عندما فرض الصيام على المسلمين في السنة الثالثة من الهجرة كان ولابد ان يكون له وقع طيب لدى بعض المسلمين, وبعض آخر من المنافقين ربما استقل الشهر باعتبار ان الشهر بكامله فترة طويلة. لكن الله سبحانه وتعالى هيأ لذلك الجو المناسب فأخبرهم بأن الصوم ليس بعبادة جديدة فرضت عليكم وحدكم من دون سائر الامم, بل كان مفروضا على الامم السابقة ايضا إلا انه اختلف من حيث الكم والكيف. يفهم ذلك من قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). ثم لكي لا يفهم انه فرض على الجميع والحال ان في المجتمع الصحيح والمريض والمقيم, والمسافر, والشباب والشيخ الطاعن في السن, قال تعالى (فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له, وان تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون). اذن فإن المسلم المقيم السليم اذا رأى هلال رمضان صام والمقيم افطر وافطاره رخصة توجب القضاء اذا عوفي. والطاعن في السن الذي يبلغ من الكبر عتيا, بحيث لا يطيق الصوم افطر واعطى فدية حرمة للشهر. والمسافر سفرا يبيح له قصر الصلاة وهو مسافة 82 كيلومترا ابتداء من حدود البلد الذي هو فيه, من حقه ان يفطر ايضا لكن ذلك مع القضاء. ثم ان هناك امرا آخر وهو ثبوت رؤية هلال رمضان, حيث نرى ان الرسول صلى الله عليه وسلم اوكل ذلك الى المجتمع وبأسره فقال (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته, فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين). اي ان تحري الهلال امر يشترك فيه كافة افراد المجتمع, لكن اذا قام به بعضهم سقط عن الباقين. كان اعتماد الناس قديما على الرؤية البصرية لانها الوسيلة الوحيدة, فلا الكتابة تسعفهم آنذاك, ولا الآلة, ولكن يا ترى لو وجدت الآلات في زمن مثل زماننا, ووجد من يقوم بعمليات حسابية دقيقة تؤدي الغرض نفسه هل نرفض ذلك العلم او ذلك الاختراع ام نقبله؟ اعتقد اننا نقبله ويجب ان نقبله لان الدين امرنا بإعمال فكرنا وعقلنا, والدليل على ذلك ما حواه القرآن الكريم من الآيات التي تنتهي بأفلا تعقلون, أفلا تتدبرون, أفلا تتذكرون, أفلا تعلمون, بمعنى ان الدين لم يردنا ان نكون امعيين نساق كما تساق البهائم, ولكن لنا عقل نعقل به الامور وارادة نأخذ او نرفض ما نراه ونشهده. وفي الوقت نفسه فإن الحديث امرنا برؤية الهلال ولم يشترط ان تكون الرؤية بالبصر المجرد, وإلا فإن الذي يلبس النظارة اليوم ويقول رأيت الهلال وجب ألا يأخذ بقوله, لانه لم ير الهلال برؤية عينه المجردة, بل بواسطة مكبر وهو آلة. من هنا اقول فإن الحسابات الفلكية يجب ان تعتمد ورؤية بلد يجب ان تكون رؤية كل بلاد العالم الاسلامي, او على الاقل البلاد التي تتفق معا في المطالع والمغارب. في كل عام تقوم ضجة في البلاد الاسلامية حول بداية رمضان ونهايته, مع ان المطلوب هو صوم شهر قد يكون 29 يوما وقد يكون 30 يوما ولا يعقل ان يكون 28 يوما او 31 يوما. إذن لماذا الاختلاف في حين ان القرآن الكريم قال (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ومن عند علماء الاصول من ادوات العموم ليس خاصا بشخص معين, كما ان كلمة منكم موجهة الى المسلمين اينما وجدوا وليست خاصة بأهل بلد ما, وإلا فإن كل آيات الاحكام كان يفهم منها بأنها موجهة الى الصحابة الذين حضروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم او أهل المدينة المنورة, لكن الامر ليس كذلك. والرسول صلى الله عليه وسلم قال (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) ففعل الامر صوموا خطاب للجميع غير خاص ببلد معين, بل خطاب للمسلمين. ثم ان هناك أمرا آخر ايضا يجب ان يدركه المسلمون وهو ان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يضرب مثلا او يذكر شاهدا, وكذلك القرآن الكريم نفسه فإنه لم يكن يقصد ذلك الشاهد بعينه, ولا ذلك العصر بعينه, ولا ذلك الموقف بعينه, وإلا تعطلت ثلاثة ارباع القرآن الكريم, وكذلك الاحاديث النبوية بحكم انها نازلة على فلان, وللموضوع الفلاني وخاصة بالمكان الفلاني. كلا ثم كلا, بل الصحيح ان تثبت الاحكام ولا يمنع من ان يتغير الزمان او المكان والوسائل والقرائن. على سبيل المثال انظروا الى قوله تعالى (أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقت) ألا تدعو هذه الآية امة محمد بأن يتأملوا في خلقة هذا الحيوان العجيب؟ العجيب في شكله, والعجيب في قوة تحمله. لكن هل يمنع من ان نقف نحن اليوم ونتأمل في هذه الطائرات التي تخترق الاجواء في ثوان, وهذه الغواصات التي تغوص في المحيطات, او هذه الطائرات العملاقة التي تحمل طائرات او سيارات او بضائع اثقل من حجمها ووزنها بكثير ومع ذلك فإنها تصعد وتنزل وكأنها ريشة. هل تدعو هذه الصنائع ان نقف ونتأمل فيها بدلا من الجمال والبغال والحمير؟ ام اننا ملزمون بأن نقف امام الجمال وحدها الى الابد؟ اعتقد ان الله سبحانه وتعالى كان هدفه ان يلفت انتباه المشركين الى مخلوقات الله العجيبة لكي يشعرهم بعظمة الله وعجائب صنعه, وكان هذا الحيوان فعلا في ذلك الوقت مخلوقا عجيبا يحسون به هم انفسهم بغرابته لانه محسوس وملموس امامهم. ولم يكن القرآن معجزا لو طلب منهم ان يتأملوا في الطائرات وهي لم تخلق بعد. اذن فإن الصوم ورؤية الهلال كذلك حيث يجب علينا ان نصوم, ونحدد بداية لشهر الصوم ونهاية ولا مانع ان نستعين بأحدث الوسائل الموجودة في زماننا اذ المدار على صوم شهر بأكمله. والامر الآخر الذي يجب ان يستوقفنا في شهر الصوم اجتماعيا هو ان الصوم عندما فرض كان يهدف الى تهذب أخلاق افراد المجتمع الذين تعودوا على ان يغتابوا وينموا ويكذبوا ويسبوا وغيرها. جاء الصوم ليقول للناس: الصيام جنة, فإذا كان احدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل, وان امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين, فمتى التزم بالحديث صان نفسه من الوقوع في المحرم, وهذا معنى كون الصيام جنة. وهناك أمر آخر ايضا وهو ان البشر فيما بينهم تفاوت في قوت احتمال الآخرين فمنهم من اذا شم رائحة كريهة من احدهم قام وتكلم عليه وربما جرحه بكلامه. جاء الصوم ليقول للناس ان الذي صام عن الطعام والشراب والكلام يوما كاملا لابد ان تنبعث من حلقه رائحة غير طبيعية من اثر الجوع فلا يضايقكم هذه الرائحة لان صاحبها كان في عبادة الله عز وجل. اذن فإن هذه الرائحة وحدها ليست مقصودة بعينها, بل اي شىء يؤذينا وجب علينا ان نتحمله ما دام ذلك كان في سبيل الله, لان ديننا مبني على الصبر على المكاره وقد قال عليه الصلاة والسلام (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) اليس كذلك؟ د. عارف الشيخ