية, والشرطة, والمحاكم. وهناك اتجاه قوي بين علماء الاجتماع يربط الجنوح بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي اليها الحدث او المجرم. وفي هذا تحدث كلينارد مارشال في كتابه عن سيوسيولوجيا السلوك الجانح عن جرائم ذوي الياقات البيضاء 1973م التي تسود الطبقات الوسطى والعليا, والجرائم التي تسود الطبقات الدنيا كالبغاء والممارسات الجنسية قبل الزواج. كما اكد بيتر ويلموت في كتابه عن الاولاد المراهقين في شرق لندن 1975م على ارتباط الجنوح بأبناء الطبقة العاملة, اذ يأتي كثير من الاحداث الجانحين من الطبقات الاجتماعية الدنيا, حيث الفشل الدراسي والفقر والاسر المحطمة والاقامة والجوار السيء والانتماء الى اسر كبيرة الحجم. ويرى روبرت ميرتون في كتابه النظرية الاجتماعية والبناء الاجتماعي 1975م, ان هناك عنصرين اساسيين للبناء الاجتماعي هما الاهداف والوسائل ويحدث السلوك الجانح عندما يسعى الفرد لتحقيق الاهداف, مثل تحقيق المال والنجاح في احدى المهن او الحرف, إلا ان الوسائل المشروعة لذلك غير ممكنة او غير متاحة في الوقت الذي يمارس فيه اعضاء الجماعة ضغوطا على الفرد لتحقيق هذه الاهداف, وايضا يمارس المجتمع ضغوطا اخرى من خلال ما يتوقعه من الفرد من تحقيق النجاح وهذا يدفع الفرد الى العديد من البدائل التي منها اتباع وسائل غير مشروعة لتحقيق الاهداف مثل السرقة والرشوة وعدم الامانة والكذب والنفاق. ويشير كين برون في شرحه لنظرية ميرتون الى ان الفرد عندما لا يستطيع تحقيق الاهداف ولا يجد الوسائل المشروعة لتحقيقها فإنه يترك هذه الاهداف وهذه الوسائل وينسحب من حياة المجتمع على سبيل المثال: التسرب من المدرسة او العمل, الادمان على المسكرات أو المخدرات او اللجوء الى الانتحار او ان يرفض هذه الاهداف والوسائل ويضع بدلا منها اهدافا ووسائل خاصة به وبزملائه ممن في مثل موقفه ويحاولون ان يفرضوها على المجتمع على غرار ما يقوم به الثوريون والارهابيون. اخيرا يمكن ان نقول: ان مشكلة الاحداث الجانحين ليس لها جانب واحد وهي من الظواهر الاجتماعية المرضية في العالم الحديث وخاصة في المناطق الحضرية. ان وجهة النظر التقليدية لمشكلة الاحداث المشردين والجانحين تعتمد على شمولية الرؤية الى هذه المشكلة من خلال النظر الى المشكلة من مختلف الجوانب وليس من جانب واحد مع الاستفادة من كل المهن والعلوم المرتبطة بهذه المشكلة, وبالتالي النظر اليها من منظور تكامل يشمل البعد الجغرافي والبيولوجي والاقتصادي والنفسي والثقافي والاجتماعي. ان النظر الى المشكلة من منظور واحد يسبب نوعا من سوء او خطأ الفهم لهذه الظاهرة او المشكلة بل هذا الموقف ينطبق على كل الظواهر الاجتماعية والمشكلات الاجتماعية.